كيف يُحسن الصيام في شهر رمضان الصحة النفسية والعاطفية؟

كيف يُحسن الصيام في شهر رمضان الصحة النفسية والعاطفية؟

عبد الرحمن الحاج

مع حلول  شهر رمضان المبارك، يتطلع المسلمون في جميع أنحاء العالم بشوق إلى فترة من التأمل الروحي، وضبط النفس، والتواصل المجتمعي، وخلال شهر رمضان، يصوم المسلمون من الفجر إلى غروب الشمس كركيزة أساسية من ركائز دينهم، وممارسة للتأمل الروحي، وبينما ينصب التركيز الأساسي على الصيام والصلاة وأعمال الخير، فإن فوائد رمضان تتجاوز مجرد الالتزام الديني، حيث تشير الأبحاث إلى أن صيام رمضان يمكن أن يكون له تأثير إيجابي على الصحة النفسية والعاطفية.

ويُمكن أن يكون لشهر رمضان تأثير عميق على الصحة النفسية. فمن تنمية اليقظة الذهنية إلى تعزيز الانضباط الذاتي، يُقدم هذا الشهر الفضيل نهجًا شاملًا للرفاهية. عندما ينخرط الأفراد في العبادة والتأمل والصدقة خلال شهر رمضان، فإنهم في الوقت نفسه يعززون صحتهم النفسية، ويحسنون من رفاههم الروحي والنفسي.

كيف يُحسّن الصيام الصحة النفسية والعاطفية؟

كيف يُحسّن الصيام الصحة النفسية والعاطفية؟

ويُفهم الصيام غالبًا على أنه ممارسة روحية تركز على ضبط النفس. مع ذلك، من منظور علم النفس والطب النفسي الحديثين، يُمكن النظر إلى الصيام أيضًا على أنه عملية تنظيم ذاتي تؤثر على المشاعر والوظائف الإدراكية والتوازن النفسي، حيث  تشير العديد من الدراسات حول الصيام الديني والصيام المتقطع إلى أن التقييد الغذائي الواعي قد يُساعد في استقرار المزاج، وتحسين ضبط النفس، وتعزيز الشعور بمعنى الحياة.

لا يُشير مصطلح "التطهير النفسي" هنا إلى إزالة السموم الجسدية، بل إلى إعادة تنظيم أنماط التفكير والمشاعر والعادات الذهنية التي ربما تكون قد أُرهقت بسبب التشتت والضغط.

وفيما يلي إليكم تأثير الصيام في شهر رمضان المبارك على الصحة النفسية والعاطفية:

  1. تنمية اليقظة الذهنية

تنمية اليقظة الذهنية

يشجع شهررمضان المسلمين على ممارسة اليقظة الذهنية، فالصيام يعزز التواصل مع اللحظة الحاضرة، ويساعد على زيادة الوعي بالعقل والجسد، مما يعزز الوعي الذاتي والتركيز على الصحة الروحية والنفسية، وخلال هذا الشهر الفضيل، يُنصح المسلمون بالابتعاد عن المشتتات، مثل وسائل التواصل الاجتماعي والترفيه، والانخراط في التأمل والصلاة، مما يُسهّل ممارسة اليقظة الذهنية.

بينما ترتبط ممارسات اليقظة الذهنية بتقليل التوتر وتحسين الصحة النفسية، فاليقظة الذهنية تُسهّل الاستمتاع بملذات الحياة في حينها، وتُعزز المشاركة في الأنشطة، وتُنمّي القدرة على التعامل مع الظروف الصعبة، ومن خلال التركيز على الحاضر، يجد الكثيرون ممن يمارسون اليقظة الذهنية أنهم أقل عرضة للوقوع في دوامة القلق بشأن المستقبل أو الندم على الماضي، وأقل انشغالاً بمخاوف النجاح والثقة بالنفس، وأكثر قدرة على بناء علاقات عميقة مع الآخرين.

  1. التأمل الروحي والمرونة العاطفية

تُتيح شعائر رمضان، كالصلاة والتأمل وقراءة القرآن، فرصةً للتأمل الروحي. تُسهم هذه العملية في تنمية المرونة النفسية، أي قدرة الفرد على التكيف مع المواقف الضاغطة، مما يُتيح له مواجهة تحديات الحياة بشكل أفضل، فالأشخاص الذين يتمتعون بدرجة أعلى من المرونة النفسية قادرون على التعامل مع ضغوط الحياة اليومية بفعالية أكبر، ومواجهة الأزمات بسهولة أكبر. ويُسهم الأساس الروحي المتين، المرتبط بالمرونة النفسية، في تحسين الصحة النفسية.

  1. الشعور بالانتماء والدعم الاجتماعي

الشعور بالانتماء والدعم الاجتماعي

خلال شهر رمضان، تجتمع المجتمعات للصلاة، ولقاءات الإفطار، والأنشطة الخيرية، ويُسهم الشعور بالانتماء والهدف المشترك خلال هذا الشهر في خلق بيئة اجتماعية داعمة. وقد رُبط التواصل الاجتماعي بنتائج إيجابية للصحة النفسية، بما في ذلك انخفاض خطر الإصابة بالاكتئاب، وزيادة الشعور العام بالراحة.

  1. تعزيز الانضباط الذاتي والتحكم بالنفس

يُرسّخ الصيام في النفس شعورًا بالانضباط وضبطالنفس، ويرتبط ازدياد الانضباط الذاتي ارتباطًا وثيقًا بالصحة النفسية، مُعززًا الشعور بالإنجاز والتمكين، كما يُمكن لضبط النفس أن يُؤثر إيجابًا على الصحة النفسية من خلال تعزيز تقدير الذات وزيادة الثقة في القدرة على ضبط النفس والسيطرة على الدوافع والرغبات.

  1. الامتنان

يُشجع شهر رمضان على الامتنان لنعم الحياة، مُعززًا بذلك التفكير الإيجابي. فمن خلال الامتناع عن الطعام والشراب، يُدرك الصائمون في رمضان أهمية جوانب الحياة اليومية، كالحصول على الطعام والماء والمأوى والصحة. وقد رُبطت ممارسة التعبير عن الامتنان بتحسين الصحة النفسية. فالامتنان يُؤدي إلى زيادة الرضا عن الحياة وتقليل الاكتئاب، كما يُعد عاملًا وقائيًا ضد التوتر.

  1. تنظيم المشاعر: تعلّم تهدئة ردود الفعل الداخلية

الشعور بالانتماء والدعم الاجتماعي

في الطب النفسي، يُشير تنظيم المشاعر إلى القدرة على إدارة الأحاسيس دون فقدان السيطرة، وهنا يُدرّب الصيام الأفراد على مواجهة الانزعاج - كالجوع أو التعب أو الرغبة - دون رد فعل فوري، وعندما يكبح الشخص جماح دوافعه، يصبح جزء الدماغ المسؤول عن "كبح المشاعر" (قشرة الفص الجبهي) أكثر نشاطًا، كما يُساعد هذا على تقليل ردود الفعل الاندفاعية، وزيادة الصبر، وإفساح المجال لاستجابات أكثر وعيًا.

  1. التأقلم الروحي: تعزيز المعنى والأمل

غالبًا ما يُصاحب الصيام ممارسات روحية كالصلاة والعبادة وقراءة النصوص المقدسة والتأمل الذاتي. في علم النفس، يُعرف هذا بالتأقلم الروحي - استخدام القيم الروحية لمواجهة ضغوط الحياة. تُظهر الأبحاث أن الأفراد الذين يمارسون التكيف الروحي يميلون إلى امتلاك إحساس أقوى بالمعنى، ومستويات أعلى من الأمل، وقدرة أكبر على قبول المواقف الصعبة بهدوء.