التشخيص المتأخّر.. العقبة الأكبر لمكافحة سرطان الثدي في دولة الإمارات
في معظم الحالات؛ تنجح حملات التوعية بسرطان الثدي في زيادة معدلات الفحص والكشف المبكر، وبالتالي تؤدي إلى تشخيص عددٍ أكبر من الحالات، خاصة في المراحل الأولى من المرض.
وتشير مراجعةٌ علمية حديثة للدراسات حول حملات التوعية والتسويق الصحي، إلى أن هذه الحملات ترفع الوعي بسرطان الثدي وتُشجع النساء على المشاركة في برامج الفحص مثل التصوير الشعاعي للثدي (الماموغرام)، ما يزيد فرص اكتشاف الأورام مبكراً.
كما أظهرت أبحاثٌ أن فترات التوعية المكثفة، مثل شهر التوعية العالمي بسرطان الثدي في أكتوبر، ترتبط بزيادةٍ ملحوظة في الإقبال على الفحوصات، وارتفاع عدد حالات سرطان الثدي المكتشفة في مراحل مبكرة.
لكن هناك نقطة مهمة من منظور الصحة العامة: زيادة عدد التشخيصات بعد حملات التوعية لا تعني بالضرورة زيادة حدوث المرض؛ بل تعني أن عدداً أكبر من النساء خضعنَ للفحص، فتم اكتشاف حالات كانت ستبقى غير مُشخصة لفترة أطول. والهدف الأساسي للحملات هو نقل التشخيص من المراحل المتقدمة إلى المراحل المبكرة، حيث ترتفع فرص العلاج والنجاة بشكل كبير.
وفي دولة الإمارات، أظهرت دراسةٌ نُشرت عام 2025 أن برامج التوعية ارتبطت بزيادة الاستفادة من خدمات فحص الثدي بين النساء، ما يدعم دور هذه الحملات في تعزيز الكشف المبكر.
توقيت التشخيص هو العنصر الحاسم في رحلة العلاج من سرطان الثدي. ومع ذلك، كثيرٌ من النساء في الخليج ما زلنَ يكتشفنَ إصابتهنَّ في مراحل متأخّرة من المرض. وخلال شهر التوعية بسرطان الثدي، نجدُ أمامنا فرصةً لتحويل الوعي إلى خطوات عمليّة، وجعل إجراء الفحوص جزءًا طبيعيًّا من العناية بصحّتنا؛ يقول فيفيك كانادي، المدير العام لشركة سيمنس هيلثنيرز في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

ويضيف: "قطعنا شوطًا كبيرًا على صعيد تعزيز الوعي بسرطان الثدي. وقد ساهم شهر أكتوبر، المخصّص للتوعية بهذا المرض، في كسر حاجز الصمت حوله، ليُصبح الحديث عنه أمرًا مألوفًا بعد أن كان يُحيط به الخوف أو الوصمة. ولا بدّ من الإشادة بهذا التقدُّم، علمًا بأنّ الوعي يؤتي ثمارَه حين يقود إلى خطواتٍ مدروسة تُسهم في الكشف المبكّر."
ما يُترجم على الواقع، مختلفٌ بشكلٍ رئيسي عن الأمنيات للأسف. إذ تُظهر الأرقام الحديثة، حجم التحدّي في دولة الإمارات العربية المتحدة؛ فقد سجّل أحدث تقرير صادر عن السجل الوطني للسرطان في دولة الإمارات تشخيص 1,445 حالة إصابة بسرطان الثدي الغازي لدى النساء في عام 2023، ما يجعله أكثر أنواع السرطان تشخيصًا بينهنّ، إذ استأثر بنسبة 36.6% من إجمالي حالات السرطان الغازي المُشخّصة لدى النساء في ذلك العام.
لكنّ عدد النساء اللواتي شُخّصت إصابتهنّ لا يعكس الصورة كاملةً، إذ لا تقلّ عنه أهميّةً المرحلة التي يُكتشف فيها المرض. فقد حلّلت دراسةٌ حديثة عرضتها الوكالة الدوليّة لبحوث السرطان، وهي الوكالة المتخصّصة في شؤون السرطان التابعة لمنظّمة الصحّة العالميّة، بيانات 2,113 مريضة شُخّصت إصابتهنَّ بسرطان الثدي الغازي في مستشفى توام بمدينة العين بين عامَي 2018 و2023؛ وتبيّن أنّ المرض كان قد بلغ المرحلة الثالثة أو الرابعة لدى 42.3% منهنّ عند التشخيص.
ورغم وجود مؤشّرات مشجّعة، إذ انخفضت هذه النسبة إلى 40.2% في عام 2023، بما يعكس الجهود المتواصلة للعاملين في قطاع الرعاية الصحيّة؛ إلا أنّ النتائج لا تزال تُسلّط الضوء على تحدٍّ بارز يتمثّل في تأخّر التشخيص. فما زال عددٌ كبير من النساء لا يكتشفنَ إصابتهنَّ إلّا بعد أن يكون المرض قد بلغ مراحل متقدّمة.
ومن هنا، يُشكّل التشخيص المبكر إحدى أبرز الفرص لتحسين فرص تعافي النساء في مختلف أنحاء المنطقة، بما ينعكس إيجابًا على حياتهنَّ وحياة أسرهنَّ. ويظلّ اكتشاف المرض مبكّرًا، عاملًا حاسمًا في علاج سرطان الثدي وكثيرٍ من أنواع السرطان الأخرى.
اكتشاف المرض مبكرًا يزيد من إمكانية البقاء

تُظهر بيانات المعهد الوطني للسرطان في الولايات المتّحدة مدى هذا الفرق، إذ يبلغ معدّل البقاء النسبي على قيد الحياة لمدّة خمس سنوات 100% حين يكون سرطان الثدي محصورًا في موضعه عند التشخيص، مقارنةً بـ87.5% حين يكون قد امتدّ إلى الأنسجة أو العقد اللمفاوية القريبة من الثدي، و33.8% حين يكون قد انتشر إلى أعضاءٍ أو أنسجة بعيدة عن الثدي. ورغم أنّ هذه الأرقام تخصّ السكّان في الولايات المتّحدة ولا تُمثّل معدّلات البقاء على قيد الحياة في دول الخليج، إلا إنّها تُبرز حقيقة مهمّة: يُمكن للكشف المبكّر أن يُوسّع خيارات العلاجات المتاحة أمام النساء، يُحسّن نتائج العلاج بدرجة كبيرة، ويمنحهنّ ثقة أكبر خلال رحلتهنّ العلاجيّة.
ولعلّ رسالة أكتوبر هذا العام، ينبغي أن تتجاوز التوعية بسرطان الثدي، لتشمل إعادة النظر في موقف الجمهور من فحوص الكشف المبكّر. فلا يزال كثيرون ينتظرون ظهور تغيّرٍ ملحوظ أو الشعور بالألم قبل حجز موعدٍ لإجراء فحص طبّي. في المقابل، باتت الرعاية الوقائيّة تكتسب أهميّةً متزايدة بوصفها ركيزة أساسيّة في أنظمة الرعاية الصحيّة الحديثة، بما فيها تلك في دولة الإمارات. وتُساعد الفحوص الدوريّة على رصد المشكلات الصحيّة المحتملة في وقتٍ مبكّر، حين يكون التدخّل الطبّي أكثر نجاعة في كثير من الأحيان.
تصوير الثدي بالأشعة السينية.. ضرورة رعوية ملحة
من هنا، يُفترض أن تُصبح فحوص تصوير الثدي بالأشعّة السينيّة جزءًا مألوفًا من الرعاية الصحيّة للنساء بعد سنّ الأربعين، أو وفقًا لتوصيات الأطبّاء، يؤكد كانادي. فإجراء هذه الفحوصات لا يفترض بالضرورة وجود مشكلةٍ صحيّة، بل يُمثّل خطوة استباقيّة للحفاظ على الصحّة والعافية على المدى الطويل.
وتوصي الإرشادات الوطنيّة في دولة الإمارات النساء في سنّ الأربعين وما فوق، بإجراء فحص تصوير الثدي بالأشعّة السينيّة كلّ عامَين. أمّا النساء اللاتي لديهنَّ عوامل خطر إضافيّة، مثل وجود تاريخ عائلي للإصابة بالمرض أو طفرة جينيّة موروثة معروفة، فقد ينصحهنَّ الطبيب ببدء الفحوص الدوريّة في سنّ أبكر. وقد تطوّرت تجربة الفحص نفسها أيضًا، فالتقدّم في تقنيّات تصوير الثدي يُتيح للأطبّاء وسائل أكثر تطوّرًا لفحص أنسجته. كذلك، تهدف التطوّرات في أنظمة تصوير الثدي بالأشعّة السينيّة وتقنيّات التقاط الصور وسير العمل السريريّ إلى تحسين الأداء التشخيصيّ والارتقاء بتجربة المرأة أثناء الفحص على حدّ سواء.
وبفضل التقدّم المتواصل في التقنيّات الطبيّة، بات بإلامكان تيسير الوصول إلى فحوص الكشف المبكر وتعزيز كفاءتها، وبالتالي توفير تجربة مُريحة أكثر للمرأة.

تبرز هنا أيضًا، أهميّة البُعد الإنساني للابتكار. فإذا كان القلق من الفحص أحد الأسباب التي تدفع المرأة إلى تأجيله، فإنّ بذل كلّ جهد لتوفير تجربة فحص سلِسة، تُراعي مشاعرها وتضع احتياجاتها في المقام الأوّل، يُشكّل بدوره جزءًا من الجهود الرامية إلى تذليل العقبات أمام الكشف المبكّر.
ولا يقلّ تيسير الوصول إلى الفحوص أهميّةً. فقد أدرجت دولة الإمارات فحوص الكشف المبكّر عن سرطان الثدي ضمن منظومتها للرعاية الوقائيّة، فيما وفّرت المبادرات الحكوميّة والمجتمعيّة فرصًا لإجراء هذه الفحوص مجّانًا. ويعكس استثمار الدولة المتواصل في الرعاية الوقائيّة وبرامج الفحص التزامًا راسخًا بتحقيق نتائج صحيّة أفضل لسكّانها. على سبيل المثال، سبق أن أتاحت حملات وزارة الصحّة ووقاية المجتمع، بالتعاون مع «القافلة الورديّة»، فحوص تصوير الثدي بالأشعّة السينيّة مجّانًا للنساء في سنّ الأربعين وما فوق، من خلال مراكز الفحص والعيادات المتنقّلة.
لكنّ الجهود لا تنتهي عند تطوير التكنولوجيا وإتاحة الفحوص وتعزيز الوعي.
ففي أكتوبر، تكتسي الكثير من المعالم مجدّدًا باللون الورديّ، وتمتلئ الصفحات على وسائل التواصل الاجتماعي برسائل التذكير، ليتحوّل سرطان الثدي إلى حديث الساعة. ولا شكّ في أهميّة هذه الجهود؛ لكنّ المقياس الحقيقيّ للنجاح لا يَكمُن في مدى اتّساع النقاش حول المرض، بل في عدد النساء اللاتي يتشجّعنَ على اتّخاذ الخطوة التالية وإجراء الفحص.
فالتكنولوجيا أداةٌ للكشف المبكّر، وأنظمة الرعاية الصحيّة سبيلٌ إلى فحوص أيسر منالًا، والأطبّاء شركاءُ كلّ امرأة في فهم احتمالات إصابتها واختيار مسار الفحوص الأنسب لها. وللأسر، المجتمعات، مقدّمي الرعاية الصحيّة وجهات العمل جميعًا، دورٌ في ترسيخ ثقافة المبادرة إلى العناية بالصحّة.
في الختام؛ أمامنا اليوم فرصةٌ ذهبية لجعل الإقدام على هذه الخطوة أمرًا مألوفًا. فكلّ تشخيصٍ مبكّر يفتح الباب أمام خياراتٍ علاجيّة أوسع، نتائج أفضل، ومزيدٍ من الطمأنينة وراحة البال. ومع زيادة الوعي، تُصبح فرص التحرّك والتشخيص المبكّر أكبر، وتزداد معها فرص تحقيق نتائج علاجيّة أفضل لمزيد من النساء في مجتمعاتنا.
ولعلّ الرسالة الأجدى في أكتوبر هذا العام لا تحتاج إلى كثير من الكلمات:
لا تنتظري ظهور الأعراض لتبدئي الحديث عن فحوص الكشف المبكّر. استشيري مقدّم الرعاية الصحيّة، تعرّفي إلى احتمالات إصابتكِ بالمرض، وخذي زمام المبادرة للعناية بصحّتكِ.