هل تسبَب توتري في حدوث هذا؟ ضرورة تحرير النساء من الذنب عند تشخيص سرطان الثدي
فلنكن صريحات مع أنفسنا ومع الآخرين: المسؤوليات الجِسام الملقاة على عاتقنا هذه الأيام، لا تُحتمل.
فلنعترف بذلك ونُصرَح به للجميع؛ فتزايد مسؤوليات النساء في الوقت الراهن يُعدّ أحد أبرز التحولات الاجتماعية والاقتصادية في العصر الحديث. إذ لم تعد المرأة تؤدي دورها التقليدي داخل الأسرة فقط، بل أصبحت شريكًا أساسيًا في مختلف مجالات الحياة، من التعليم والعمل إلى القيادة وصنع القرار. تنعكس المسؤوليات المتزايدة على المرأة بآثارٍ متباينة؛ فمن جهة تمنحها فرصًا أكبر للنمو، الإنجاز والاستقلالية، ومن جهةٍ أخرى قد تفرض ضغوطًا جسدية، نفسية، واجتماعية متزايدة.
وفي ظل تعدد أدوار المرأة المعاصرة بين العمل، الأسرة، الرعاية الذاتية والمشاركة المجتمعية، أصبحت الضغوط النفسية أحد أبرز التحديات الصحية التي تواجهها. فعندما تتراكم المسؤوليات دون وجود وقتٍ كافٍ للراحة أو الدعم، قد ينعكس ذلك بشكل مباشر على الصحة النفسية والعاطفية، كالتوتر والضغط النفسي وغيرها. وكثيرٌ من النساء، ما أن يبدأن بالمعاناة من مشكلةٍ صحية معينة، قد يُرجعن السبب وراء ذلك إلى "حالة التوتر" التي يعشنها.
الأمر ذاته ينطبق على مريضات سرطان الثدي، اللاتي غالبًا ما يسألن السؤال التالي: هل تسبَب توتري في هذا؟ فور تشخيصهنَ بهذا المرض، مع العلم أن هناك العديد من الأسباب الأخرى التي قد تقف وراء هذه الإصابة.

فلماذا تشعر النساء بعدم الأمان الصحي عند زيادة التوتر في حياتهنَ؟ ولماذا تُرجع جميع مشكلاتها الصحية، وعلى رأسها سرطان الثدي، للتوتر في المقام الأول؟ طرحنا هذه الأسئلة على ريتا فيغيريدو، أخصائية نفسية مرخصة ومؤسسة (Peninsula Psychology) في دبي؛ وكانت إجاباتها على النحو التالي..
هل التوتر والقلق من عوامل الإصابة بالسرطان؟
تقول فيغيريدو:
بعد تشخيص الإصابة بسرطان الثدي، قد يصبح البحث عن تفسيرٍ للأمر مسألةٌ "شخصية" للغاية. فربما تستحضر المرأة في ذهنها علاقةً صعبة، أو سنواتٍ قضتها في رعاية الآخرين، أو فترةً كانت فيها أعباء العمل تفوق قدرتها على التحمل. وفي سعيها لفهم ما حدث، قد تبدأ في البحث عن تصرفاتٍ كان ينبغي عليها القيام بها بشكلٍ مختلف؛ مما يُحوّل تجربةً مخيفةً في حد ذاتها، إلى حكمٍ قاسٍ على الطريقة التي عاشت بها حياتها.
من المهم أن ندرك، أن هذه الأفكار تنشأ عادةً في سياقٍ أوسع، يتعلق بما يُتوقع من النساء تقديمه، وما يُسمح لهنَ باحتياجه. فكثيرٌ من النساء ينشأنَ على فكرة أن كون المرء أماً أو شريكةً أو ابنةً صالحة، يعني وضع احتياجات الآخرين في المقام الأول. وهكذا، تصبح التضحية بالذات معياراً للحب، بينما يُنظر إلى الاهتمام بالاحتياجات الشخصية على أنه نوعٌ من الأنانية.
وفي ظل هذه التوقعات، يتم تأجيل الراحة، التقليل من شأن الأعراض الصحية، وتأخير المواعيد الطبية إلى حين الانتهاء من رعاية الجميع. وهذا قد يؤدي إلى عواقب وخيمة؛ فالتشخيص المبكر - الذي يعتمد على تقييم الأعراض في الوقت المناسب وإجراء الفحوصات اللازمة - يمكن أن يُحسّن فرص العلاج بشكلٍ كبير. ومع ذلك، عندما تمرض المرأة، قد تنقلبُ الثقافة ذاتها التي كانت تُشيد بتفانيها ونكرانها لذاتها، لتسألها: «لماذا لم تعتنِ بنفسكِ بشكلٍ أفضل؟».

تضيف "ثقافة العافية" هذه بُعداً آخر، إذ تُوحي بأن الصحة تعتمد كلياً على اتخاذ الفرد للخيارات "الصحيحة" الكافية. فإلى جانب النصائح المتعلقة بالغذاء، الرياضة والنوم، تظهر توقعاتٌ بضرورة إدارة التوتر، الحفاظ على النشاط والحضور الفاعل في مختلف العلاقات والأدوار، والتحكم في المشاعر. ورغم أن بعض هذه الممارسات قد تُعزَز الصحة العامة، إلا أنه عندما يتم تقديمها كدرعٍ واقٍ ضد الأمراض الخطيرة، يصبح التشخيص الطبي بمثابة دليلٍ على "فشل شخصي". فقد تشعر المرأة التي اتبَعت كل التوصيات بأنها خُذلت، بينما قد تبحث أخرى في ماضيها عن دليلٍ يُثبت أنها ارتكبت خطأً ما. وفي كلتا الحالتين، يقع عبء المسؤولية على عاتقها وحدها.
وللإجابة العلمية عن السؤال المطروح أول المقالة، هل التوتر والقلق من عوامل الإصابة بالسرطان؟ تشرح فيغيريدو:
فيما يتعلق بالعلاقة بين التوتر وسرطان الثدي، تُشير الأدلة العلمية إلى ضرورة توخي الحذر عند تفسير هذه الصلة. فلم يُثبت علمياً أن التوتر النفسي سببٌ مباشر للإصابة بسرطان الثدي، ولا تزال نتائج الأبحاث في هذا الشأن غير متسقة. فبينما وجدت بعض الدراسات روابط مُعينة، إلا أنها لا تكفي للجزم بأن حزناً أو قلقاً أو إرهاقاً بعينه، قد تسبَب في إصابة امرأةٍ محددةٍ بالمرض.
يوضح المعهد الوطني للسرطان في الولايات المتحدة، أن الأبحاث التي تبحث في مدى مساهمة التوتر في نشوء السرطان، تختلف عن الدراسات المخبرية التي تتناول تأثير التوتر على نمو الأورام الموجودة بالفعل أو انتشارها. فهذه مسائل مختلفة، ولا يمكن للنتائج المتعلقة بتطور الأورام أن تحدد الأسباب الكامنة وراء نشوء السرطان. ومع ذلك، يظل التوتر موضوعاً يستحق الاهتمام؛ إذ يمكن للضغوط المستمرة أن تؤثر على الصحة والرفاهية. ولكن حتى لو أثبتت الأبحاث المستقبلية وجود صلة بين التوتر وخطر الإصابة بسرطان الثدي، فهذا لا يعني بأي حال أن المرأة مسؤولةٌ عن إصابتها بالمرض.
فالتعرض للتوتر ليس فشلاً شخصياً، وتحديد عامل خطرٍ مُعين لا يعني توجيه اللوم. وتكتسب هذه النقطة أهميتها القصوى، لأن لوم الذات قد يمنح المرء شعوراً زائفاً ومؤلماً بالسيطرة؛ فاعتقادنا بأن تصرفاً قمنا به هو ما تسبَب في المرض قد يُوهمنا بإمكانية منع تكراره من خلال تغيير أفعالنا في المستقبل. لذا، تستحق النساء مساحةً لفهم تجاربهنَ الخاصة، دون أن تتحول هذه المحاولة إلى مراجعةٍ لا تنتهي لما كان ينبغي عليهنَ فعله بشكلٍ أفضل.

هل للتوقعات الاجتماعية دورٌ في زيادة خطر سرطان الثدي؟
هناك مصدرٌ آخر للشعور بالذنب، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتوقعات المجتمعية التي تفرض على النساء رعاية الآخرين. فبالنسبة لامرأةٍ اعتادت أن تكون هي من يحتاجها الآخرون، قد يكون من الصعب عليها أن تجد نفسها في موقفٍ تحتاج فيه هي ذاتها إلى الرعاية. وإلى جانب مخاوفها المتعلقة بالعلاج، قد تشعر بالقلق من التسبَب في اضطراب الحياة الأسرية، أو التغيَب عن العمل، أو أن تصبح عبئاً على من حولها.
كما أن الضغط المستمر للحفاظ على نظرةٍ إيجابية والتعامل مع المرض بصمت، قد يُعزَز التوقعات ذاتها التي كانت قائمةً قبل التشخيص: أي الاستمرار في توفير الراحة للآخرين، حتى في الوقت الذي تعاني فيه هي نفسها. لهذا السبب، فإن تحرير النساء من الشعور بالذنب، يتطلب ما هو أكثر من مجرد تشجيعهنَ على الاهتمام بأنفسهنَ؛ فهو يتطلب أيضاً تغيير ما تتوقعهُ الأسرة، أماكن العمل والخدمات الصحية منهنَ. إن تقاسم مسؤوليات الرعاية يمكن أن يُسهَل الالتزام بالمواعيد الطبية، كما أن تقديم المساعدة العملية دون انتظار طلبها، يُخفَف من عبء تنظيم الدعم. وإفساح المجال لمشاعر الخوف، الغضب والإرهاق يُتيح للمرأة أيضًا تلقَي الرعاية دون أن تضطر في الوقت ذاته إلى طمأنة كل من حولها.
في شهر أكتوبر الوردي هذا؛ يمكننا تشجيع إجراء الفحوصات المبكرة، التقييمات الطبية وتبنَي نمط حياةٍ أكثر صحة، مع التحلَي بالصدق بشأن حدود هذه التدابير. فلا شيء منها يمنح سيطرةً كاملة على احتمالية الإصابة بالسرطان، ولا ينبغي لأي منها أن يتحول إلى معيارٍ للحكم بأثرٍ رجعي على ما إذا كانت المرأة قد بذلت جهداً كافياً أم لا.
فالنساء يتحملنَ بالفعل مسؤولياتٍ كبيرة تجاه رفاهية الآخرين؛ لذا لا ينبغي إضافة عبء تبرير إصابتهنَ بالسرطان، أو استحقاقهنَ للحصول على الرعاية، إلى تلك المسؤوليات.