الوقاية من السكري وضبطه.. سببٌ بالغ الأهمية لمنع الإصابة بالداء الكلوي المزمن
بعد انقضاء شهر أكتوبر، الشهر الوردي المخصص كليًا للتوعية من سرطان الثدي؛ وصلنا إلى نوفمبر، وهو شهر التوعية بداء السكري، والذي يُحتفل به عالميًا خلال هذا الشهر من كل عام، بهدف زيادة الوعي بمرض السكري، عوامل الخطر المرتبطة به، أهمية التشخيص المبكر والإدارة الفعالة للمرض.
ويتزامن هذا الشهر مع اليوم العالمي للسكري، الذي يُصادف 14 نوفمبر سنويًا؛ وهو مناسبة عالمية تُسلَط الضوء على الوقاية من السكري، تحسين الوصول إلى الرعاية الصحية والدعم للمصابين به.
وللعلم؛ فداء السكري هو مرضٌ مُزمن، يحدث عندما يعجز الجسم عن إنتاج كميةٍ كافية من الإنسولين أو لا يستطيع استخدامه بفعالية، مما يؤدي إلى ارتفاع مستويات الجلوكوز (سكر الدم). ويمكن أن يؤثر السكري مع مرور الوقت في صحة العينين، الكلى، الأعصاب، القلب وأعضاء أخرى في الجسم.
ثمة 3 أنواع رئيسية لداء السكري، هي التالية:

1. السكري من النوع الأول: ويحدث نتيجة مهاجمة الجهاز المناعي للخلايا المنتجة للإنسولين في البنكرياس، وهو نوعٌ يتطلب العلاج بالإنسولين.
2. السكري من النوع الثاني: هو الأكثر شيوعًا، ويحدث عندما يصبح الجسم مقاومًا للإنسولين أو لا ينتجه بكميات كافية.
3. سكري الحمل: يظهر أثناء الحمل، وقد يزيد من خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني لاحقًا.
يؤثر السكري في كيفية استخدام الجسم للغلوكوز، أو ما يُعرف بسكر الدم. وقد يعني هذا أن مستوى السكر مرتفعٌ للغاية في الدم، وهو ما يمكن أن يضر الأشخاص بعدة طرق. من بين المضاعفات الخطيرة للسكري، الإصابة بالداء الكلوي المزمن؛ وخلال هذه المقالة، يوضح الدكتور إيفان بورتر الثاني، طبيب الكلى في مايو كلينك في ولاية فلوريدا، العلاقة بين السكري والداء الكلوي المزمن وكيفية الوقاية منها.
السكري أحد الأسباب الرئيسية للإصابة بالداء الكلوي المزمن
تُظهر الإحصائيات العالمية أن ما يصل إلى 40% من مرضى السكري يُصابون بالداء الكلوي المزمن، والذي يُسمى أيضًا الفشل الكلوي المزمن. وهو ما يجعل الكلى غير قادرةٍ على أداء أهم وظائفها بكفاءة، ألا وهي تنظيم مكونات الدم، عن طريق ترشيح الفضلات والحفاظ على توازن الملح والماء ومقدارهما في الجسم.
قد يتفاقم الداء الكلوي المزمن قبل ظهور الأعراض على الشخص وتشخيصه، وقد يتفاقم حتى يصل إلى المرحلة النهائية من الفشل الكلوي، والتي قد تكون مميتةً في حال عدم الخضوع لإجراء غسيل الكلى أو جراحة زراعة الكلى.
جدير بالذكر أن كلًا من السكري من النوع الأول والسكري من النوع الثاني، يمكن أن يؤدي الإصابة بالداء الكلوي المزمن؛ إلا أن السكري من النوع الثاني يُعدَ السبب الأكثر شيوعًا لهذه الحالة الصحية. ولا يتمكن الجسم حال الإصابة بأي منهما من إنتاج ما يكفي من الأنسولين، وهو الهرمون الذي يُنتجه البنكرياس للمساعدة في تحويل السكر إلى طاقة. ولأن إحدى أهم وظائف الكلى هي تنقية الدم، فإنها تُساعد في تنظيم مستويات الغلوكوز في الدم، بحسب ما أفادنا د. بورتر.
ويضيف: "المستويات المرتفعة من الغلوكوز، المنتشر في الدم، سامةٌ للأعصاب والأوعية الدموية، وما الكلى إلا كتلة كبيرة من الأوعية الدموية. وقد يؤدي وجود مستوياتٍ مرتفعة من الغلوكوز إلى تغيَرات كيميائية تُسبَب وجود البروتين في البول، ويُنشّط البروتين في البول بشكلٍ مباشر العوامل التي تؤدي إلى التنَدب والتليَف داخل الكلى، ما ينتج عنه تفاقم الداء الكلوي."
5 مراحل للداء الكلوي المزمن.. وعلاقة متداخلة مع السكري

إن طريقة تداخل مرض السكري والداء الكلوي المزمن وتفاعلهما معًا أمرٌ معقد. فقد يُسبَب ارتفاع مستويات الغلوكوز في الدم، تضرر الكلى ويؤدي إلى الداء الكلوي المزمن. في الوقت ذاته، فإن تدهور وظائف الكلى بسبب الداء الكلوي المزمن يمكن أن يؤدي إلى مقاومة الأنسولين، وهي قد تُسبَب السكري من النوع الثاني. علاوةً على ذلك، يمكن أن يؤدي تدهور وظائف الكلى إلى تفاقم السكري الموجود مسبقًا.
وكلما طالت فترة الإصابة بالسكري - وقل التحكم في مستويات سكري الدم - زاد خطر التعرض لمضاعفاتٍ، ومنها الداء الكلوي المزمن. ومن مضاعفات السكري أيضا اعتلال الشبكية السكري الذي يستدعي الوعي بأعراضه.
وفقًا للدكتور بورتر؛ هناك 5 مراحل للداء الكلوي، بناءً على معدل الترشيح الكُبيبي، والذي يُقيس مدى كفاءة ترشيح الكلى للفضلات من الدم. والخمس مراحل هي:
1. المرحلة الأولى: في هذه المرحلة، يكون معدل الترشيح الكُبيبي 90 أو أعلى، وهو ما يُعد مستوىً صحيًا. ومع ذلك، قد يشير أيضًا وجود علامةٍ أخرى إلى الإصابة بالداء الكلوي، مثل وجود دم أو بروتين في البول.
2. المرحلة الثانية: في هذه المرحلة، يتراوح معدل الترشيح الكُبيبي بين 60 و 89.
3. المرحلة الثالثة: تنقسم هذه المرحلة إلى نوعيين فرعيين، وهما المرحلة 3 (أ) والمرحلة 3 (ب). في المرحلة 3 (أ)، يتراوح معدل الترشيح الكُبيبي بين 45 و 59، ويكون مصحوبًا بتدهور بسيط إلى متوسط في وظائف الكلى. أما في المرحلة 3 (ب)، فيتراوح معدل الترشيح الكُبيبي بين 30 و 44، ويكون مصحوبًا بتدهور أشد في وظائف الكلى.
4. المرحلة الرابعة: يتراوح فيها معدل الترشيح الكُبيبي بين 15 و 29، ويكون التدهور في وظائف الكلى شديدًا.
5. المرحلة الخامسة: ويُطلق على هذه المرحلة الداء الكلوي في المرحلة النهائية، كما يُطلق عليها أيضًا الفشل الكلوي؛ وفيها يكون معدل الترشيح الكُبيبي أقل من 15. في هذه المرحلة، يلزم الخضوع لإجراء غسيل الكلى أو زراعة كلى.
غالبًا يُشخَّص الداء الكلوي المزمن في المرحلة الثالثة أو بعدها. ويُعلَق د. بورتر على هذه النقطة بالقول: "إن وجود أمراضٍ مصاحبة أخرى، مثل ضغط الدم غير المنضبط، أو السكري غير المنضبط، أو وجود بروتين في البول، قد يجعل ما يُعدَ مرحلةً مبكرة أكثر سوءًا بالنسبة للشخص."
إنما دعينا نؤكد هنا، أنه لا يُصاب جميع المتعايشين بالسكري بالداء الكلوي المزمن. وبحسب د. بورتر، من الضروري للغاية السيطرة على السكري، متابعة وظائف الكلى بانتظام، واتخاذ الخطوات اللازمة لحماية صحة الكلى، بغية تقليل خطر الإصابة.
تشمل خطوات التحكم في السكري النقاط الأساسية التالية، والتي ينبغي علينا جميعًا مراعاتها والالتزام بها (سواء كنا مصابين بهذا المرض أم لا):
• إدارة الأدوية
• وضع نمط غذائي صحي
• ممارسة الرياضة
• التخطيط للعوامل التي يمكن أن تؤثر في مستويات سكر الدم مثل الأمراض، التوتر، التغيرات في مستويات الهرمونات بسبب دَورة الحيض، والفترة المحيطة بانقطاع الطمث وانقطاع الطمث.
للسكري من النوع الثاني عوامل خطورة يمكن للأشخاص محاولة تجنَبها. ويمكن القيام بذلك عن طريق الوقاية من زيادة الوزن، أو السُمنة أو علاجها؛ المواظبة على النشاط البدني؛ الحفاظ على مستويات صحية من كوليسترول البروتين الدهني مرتفع الكثافة، والمعروف أيضًا بالكوليسترول الصحي؛ وتجنب المشروبات الكحولية.
في الخلاصة؛ يُعدَ السكري من أبرز أسباب الإصابة بالداء الكلوي المزمن، إذ يمكن لارتفاع مستويات السكر في الدم لفتراتٍ طويلة أن يُسبَب تلفًا تدريجيًا للأوعية الدموية الدقيقة في الكليتين. لذا فإن الوقاية من السكري أو السيطرة الجيدة عليه، تُمثل الخطوة الأهم للحفاظ على صحة الكلى.
إن التحكم الجيد في السكري اليوم، هو استثمارٌ في صحة الكلى غدًا. فالفحص المبكر، ضبط السكر وضغط الدم، واتباع نمط حياة صحي يمكن أن يُقلَل بشكلٍ كبير من خطر الإصابة بالداء الكلوي المزمن ويحافظ على جودة الحياة.