"هي" تسأل: الحبّ.. اختيار أم نمط متكرر؟
بقلم: المعالج النفسي ميشيل سلامة، من Human Relations Institute and Clinics (HRIC) في دبي
يؤمن بعض الأشخاص بأن الوقوع في الحب يبدأ بلحظة سحرية لا تُفسَّر: لقاء بالصدفة، وشعور مفاجئ لا يُقاوم، وقصة فريدة لم يسبق لها مثيل. نسميه "القدر" أو "لقاء الأرواح"، ونتمسك بفكرة أننا اخترنا شريكنا بكل وعي وإرادة. ولكن ماذا لو كان هذا الانجذاب العميق تحرّكه قوة خفية قادمة من الماضي؟ ماذا لو كنّا، بدلًا من اختيار شركائنا بإرادتنا الحرة، نعيد تمثيل سيناريوهات عاطفية قديمة كُتبت فصولها منذ زمن بعيد؟

لماذا ننجذب لمن يشبه ماضينا؟
تبدأ علاقتنا بالحب قبل أن نعرف معنى الكلمة. في سنواتنا الأولى، ومن خلال علاقتنا بمن يرعوننا، تتشكّل لدينا ما يُعرف بأنماط الارتباط، وهي بصمة عاطفية غير مرئية ترافقنا إلى علاقاتنا العاطفية لاحقا.
بعضنا ينمو وهو يشعر بالأمان، فيجد القرب أمرا مريحا وطبيعيا. آخرون يتعلمون أن الحب متقلب أو مشروط، فيتعلقون بشدة ويخافون الفقد. وهناك من يربط القرب بالاختناق، فيتجنب الالتزام ويقدّس الاستقلالية. وفي حالات أكثر تعقيدا، قد يصبح القرب نفسه مصدرا للأمان والخوف في آن واحد.
المفارقة أن انجذابنا العاطفي لا يقودنا بالضرورة إلى ما يناسبنا، بل إلى ما هو مألوف لجهازنا العصبي، حتى لو كان هذا المألوف مؤلما. هنا يظهر ما يُعرف بـ"متلازمة المغناطيس البشري": انجذاب لا واعٍ بين أنماط نفسية تكمل بعضها ظاهريا، لكنها غير متوازنة عاطفيا.
في هــــــذا النــــمـــط قـــــد تنـــــجــــذب من اعتــــــادت العـــطـــــــاء والرعاية إلى شريك غير متاح عاطفيا، أو كثير الأخذ وقليل الحضور. في البداية يبدو الانجذاب قويا ومكثفا، وكأن الطرفين يكمل بعضهما بعضا. لكن مع الوقت، يتضح أن العلاقة تعيد إنتاج أدوار قديمة: طرف يثبت قيمته عبر العطاء، وآخر يعزّز مكانته عبر الأخذ.
ما يجعل هذه العلاقات مغرية ليس صحتها، بل مألوفيتها النفــسية. فالعلاقة التي تتطلب جهدا، أو انتظارا، أو إثباتا للذات، قد تُفسَّر على أنها حب عميق، بينما هي في الواقع تكرار لبرمجة عاطفية قديمة تعلّم فيها الفرد أن القرب لا يأتي إلا بثمن.
فهم هذه الآلية لا يهدف إلى تصنيف الناس، بل إلى إلقاء الضوء على سؤال جوهري: هل ننجذب لأننا نختار فعلًا، أم لأن في داخلنا حكاية قديمة تبحث عمّن يعيد تمثيلها من جديد؟
الوعي بهذا السؤال هو أول خطوة للخروج من دائرة الانجذاب اللاواعي، والانتقال من الحب الذي يُرهقنا إلى الحب الذي يدعمنا.

لماذا نتمسّك بعلاقات تشبه الماضي؟
ليـــســـت كـــل العـــلاقـــــات التي نشعر فيها بقوة المشاعر علاقات صحية. أحيانا، يكون ما نسمّيه حبا ناتجا عن أنماط نفسية تجعلنا نتمسّك بالألم أو بالصورة، لا بالشخص نفسه.
أحد هذه الأنماط هو "الرابط الصدمي". يظهر في علاقات غير مستقرة، يتناوب فيها الأذى مع لحظات من القرب أو اللطف. هذا التناوب يربك الدماغ، فيبدأ بربط الراحة بالشخص نفسه الذي يسبّب الألم. ومع الوقت، يصبح الشريك مصدر القلق والطمأنينة معا، ويغدو الأمل في عودة اللحظات الجيدة أقوى من الرغبة في الانسحاب، حتى عندما يكون الأذى واضحا.
في المقابل، هناك ما يُعرف بـ "الارتباط الخيالي". هنا يبدو القرب موجودا، لكنّه في الحقيقة قائم على صورة مثالية عن العـــلاقــــة، لا عــــلى تـــواصــــل عـــاطـــفــــي صــــادق. يتمسّك الطرفان بشعور الاستقرار، ويتجنبان التعبير عن الاحتياجات أو المشاعر الصعبة خوفا من فقدان هذا الإحساس الهش بالأمان. فيحلّ الوهم محل القرب الحقيقي.
غالبا ما يرتبط هذان النمطان بخبرات سابقة من علاقات غير آمنة، حيث يصبح الألم مألوفا، أو يبدو القرب الحقيقي مخاطرة. والنتيجة علاقة قد تبدو قوية من الخارج، لكنها تفتقر إلى الأمان والنمو من الداخل.
التمييز بين الحب الصحي، الذي يقوم على الصدق والتواصل، وبين التعلّق القائم على الألم أو الوهم، خطوة أساسية نحو علاقات أكثر نضجا وتوازنا. ففي الحب الحقيقي، لا يكون الألم شرطا للقرب، ولا تُستبدل العلاقة بصورة عنها.

كيف نتحول من التكرار إلى الاختيار الواعي؟
قد يبدو فهم أنماطنا العاطفية كأنه اكتشاف محبط، كأننا محكومون بتكرار القصص نفسها. لكن الحقيقة أكثر تفاؤلا. الوعي ليس حكما، بل بداية التحرر. فمجرد إدراكك أنك تعيد نمطا معيّنا هو أول خطوة للخروج منه.
تؤكد الأبحاث الحديثة أن الدماغ مرن وقابل للتغيّر. هذا يعني أن الانجذابات التلقائية ليست قدرا ثابتا، بل مسارات يمكن تعديلها. الهدف ليس لوم الماضي، بل فهمه، حتى يصبح الحاضر مساحة للاختيار لا للتكرار.
كيف يبدو هذا الاختيار في الحياة اليومية؟ غالبا في لحظات صغيرة، لكنها حاسمة:
أولا، التوقّف. عندما تشعرين بانجذاب قوي ومألوف لشخص يوقظ القلق القديم، امنحي نفسك لحظة صمت. اسألي: هل أنجذب لهذا الشخص، أم للنمط الذي أعرفه؟ هذا التوقف البسيط يقطع السلوك التلقائي.
ثانيا، مواجهة الواقع. هل تحبين الشخص كما هو، أم الفكرة التي صنعتها عنه؟ الاختيار الواعي يعني رؤية العلاقة بوضوح، لا التعلّق بالأمل في التغيير.
وأخيرا، بناء أمان عاطفي جديد. اختيار علاقات تتسم باللطف والوضوح والثبات، حتى لو بدت أقل إثارة في البداية. واختيار أن نكون نحن أيضا شركاء أكثر وضوحا وطمأنينة، نعبر عن الألم بصراحة، ونقدّم الأمان بدلا من الصمت أو الانسحاب.
هنا يبدأ التحوّل الحقيقي: حين يصبح الحب قرارا واعيا، لا استجابة قديمة تتكرر.
الخلاصة: هل الحب اختيار أم نمط نعيده؟
إذا كنت تتساءلين الآن: هل الحب اختيار أم نمط؟ فكرّي في الأمر كأنك تقودين سيارة في طريق قديم.
في البداية، قد تكون الطريق مألوفة. أنماط ارتباطنا وتجاربنا الأولى ترسم لنا مسارات نميل للعودة إليها تلقائيا، حتى لو كانت مليئة بالمطبات أو النهايات المربكة. في هذه المرحلة، لا نختار الطريق بوعي، بل نُقاد إلى ما نعرفه.
لكن بمجرد أن تبدئي بالانتباه، تتغير الصورة. هنا يصبح بإمكانك اختيار مسار جديد. يمكنك أن تتركي الطريق القديمة التي تعيدك دائما إلى الوجهة نفسها، وتختاري طريقا أكثر هدوءا وأمانا، حتى لو كان أقل إثارة أو أقل درامية.
الحب الناضج ليس مجرد انجراف عاطفي، بل هو قرار واعٍ يومي. هو اختيار شريك يمنحك الاستقرار، وليس الألم. اختيار أن تكوني صريحة بدل أن تظلّي محبوسة في أفكارك. اختيار أن تبني علاقة حقيقية، لا علاقة قائمة على الوهم أو على إعادة تمثيل الماضي.
يمكنك أن تقدّري ماضيك، لأنه أوصلك إلى هنا، لكنك أنتِ وحــــدكِ من يـــقــــرر الـــوجــهــــة التالية. الماضي قد يضعك على الطريق، لكنك أنتِ من تختار إلى أين تريد أن تصل.
وفي النهاية الوعي هو مفتاح التحرّر. هو الذي يمنحك القدرة على تغيير المسار، واختيار حب حقيقي بدل تكرار قصة قديمة.