يفير في شمال غرب ألمانيا.. حكاية امرأة ومدينة لا تزال تدق أجراسها من أجلها
كثيرًا ما يبقى التاريخ خلف أبواب المتاحف، ولكنه في بعض الأماكن، ينعكس على ملامح الحياة اليومية، كما في مدينة يفير الألمانية. في هذه المدينة الصغيرة الواقعة في شمال غرب ألمانيا، تحيط الواجهات القديمة بأزقة يحلو التجوّل بين أسرارها، وتتوزع المتاجر والمقاهي على مسافة قريبة من قصر يعود تاريخه إلى قرون، فيما يعجّ السوق مرتين في الأسبوع بالزهور والفاكهة والخضار والمخبوزات.

مدينة خضراء، صغيرة وقريبة من بحر الشمال، تدعوك إلى اكتشافها على مهل... لكن ما إن تمضي بعض الوقت فيها حتى يبدأ اسم واحد بالظهور مرارًا: ماريا. يقف تمثالها في المدينة، وتحمل إحدى مدارسها اسمها، فيما يروي القصر فصولًا كثيرة من حياتها. حتى إن يفير لا تزال تُعرف باسم "مدينة السيدة ماريا". وبعد ما يقارب خمسة قرون على وفاتها، لا تزال "ماريا فون يفير" حاضرة في هوية المكان الذي حكمته يوما.

أرض الفريزيين الأحرار
ارتكز تاريخ هذه المنطقة من شمال ألمانيا حول مفهوم "الحرية الفريزية". ففي العصور الوسطى، وبينما كانت أجزاء واسعة من أوروبا تخضع لأنظمة إقطاعية صارمة، اتخذت الحياة لدى الفريزيين مسارًا مختلفًا. وفي بيئة صعبة من المستنقعات والأراضي الرطبة، وعلى أرض يهددها البحر باستمرار، تولّت المجتمعات المحلية مسؤولية حماية أراضيها والدفاع عنها والحفاظ عليها.
مع أواخر العصور الوسطى، برز الزعماء المحليون، وتمتعوا بامتيازات شملت الحق في تشييد المنازل المحصنة. وبمرور الوقت، أخذ الحكم طابعًا وراثيًا على نحو متزايد، وتحولت تلك البيوت المحصنة إلى مقار للعائلات الحاكمة. وفي قصر يفير، لا يزال الجزء السفلي من البرج يعود بجذوره إلى ذلك العالم المبكر لزعماء فريزيا.

والتجول في القصر اليوم يجعل ذلك الماضي البعيد أقرب مما قد نتوقع. تكشف التفاصيل عن حياة كانت تعج داخل هذه الجدران، بين أفراد الأسرة الحاكمة والحراس والحرفيين والخدم والزوار. كانت اللحوم تُعلّق عاليًا على العوارض الخشبية بعيدًا عن الفئران، واستُفيد من سماكة الجدران لتوفير مساحات باردة لحفظ الطعام، فيما استُخدمت قنوات بسيطة لتصريف المياه، وأحاطت الخنادق المائية بالمقر لحمايته. وفي هذا العالم، ولدت ماريا عام 1500.
كيف أصبحت ماريا سيدة يفير؟

كانت ماريا ابنة الزعيم الفريزي إيدو ويمكن والكونتيسة هايلفيغ من أولدنبورغ، فيما سبقت ولادتها حكاية عائلية طبعتها الخسارة. فبعد أن فقد إيدو زوجته الأولى وأطفاله بسبب المرض، تزوج هايلفيغ عام 1498. وسرعان ما كبرت العائلة، فوُلد التوأم كريستوف وآنا عام 1499، ثم ماريا عام 1500، ودوروثيا عام 1501. لكن هايلفيغ توفيت بعد وقت قصير من ولادة طفلتها الأخيرة. ومع رحيل أشقائها في سن مبكرة، أصبحت ماريا الممثلة الوحيدة لسلالة ويمكن.
لم يكن طريقها إلى الحكم سهلًا. فالزواج الذي كان مقررًا من أحد أبناء كونتات فريزيا الشرقية لم يتم، ومنذ نحو عام 1530 اتخذت موقفًا حازمًا في مواجهة أطماع فريزيا الشرقية في أراضي يفير. وبدعم من السلطة الإمبراطورية، وبالجمع بين الدبلوماسية والتحرك العسكري، سعت إلى حماية أراضيها وتعزيز استقلالها.

لكن حكمها لم يقتصر على الدفاع عما ورثته. ففي عهد ماريا، تطورت يفير لتصبح المركز السياسي لأراضيها، واكتسبت تدريجيًا طابع المدينة التي تتمحور حول مقر الحاكم. وفي عام 1536، منحت يفير حقوق المدينة، وعززت تحصيناتها، وحوّلت القصر إلى مقر أكثر فخامة، ودعمت مشاريع واسعة لبناء السدود. وكان للتعليم نصيب من إرثها أيضًا، من خلال تأسيس مدرسة لاتينية وتقديم المنح الدراسية. أما اقتصاديًا، فشملت إجراءاتها زيادة سك العملات وتوحيد الأوزان والمقاييس، فيما استعانت بالفنون والعمارة لترسيخ حضور حكمها. وتذكرها المصادر التاريخية حاكمة حصيفة وقادرة، ارتبط اسمها بالرحمة والعدالة، وقيل إنها كانت تحمي أرضها "كما تحمي الدجاجة الأم فراخها".
داخل قصر ماريا
يقدم متحف قصر يفير Schlossmuseum Jever اللقاء الأكثر وضوحًا مع هذا الإرث. تنقلك غرفه بين التاريخ السياسي والحياة اليومية، وتضم مجموعاته الملابس التقليدية والخزف والأدوات المنزلية، إلى جانب الأسلحة والأختام والصور الشخصية. أما بعض أجمل تفاصيل الموقع، فتكفي نظرة إلى الأعلى لاكتشافها. إذ تعود إحدى زخارف السقف الخشبي الغنية إلى القرن السادس عشر، شاهدة على التحولات التي أجرتها ماريا على مقر الحكم. كما أمرت ماريا بإقامة نصب تذكاري لوالدها إيدو ويمكن، آخر حاكم ذكر من السلالة. وقد أُنجز النصب الجنائزي المتقن في القرن السادس عشر، ونجا من الحرائق التي طالت الكنيسة المجاورة. لكن إرث ماريا لا ينتهي عند جدران القصر..

مدينة لا تزال تتذكرها
توفيت ماريا عام 1575 من دون وريث مباشر، بعدما رتبت انتقال يفير إلى كونتات أولدنبورغ بدلًا من وقوعها تحت سيطرة فريزيا الشرقية. وتبدلت القوى التي حكمت المدينة مرارًا خلال القرون التالية، لكن العلاقة التي تربط يفير بحاكمتها السابقة أثبتت أنها أكثر استمرارًا. فلا تزال صورتها واسمها جزءًا من الذاكرة الثقافية للمدينة: تمثال ماريا، ومدرسة تحمل اسمها، وربما الأجمل من كل ذلك أجراس القصر. ففي كل مساء، تدق الأجراس عند الساعة العاشرة صيفًا والتاسعة شتاء. لكن الأسطورة تمنح هذا التقليد معنى أكثر شاعرية، إذ يُقال إن الأجراس تدعو ماريا إلى العودة، وتهديها الطريق إلى القصر الذي لم تغادره، بحسب الحكاية، إلا بصورة مؤقتة.
تقليد نيليّ اللون

لا يقتصر تاريخ يفير على حكايات الحكّام. فعلى مسافة قصيرة سيرًا على الأقدام عبر البلدة القديمة، نصل إلى فصل آخر من تراث المدينة، لكنه تراث يمكن مشاهدة تفاصيله وهي حيّة حتى اليوم. في مشغل Jever Blueprint Factory، يستمر فن الطباعة الزرقاء التقليدية باستخدام قوالب الطباعة المحفورة والمعجون العازل وصبغة النيلي. ويحتفظ المشغل بمجموعة تضم نحو 600 قالب تاريخي، تعود أصولها إلى ألمانيا ومناطق أوروبية أخرى، من بينها هولندا والمجر.
وتكشف القوالب نفسها عن مقدار الصبر الذي تتطلبه هذه الحرفة. فقد كان خشب شجر الإجاص يُترك لعقود حتى يفقد رطوبته قبل أن يبدأ الحرفي بنحته، وقد يستغرق إنجاز أحد القوالب المعقدة عامًا أو عامين.
ولا تقل عملية الطباعة دقة: يُجهز القماش ويُفرد على طاولة قبل تطبيق النقوش يدويًا باستخدام القوالب، ثم يُترك ليجف قبل غمره في حوض النيلي، حيث يظهر اللون الأزرق المميز حول الرسوم المطبوعة. ويمكن تطبيق هذه التقنية على الكتان والقطن والمخمل والقنب والحرير.
الزيارة لا تقتصر على مشاهدة القطع النهائية، إذ يقدم المشغل عروضًا حية تتيح متابعة مراحل هذه الحرفة عن قرب ورؤية القوالب وهي تُستخدم أمام الزوار.

متعة اكتشاف المدينة على مهل
يكمن جانب من جاذبية يفير اليوم في السهولة التي تتعايش بها كل هذه الطبقات. فما إن نغادر القصر أو مشغل الطباعة الزرقاء حتى تستعيد المدينة إيقاعها اليومي الهادئ. تدعو أزقتها القديمة إلى التجول من دون خطة محددة، وتتجاور المتاجر الصغيرة مع أماكن يمكن التوقف فيها لتناول الطعام أو الجلوس لبعض الوقت، فيما تضيف المساحات الخضراء المحيطة بالقصر سببًا آخر لعدم الاستعجال.

ويمنح سوق المزارعين المدينة إيقاعًا مختلفًا، مع أكشاك الزهور والفاكهة والخضار والخبز. وعلى مدار العام، تستضيف الشوارع تقاليد وفعاليات أكبر، من سوق Kiewittmarkt في الربيع إلىBrüllmarkt في أكتوبر، وسوق أعياد نهاية العام في ديسمبر ومهرجان البلدة القديمة في أغسطس.
في يفير، يرافقنا التاريخ خلال نزهة، ويظهر بجانب واجهة متجر، ويعود في حرفة عمرها قرون، قبل أن يفسح المجال لغداء أو فنجان قهوة.. وحين يحل المساء، لا تزال يفير تدق أجراسها من أجل ماريا المرأة التي ناضلت للحفاظ على استقلال أرضها، بعد ما يقارب خمسة قرون على حكمها!
