برادا تراهن على الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي

برادا تراهن على الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي

28 أكتوبر 2026

في زمن باتت فيه الصورة تُولد خلال ثوانٍ، اختارت “برادا” أن تمنح صورتها وقتاً أطول، وأن تستعيد فناً يتطلب الصبر والمهارة وعشرات المحاولات للوصول إلى حركة واحدة مقنعة. قرار يبدو رومانسياً في ظاهره، ويحمل موقفاً إبداعياً شديد المعاصرة في جوهره. ففي حملتها لموسم الأعياد 2026، تطرح الدار الإيطالية سؤالاً يستحق التأمل: ما قيمة الإبداع حين تصبح القدرة على إنتاج الصورة متاحة للجميع، ويغدو الجهد البشري خياراً يمكن تجاوزه بضغطة زر؟

من حملة الاعياد 2026 لـPRADA
من حملة الاعياد 2026 لـPRADA

تحت عنوان Drawing Prada: Animated by Hand، تستعيد الدار سحر الرسوم المتحركة اليدوية، وتستعين بفنانين يقودهم أحد أبرز الأسماء في تاريخ هذا الفن، “جون بوميروي”، الذي ارتبطت مسيرته باستوديوهات “ديزني” وأفلام التحريك التي شكّلت ذاكرة أجيال كاملة. والنتيجة حملة احتفالية آسرة، يتجاوز جمالها المشهد النهائي إلى الطريقة التي وُلد بها ذلك المشهد.

من حملة الاعياد 2026 لـPRADA
من حملة الاعياد 2026 لـPRADA

أجد في هذا الاختيار واحداً من أذكى القرارات الإبداعية التي اتخذتها “برادا” مؤخراً. فوسط اندفاع صناعة الموضة نحو التقنيات التوليدية، وما توفره من اختصار للوقت والموارد، اختارت الدار أن تستثمر في أحد أكثر أشكال التعبير الفني اعتماداً على الجهد الإنساني. وكأنها تذكّر صناعة أصبحت مهووسة بسرعة الوصول إلى النتيجة، بأن العملية الإبداعية نفسها تستحق أن تكون موضع الاحتفاء.

وهذه الفكرة تكتسب أهميتها حين نتأمل طبيعة الإبداع اليدوي. فالخط المرسوم يحمل أثر اليد التي صنعته، وتفاوت الضغط على القلم، والاختيارات التي تتشكل خلال العمل، والمحاولات التي تسبق الصورة الأخيرة. حتى الاختلافات الطفيفة التي قد تبدو عيوباً في منطق الكمال الرقمي، تحمل أحياناً أكثر ما يجعل العمل حياً. ثمة شخصية تنشأ من تلك الاختلافات، وحساسية بشرية تتراكم عبر الخبرة والذاكرة والحدس.

من حملة الاعياد 2026 لـPRADA
من حملة الاعياد 2026 لـPRADA

الذكاء الاصطناعي قادر على محاكاة هذه المظاهر البصرية بدرجات مدهشة، غير أن السؤال الأهم يتعلق بما وراء المظهر. فهناك مسافة بين إنتاج صورة تحمل ملامح الفن، وصناعة عمل تتجسد فيه تجربة الفنان وقراراته وتاريخه الشخصي. التقنية تستطيع أن تختصر التنفيذ، فيما تتشكل القيمة الفنية أيضاً من التجربة التي يمر بها المبدع أثناء التنفيذ. وهذا تحديداً ما يمنح اختيار “برادا” ثقله النقدي.

وتزداد الفكرة عمقاً مع حضور “جون بوميروي”. فقد بدأ الفنان الأمريكي مسيرته في “ديزني” عام 1973، وعمل لاحقاً على إنتاجات من بينها An American Tail و The Land Before Time، قبل عودته إلى “ديزني” للإشراف على تحريك شخصية “جون سميث” في فيلم Pocahontas، والمشاركة في Fantasia 2000.

ويروي “بوميروي” عبر موقعه الشخصي إحدى التجارب التي شكلت فهمه لفن التحريك، حين أعاد تنفيذ مشهد لشخصية “تيغر” تمشي وسط الثلوج ثماني عشرة مرة، تحت إشراف الفنان “فرانك توماس”، أحد الرسامين التسعة التاريخيين في “ديزني”. في هذه الحكاية الصغيرة تختصر فلسفة كاملة عن الإبداع: ثماني عشرة محاولة، وثماني عشرة فرصة لفهم الشخصية والحركة بصورة أعمق. ذلك النوع من المعرفة الذي ينمو داخل الممارسة، ويمنح المهارة معناها عبر الزمن.

من حملة الاعياد 2026 لـPRADA
من حملة الاعياد 2026 لـPRADA

لهذا يبدو استدعاء “بوميروي” وفريقه أكثر أهمية من مجرد استحضار الحنين إلى طفولة الأجيال السابقة. إنه استثمار في ذاكرة فنية حية، وفي خبرة تراكمت عبر عقود من الملاحظة والتجربة والعمل. والأجمل أن هذه الخبرة وجدت مكانها داخل حملة معاصرة، تتوجه إلى جمهور شاب اعتاد الصور الرقمية السريعة.

 

تتحرك شخصيات الحملة بين عوالم شتوية خيالية، حيث تستولي فئران صغيرة على حذاء من “برادا”، وتظهر حيوانات مرسومة وسط الغابات الثلجية، إلى جانب ممثلين من بينهم “سادي سينك” و”مايا هوك” و”تشين هاويو” و”لوثر فورد” و”كيلفن هاريسون جونيور”. ويتولى المصور “غلين لوتشفورد” تصوير المشاهد الحية بإضاءة ومنظور ينسجمان مع الرسوم اليدوية، ضمن توجيه إبداعي للحملة من “فرديناندو فيرديري”، وتحت الرؤية الإبداعية لـ”ميوتشا برادا” و”راف سيمونز”.

"ميوتشا برادا" و "راف سيمونز". تصوير Estrop بواسطة Getty images
"ميوتشا برادا" و "راف سيمونز". تصوير Estrop بواسطة Getty images

تنجح الحملة أيضاً في جعل المنتجات جزءاً من الحكاية. فالحذاء الذي تحمله الفئران يتحول إلى عنصر من عناصر المغامرة، وتكتسب الحقيبة حضوراً يتجاوز وظيفتها التجارية. تتولد الرغبة من العلاقة العاطفية بالمشهد، ومن الدعابة والدهشة والشخصيات التي تسكنه. إنها إحدى الفضائل التي امتلكتها الرسوم المتحركة دائماً: القدرة على منح الأشياء الجامدة حياة وشخصية.

والمثير للاهتمام أن اختيار الرسوم اليدوية محوراً لهوية الحملة البصرية يتعايش مع التصوير الحي ودمج المشاهد. وهذا يمنح الحملة قراءة أكثر نضجاً للعلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا. فالوسائط التقنية تخدم الرؤية، بينما يحتفظ الفنان بسلطة القرار الجمالي. القيمة تكمن في معرفة متى تستحق العملية الإبداعية الوقت، ومتى يصبح اختصارها خسارة لشيء جوهري.

 

ثمة مفارقة تستحق التوقف عندها أيضاً. فصناعة الرفاهية تقوم في أحد أهم جوانبها على تقدير العمل اليدوي، وعلى الوقت الذي تستغرقه صناعة حقيبة أو تطريز فستان أو إتقان تفصيل صغير. ومع ذلك، تتجه أدوات إنتاج الصور الإعلانية نحو السرعة المتزايدة. ومن هذا المنظور، تبدو حملة “برادا” امتداداً منطقياً للفلسفة التي تستند إليها الفخامة الحقيقية. فإذا كانت الدار تطلب منا تقدير الساعات والخبرات البشرية التي تدخل في صناعة منتجاتها، فمن الأجدر أن نجد التقدير نفسه في الصور التي تروي قصتها.

وقد يكون هذا أهم ما تقوله الحملة عن مستقبل الإبداع. فالتطور التقني يمنح الفنان أدوات جديدة، بينما تظل الأصالة مرتبطة بوجود رؤية تستحق التعبير عنها. والاختيار الإبداعي الأكثر تقدماً قد يكون أحياناً العودة إلى وسيلة قديمة، حين تمتلك تلك الوسيلة قدرة أعمق على حمل الفكرة.

من حملة الاعياد 2026 لـPRADA
من حملة الاعياد 2026 لـPRADA

إن أكثر ما يعجبني في حملة “برادا” هو ثقتها في قيمة الجهد. لقد اختارت أن تحتفي بفنانين يمتلكون حرفة تستغرق سنوات لإتقانها، وأن تضع آثار عملهم في قلب صورتها الإعلانية. وفي صناعة تزداد فيها سهولة إنتاج الجمال، يصبح امتلاك صورة جميلة وحده إنجازاً محدوداً. الأهمية الحقيقية تتشكل من السبب الذي يجعل هذه الصورة جديرة بالوجود، ومن الفكر والمهارة والإنسان الذي يقف وراءها.

ولهذا أرى أن “برادا” قدمت في موسم الأعياد 2026 ما يتجاوز حملة ناجحة بصرياً. لقد قدمت تذكيراً بواحدة من أكثر الحقائق التي تستحق الدفاع عنها في عصر الذكاء الاصطناعي: الإبداع الإنساني يحمل قيمة تتجاوز النتيجة، لأن في أثر اليد شيئاً من حياة صاحبها.

 

وربما تكون المفارقة الأجمل أن واحدة من أكثر الحملات الإبداعية راهنيه جاءت من أبسط الأدوات وأقدمها: ورقة، وقلم رصاص، وإنسان يعرف كيف يحوّل خطاً مرسوماً إلى شعور.

محرّرة في مجال الموضة والأزياء، تُعدّ من أبرز الأسماء في صحافة الموضة السعودية