لأن القصة أكبر من المرض.. جنيفر سعد لـ"هي": السرطان جزء من رحلتي لكنه ليس نهايتها

لأن القصة أكبر من المرض.. جنيفر سعد لـ"هي": السرطان جزء من رحلتي لكنه ليس نهايتها

"السرطان جزء من رحلتي، لكنه ليس نهايتها". كتبت جنيفر سعد، الشابة التي ألهمت قصتها الكثيرين، هذه العبارة على صفحتها على "إنستغرام"، وكانت أول ما لفت انتباهي. قد تبدو هذه الجملة بسيطة، لكنها تختصر الطريقة التي اختارت بها جنيفر أن تنظر إلى واحدة من أصعب مراحل حياتها. ففي الوقت الذي كان فيه تشخيص السرطان  "الساركوما العضلية المخططة" RHABDOMYOSARCOMA كفيلا بأن يغيّر نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى المستقبل، اختارت جنيفر ألا تمنحه المساحة الكاملة من قصتها. بقيت المرأة التي تضحك، وتمزح، تهتم بأنوثتها، تعمل، تحلم بالأمومة، وتبحث عن الجمال في تفاصيل يومها، حتى وهي تخوض علاجا كيميائيا وتواجه أسئلة لم تكن مستعدة لها يوما.

جاء التشخيص في وقت كانت فيه الحياة تحمل لها حلما آخر: الحمل والأمومة. وفجأة، وجدت نفسها أمام قرارات لا تشبه أي شيء خططت له، من وداع طفل انتظرته طويلا، إلى التفكير في خصوبتها ومستقبلها، ثم بدء رحلة العلاج. لم يكن عليها أن تواجه المرض فحسب، بل أن تعيد رسم صورة المستقبل وهي لا تعرف كيف سيبدو.

ومع ذلك، لا تتحدث جنيفر عن هذه الرحلة من موقع الضحية. في حديثها، ثمة حزن لا تخفيه، وخوف تعترف به، وأيام تحتاج فيها إلى التراجع والراحة، لكن ثمة أيضا مساحة واسعة للحياة؛ للحب الذي حملها، وللإيمان الذي منحها الطمأنينة، وللفكاهة التي كانت دائما جزءا منها، وللأحلام التي قد يتغير موعدها من دون أن تختفي.

لأن القصة أكبر من المرض.. جنيفر سعد لـ"هي": السرطان جزء من رحلتي لكنه ليس نهايتها

ربما لهذا السبب تصل قصتها إلى ما هو أبعد من تجربة السرطان نفسها. فهي تذكّرنا بأن المرض لا يمحو الشخصية، وأن الجسد الذي يمر بالعلاج لا يفقد أنوثته، وأن الخوف لا يلغي الأمل، وأن بعض الأحلام قد تتأجل من دون أن تفقد مكانها في القلب. والأهم، أنها تذكّرنا بأن الحياة لا تنتظر حتى تنتهي الصعوبات كي تستمر؛ يمكننا أن نضحك وسطها، وأن نحب، وأن نخطط، وأن نجد لأنفسنا أسبابا صغيرة وكبيرة للتمسك بالغد.

في حوارها الخاص مع "هي"، تفتح جنيفر قلبها للحديث عن رحلة لم تخترها، لكنها قررت أن تعيشها بطريقتها: بصدق، وهشاشة، وإيمان، وكثير من الحياة؛ من فقدان الحمل والحفاظ على الخصوبة، إلى دعم زوجها وعائلتها، وتغيّر علاقتها بجسدها والمستقبل، وصولا إلى رسالتها للنساء حول أهمية الإصغاء إلى أجسادهن والكشف المبكر. وفي كل ما تقوله، تعود الفكرة نفسها: قد يكون السرطان جزءا من القصة، لكنه لا يملك حق كتابة نهايتها.

جاء تشخيصك في مرحلة مفصلية من حياتك، خلال فترة الحمل. عندما واجهتِ تشخيصا نادرا مثل "الساركوما العـــــضـــــلـيــة المخـطــطـــــة" Rhabdomyosarcoma بشكل مفاجئ، من أين استمددت القوة لاستيعاب ما يحدث؟

لم تكن القوة أول ما شعرت به عندما تلقيت التشخيص، بل كان عدم الاستيعاب. غمرتني مشاعر متناقضة ومتلاحقة، ثم وجدت نفسي أدخل في "وضعية النجاة" survival mode. ركّزت على الحقائق، وعلى القرارات التي كان يتعين عليّ اتخاذها، وعلى الخطوة التالية التي كانت أمامي. لم يكن الجزء الأصعب هو التشخيص بحد ذاته، بل كان الاضطرار إلى وداع تلك الروح الصغيرة التي دعوت الله طويلا أن يرزقني بها وانتظرت طويلا لأحملها. لم يكن أمامي في تلك اللحظة طريق آخر. كان عليّ أن أتقبل ما يحدث، وأن أجد طريقة للمضي قدما.  لطالما كنت الشخص القوي في عائلتي، وكان من الصعب جدا أن أرى الخوف في عيون الأشخاص الذين أحبهم. شعرت بأن عليّ أن أتماسك من أجلنا جميعا. حاولت أن أفهم تشخيصي، وأن أكون طرفا فاعلا في علاجي، وهذا ساعدني على استعادة السيطرة. كما أصبح إيماني ملاذا أستند إليه عندما لم تكن لديّ كل الإجابات. كان زوجي وعائلتي سندا لي في أصعب مراحل هذه الرحلة، وخصوصا زوجي الذي كان يذكّرني باستمرار أن "هذه مجرد مرحلة". تمسكت بهذه الكلمات ولم أنظر يوما إلى تشخيصي على أنه حكم مؤبد؛ بل وثقت بأن هذه المرحلة الصعبة ستمضي، وبأن الحياة ستزهر من جديد بمساعدة الله وحب عائلتي.

ما أهــمــيـــة الحــفــــاظ على خصــوبــتــــك وتجـمـيـــد البويضات بالنسبـــــة إليــــــكِ نفسيـــــاً، وكيف أثّر ذلك في نـظــرتــــكِ إلى مستقبلكِ؟

من يعرفني يعلم أنني بطبيعتي شخص محبّ للرعاية والأمومة. لطالما كانت الأمومة أحد أكبر أحلامي، لذلك كان اضطراري إلى وداع طفلي مؤلما للغاية. وعندما علمت أن العلاج الكيميائي يمكن أن يؤثر أيضا في خصوبتي ودورتي الشهرية، أصبح كل شيء أكثر صعوبة. وسط ذلك الحزن، أصبح تجميد البويضات "بطل قصتي". منحني الأمل الذي كنت بأمسّ الحاجة إليه؛ الإيمان بأن الأمومة قد لا تحدث اليوم، لكنني قد أتمكن يوما ما من تحقيق هذا الحلم. كنت أعيش حزن خسارة حاضري، وفي الوقت نفسه أفعل كل ما بوسعي لحماية المستقبل الذي لطالما تخيلته. وشعرت أيضا بأهمية الحديث عن هذه الخطوة بصراحة. يجب أن يصبح الحفاظ على الخصوبة أمرا طبيعيا ومألوفا، خصوصا في منطقتنا. ومن خلال مشاركة تجربتي، آمل أن تشعر نساء أخريات بالقوة التي تدفعهن إلى استكشاف هذا الخيار واتخاذ القرار الذي يناسبهن.

كيــف كان دعـم زوجــــك وعائــلـتــــك سنداً لكِ خلال رحلة العـــــلاج، وكيف أثر دعمهم في الحــفـــاظ عــــلى تماسكك وإيجابيتك؟

غالبا ما ننظر إلى الشخص المصاب بالسرطان على أنه من يحمل العبء الأكبر، لأنه الشخص الذي يتحمل الألم الجسدي. لكنني أشعر أحيانا بأن زوجي وعائلتي يخوضون طريقا أكثر صعوبة؛ أن يشاهدوا شخصا يحبونه يعاني، وهم يشعرون بالعجز عن تخفيف هذا الألم عنه. لو كان لديّ خيار، لتحملت وحدي هذا التشخيص مئة مرة بدلا من أن أراهم يواجهونه ولو مرة واحدة. قد يكون ألمهم أكثر هدوءا من ألمي، لكنه حقيقي بالقدر نفسه. زوجي هو الشخص الذي يحافظ على اتزاني. علّمني ألا أسمح لخوف الغد بأن يسرق مني الحياة التي ما زلت أعيشها اليوم. كلما ازدحمت الأفكار في رأسي وأثقلتني، يعيدني إلى اللحظة الراهنة ويذكّرني بأن أستفيد إلى أقصى حد مما هو أمامي. هذه ليست مجرد رسالة لشخص يعيش مع السرطان؛ إنها درس أؤمن بأن علينا جميعا أن نحمله معنا في الحياة.

كما أعاد والداي ترتيب حياتهما بالكامل من أجلي. وفي نواحٍ كثيرة، أشعر كأننا نعيش من جديد حنان طفولتي، وهما يعتنيان بي مرة أخرى. أتمنى لو لم تكن هذه الرحلة هي السبب وراء ذلك، لكنها قرّبتنا من بعضنا أكثر، ومنحتنا لحظات ثمينة من الحب والهشاشة والتواصل سأحملها معي إلى الأبد.

لأن القصة أكبر من المرض.. جنيفر سعد لـ"هي": السرطان جزء من رحلتي لكنه ليس نهايتها

بعد كل ما مـــررت به، كيـــف تغـيّـــــرت عـــــلاقتك بفكرة المستقـــبـــل وبالحــيــــاة التي كـنت تتخيــــلينــــها لنفسك؟

السرطان لم يسلبني أحلامي، بل غيّر توقيتها. قبل تشخيصي، كنت قد خططت لمستقبلي بالتفصيل. وكحال كثير من النساء المتزوجات حديثا، كنت أتخيل أن أؤسس عائلة وأن أصبح أما. ربما تغيرت تلك الخطط، لكن الحلم نفسه ما زال حيا. علّمتني هذه التجربة أنه لا يمكن التخطيط للحياة دائما. الآن، أحاول أن أعيش كل يوم كما لو كان الأخير، ليس لأنني أخاف من الغد، بل لأنني لن أحظى بفرصة عيش هذا اليوم مرة أخرى. والغريب أنني أؤمن بأن المستقبل الذي ينتظرني قد يكون أكثر إشراقا حتى من المستقبل الذي تخيلته قبل السرطان. تعلمت أن أقلق بدرجة أقل بشأن الأمور الصغيرة، وأن أقدّر أكثر، وأحب أكثر، وأعيش الحياة بامتلاء أكبر. ربما لم أعد أعرف بالضبط كيف سيبدو مستقبلي، لكنني أؤمن بأنه سيكون مليئا بالمفاجآت الجميلة.

كيف تعرّفيــــن الـــقـــوة اليــــوم، بـعيــــداً عن الـصـــــورة النـمـطيــــة لهشاشة محاربي السرطان؟

بالنسبة إليّ، القوة لا تعني ألا نشعر بالخوف. إنها أن نواجه ما يخيفنا بالإيمان والحب والإيجابية، مع السماح لأنفسنا بأن نكون هشّين. وجدت قوتي في الاعتناء بنفسي بطرق يمكنني التحكم بها. أصبحت أكثر انتباها لنظامي الغذائي، وتعلمت أن أصغي إلى جسدي، وأن أمنحه ما يحتاج إليه، وأدخلت تغييرات على المنتجات التي أستخدمها، واضعة صحتي ورفاهيتي في الاعتبار. كما واصلت الذهاب إلى النادي الرياضي عندما كنت أشعر بأنني قادرة على ذلك. ساعدني هذا على الشعور بالقوة، وذكّرني بأنه حتى خلال العلاج، كان جسدي لا يزال قادرا على الكثير. كما كان عليّ أن أتعلم تقبّل التغيّرات الجسدية التي رافقت هذه الرحلة. لم يكن ذلك سهلا دائما، لكن تقبّل جسدي كما هو اليوم أصبح جزءا من طريقة اعتنائي بنفسي. منحتني هذه الخيارات إحساسا بالسيطرة، وساعدتني على الشعور بمزيد من القوة خلال فترة كان الكثير فيها يبدو غامضا وغير مؤكد.

كيف تساعدكِ الفكاهة في التأقلم مع رحلة العلاج، وهل هي جزء من شخصيتكِ أم وسيلة للحفاظ على ذاتكِ وإيجابيتكِ؟

لطالما كانت الفكاهة جزءا من شخصيتي. أحب المزاح والمقالب، وهذه هي طريقتي التي لطالما تعاملت بها مع الحياة. أحاول أن أرى الجانب الممتع في الأشياء، حتى عندما تكون صعبة. عندما أخبرت أصدقائي بتشخيصي، اعتقد معظمهم أنني أمزح. لطالما آمنت أيضا بالصلة بين العقل والجسد. العقلية الإيجابية لا يمكنها تغيير كل شيء، لكنني أؤمن بأن السعادة والضحك يمكن أن يدعما صحتنا ورفاهيتنا بشكل عام. لذلك أحاول التركيز على ما يمنحني الفرح بدلا من السماح للتوتر بأن يسيطر عليّ. غيّر السرطان أشياء كثيرة، لكنني لم أرد أن ينتزع مني هذا الجزء من شخصيتي. الفكاهة والإيجابية جزء أساسي ممن أكون، والتمسك بهما يساعدني على الشعور بأنني ما زلت أنا.

كيف توازنــيـــن بين إظـــهـــار الجــــانب المشــــرق من رحلتكِ ومنح نفسكِ مساحة للحظات الأصعب؟

يسمع كثير من الناس كلمة "سرطان"، فيعتقدون أن الحياة تتوقف عندها. أردت أن أُظهر أنه حتى مع تشخيص خطير وعلاج صعب، يمكن للحياة أن تظل حافلة بالضحك والتواصل واللحظات ذات المعنى. يمكنك أن تختار مواصلة عيش حياتك إلى جانب السرطان، بالطريقة التي تشعر بأنها مناسبة لك. وأريد أيضا أن يعرف الناس أن كل شخص يتعامل مع تجربته بطريقة مختلفة، وليس مطلوبا من أحد أن يكون إيجابيا أو مرحا طيلة الوقت. ثمة أيام، وخصوصا في فترات العلاج الكيميائي، أحتاج فيها إلى التمهل والراحة. وعندما تكون لديّ طاقة أكبر، أشارك كيف أتأقلم مع هذه النسخة الجديدة من نفسي، وكيف أجد الفرح في الأشياء التي ما زالت تجعلني أشعر بأنني جنيفر.

لماذا اخترتِ مشاركة رحلتكِ الصحية عبر مواقع التواصل بهذه الصراحة، ومتى أدركتِ أن قصتكِ بدأت تصل إلى جمهور واسع؟

كنت قد فكرت في مشاركة قصتي، لكنني لم أمتلك الشجاعة لذلك فعليا. لست من الأشخاص الذين يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة، وكانت حياتي دائما خاصة جدا. لكن في اليوم العالمي للسرطان، شعرت بأن هذه إشارة تدفعني إلى مشاركة أول فيديو لي. ومنذ البداية، كنت أتمسك بهذه الكلمات: "السرطان جزء من رحلتي، لكنه ليس نهايتها"، وأردت أن أشارك هذه الرسالة. لم أتوقع قط أن يصل الفيديو الأول الذي شاركته إلى هذا العدد الكبير من الناس. لكن عندما بدأت الرسائل تصلني، أدركت أن قصتي تلامس الناس، وتمنحهم الكثير من القوة في تحدياتهم الخاصة. شجعني ذلك على مشاركة المزيد والسماح للناس برؤية هذا الجانب من جنيفر. ومعرفة أنني أستطيع الوصول إلى قلوب الناس وإحداث فرق من خلال منصتي أسعدتني كثيرا ومنحتني القوة أيضا.

ما الرسالة التي تودين توجيهها إلى النساء حول أهمية الكشف المبكر والانتباه إلى التغيّرات التي تطرأ على أجسادهن؟

رسالتي بسيطة: أنتِ تعرفين جسدك أكثر من أي شخص آخر. قد تبدو بعض الأعراض بسيطة أو غير مهمة، لكن الفحص المبكر يمكن أن يحدث فرقا حقيقيا. وأؤمن أيضا بأهمية الالتزام بالفحوص الدورية وأي اختبارات يوصي بها طبيبك، حتى عندما تشعرين بأنك بخير. يمكن للسرطان أن يصيب الشباب أيضا؛ فهو ليس مرضا يقتصر على كبار السن. شُخّصت في السابعة والعشرين من عمري، ولم أتخيل يوما أن التغيّرات البسيطة التي كنت أشعر بها قد تكون مرتبطة بالسرطان. أنا ممتنة لأنني قررت الخضوع للفحص، لأن تجاهل تلك العلامات كان من الممكن أن يسمح لحالتي بالتفاقم بشكل كبير. الكشف المبكر هو المفتاح. استمعي إلى جسدك، وثقي بحدسك، واطلبي المشورة الطبية عندما تشعرين بأن شيئا ما مختلف. لا تتجاهلي أحد الأعراض لأنك شابة أو لأنه يبدو بسيطا. كلما حصلت على المشورة الصحيحة في وقت أبكر، تمكنت من فهم ما يحدث واتخاذ قرار بشأن الخطوة التالية في وقت أسرع.

ما الرسالة أو التفاعل من أحد متابعيكِ الذي أثّر فيكِ، وذكّركِ بسبب رحلتك عبر مواقع التواصل؟

لقد مسّ السرطان حياة الكثير من العائلات، لذلك عندما بدأت مشاركة رحلتي، كنت أعرف أن ثمة أشخاصا يمكنهم فهم تجربتي أو التعاطف معها، أو فهم ما قد يمر به شخص يحبونه. أتلــقى رسائــــل من أشخـــــاص مصابــيـــن بالســـرطــــــان، ومن أشخاص لم يختبروا المرض بأنفسهم. يقول لي بعضهم: "جيني، كنا نظن أن مشاكلنا وضغوطنا كبيرة جدا. رؤيتك جعلتنا نُقدّر ما لدينا ونتذكر أن نستمتع بالحياة". ويخبرني آخرون ممن يواجهون السرطان بأنهم كانوا يشعرون بالاكتئاب، ويعتقدون أن العالم قد انتهى، لكن صفحتي على "إنستغرام" ساعدتهم على إدراك أنهم قادرون على الاستمرار وإيجاد طريقة للعيش على الرغم من كل شيء. حتى إن بعضهم شارك صفحتي مع أحد أفراد عائلته، على أمل أن تمنحه القوة.  ثمة لقاء بقي عالقا في ذاكرتي، حدث خارج المبنى الذي أسكن فيه. التقيت بالصدفة بامرأة لا أعرفها، قالت لي: "جنيفر، أنت لا تعرفين كم أحبك. أنتظر منشوراتك، وعندما لا أرى شيئا، أدخل إلى صفحتك لأطمئن عليك". أخبرتني أنها مرت هي أيضا بتجربة طبية، وأن متابعة رحلتي غيّرت نظرتها إلى الحياة بشكل كبير، ثم بدأت بالبكاء وهي تتحدث إليّ. كانت لحظة مؤثرة للغاية. تذكرني تجارب كهذه بسبب اختياري مشاركة قصتي. في الأيام التي أشعر فيها بالإحباط، أفكر في الأشخاص الذين وصلت إليهم والرسائل التي أرسلوها لي. إن معرفتي بأن رحلتي منحت شخصا ما الراحة أو ساعدته على رؤية الأمور بطريقة مختلفة تمنح ما أفعله معنى، وتمنحني القوة أيضا.

لأن القصة أكبر من المرض.. جنيفر سعد لـ"هي": السرطان جزء من رحلتي لكنه ليس نهايتها

في منطقتنا، غالبا ما تُقابل الأمراض الخطيرة بالصمت أو الخـوف. من خلال ابتسامتك وصناعة المحتوى والحديث بصراحة، كيف تأملين في تغيير الصورة النمطية حول مواجهة السرطان في الشرق الأوسط؟

في الشرق الأوسط، يتجنب الناس أحيانا حتى قول كلمة "سرطان"، ويشيرون إليه بعبارة "ذلك المرض"، وكأن الكلمة نفسها من المحظورات. آمل أن أساعد، من خلال الحديث بصراحة عن تجربتي، في تغيير ذلك وإظهار أن السرطان يمكن أن يكون جزءا من رحلتك من دون أن يصبح هُويتك بأكملها. واصلت عملي، وأصبحت أكثر نشاطا، واعتنيت بنفسي بشكل أفضل، ووضعت أهدافا جديدة. كان العلاج صعبا، لكنه لم يمنعني من التعلم والنمو. يقول لي الناس أحيانا: "تبدين جميلة جدا، لا تبدين كأنك مصابة بالسرطان". أعلم أنهم يقولون ذلك بحسن نية، لكنه يجعلني أتساءل: كيف يتوقعون أن يبدو الشخص المصاب بالسرطان؟ لا توجد هيئة واحدة يجب أن يبدو عليها مريض السرطان؛ فبعض الأشخاص يفقدون شعرهم، وبعضهم لا يفقده، كما أن العلاج يؤثر في كل شخص بطريقة مختلفة. لست مضطرة إلى ارتداء شعر مستعار إلا إذا أردت ذلك. إذا كان يجعلك تشعرين بالراحة، فهذا خيارك تماما، وإذا كنت تشعرين بالراحة من دونه، فيجب أن تكون لديك الحرية في أن تكوني على طبيعتك أيضا. أريد أن يعرف الناس أنهم ليسوا مضطرين إلى الاختباء أو إلى الانسجام مع الصورة التي يضعها الآخرون لما يجب أن يبدو عليه مريض السرطان. وأعتقد أيضا أنه من المفيد أن نوضح بلطف للأشخاص الذين يحبوننا نوع الدعم الذي نشعر بأنه مناسب لنا. غالبا ما ينبع قلقهم وعروضهم للمساعدة من الحب، لكننا قد نرغب أحيانا ببساطة في أن نُعامل بشكل طبيعي، بدلا من معاملتنا على أننا أشخاص يعانون ويحتاجون باستمرار إلى المساعدة. أنا ممتنة لمعرفة أن أحبائي موجودون إلى جانبي، وسأطلب منهم الدعم عندما أحتاج إليه. يمكن لقليل من التفهم والثقة والمساحة لمواصلة الحياة اليومية أن يعني الكثير.

ما الشيء الذي غالبا ما يـسـيء الــنـــاس فــهــمــــه عــن دعـــــم شخص مصاب بالسرطان؟

أعتقد أن الناس يفترضون أحيانا أن دعم شخص مصاب بالسرطان يعني القلق عليه باستمرار، وعرض المساعدة في كل لحظة، أو معاملته كأنه هش وغير قادر على فعل الأشياء بنفسه. أعلم أن هذه التصرفات تأتي عادة بدافع الحب، لكن أكثر ما يمكن أن يكون مفيدا في بعض الأحيان هو ببساطة أن نُعامل بشكل طبيعي، وأن نُمنح الفرصة لنقول ما نحتاج إليه.  أخبرونا بأنكم موجودون إلى جانبنا، واستمعوا إلينا من دون محاولة إصلاح كل شيء، واعرضوا المساعدة من دون أن تنتزعوا منا استقلاليتنا. في بعض الأيام قد نحتاج إلى الدعم، وفي أيام أخرى قد يكون جل ما نرغب فيه هو أن نشعر بأننا أنفسنا. أن تكونوا إلى جانبنا في كلتا الحالتين هو ما يهم.

 ما الأحلام أو الأهداف التي تمنحكِ الدافع للمضي قدما؟

لا يزال أحد أكبر أحلامي هو بناء عائلة واختبار تجربة الأمومة. قد يكون هذا الحلم مؤجلا في الوقت الحالي، لكنه ما زال حيّا في داخلي. حتى خلال رحلة السرطان، واصلت عملي في مجال العمليات المالية في السعودية، وهو مجال أعمل فيه منذ سنوات طويلة. وقد علّمني العمل عن بُعد تفويض المهام وإيجاد طريقة أكثر صحة وتوازنا للعمل. واخترت أيضا أن أواصل التعلم. ساعدني خوض دورة في التدريب على الحياة Life Coaching على فهم نفسي بشكل أفضل، ومنحني منظورا جديدا حول الطريقة التي أتعامل بها مع الحياة وأتواصل بها مع الآخرين. كما عمّقت هذه التجربة اهتمامي بالعافية والرفاهية. آمل أن أواصل التعلم، وأن أتمكن يوما ما من إنشاء مجتمع يشعر فيه الناس بالدعم والفهم. كما أعمل على مشروع قريب جدا من قلبي، لست مستعدة بعد لمشاركة مختلف تفاصيله، لكنني آمل أن يساعد الأشخاص المحتاجين على الوصول إلى التمويل اللازم لعلاج السرطان.

لكل امرأة تواجه اليوم تشخيصا مفاجئا، أو منعطفا قاسيا في حياتها، أو معركة جسدية شاقة، ما الكلمة التي تودين تركها لها لتكون رسالة تشجيع؟

خذي الأمور خطوة بخطوة. لست مضطرة إلى فهم كل شيء اليوم، ولا إلى أن تكوني قوية في كل لحظة. استمعي إلى جسدك، واحتفلي بالانتصارات الصغيرة، واستندي إلى الأشخاص الذين يحبونك. قد تكون هذه مرحلة صعبة، لكنها ليست نهاية قصتك. تمسكي بالأمل؛ فما زالت هناك حياة وحب وجمال ينتظرونك. وإذا كنت مؤمنة، فضعي مخاوفك بين يدي الله؛ فهذا بالنسبة إليّ كان أكبر مصدر للقوة والطمأنينة.

كيف ساعــــدك إيــــمانــــك خـــــلال هـــذه الرحـــلــــة، خصوصا في أصعب لحظاتك؟

كان الإيمان مرساتي طيلة هذه الرحلة. كان ثمة لحظات صليت فيها وطلبت من الله أن يرسل لي إشارة، ثم حدث شيء شعرت من خلاله بأنها طريقته ليقول لي: "أنا هنا معك". منحتني تلك اللحظات الطمأنينة عندما كنت بأمسّ الحاجة إليها. عندما أصل إلى أدنى نقطة أشعر فيها بأنه لم يعد لديّ ما أقدمه، أذكّر نفسي بأنني لست مضطرة إلى حمل كل شيء بمفردي. أشعر بأن الله يحملني، وهذا يمنحني القوة لاتخاذ الخطوة التالية.

مسؤولة التحرير في النسخة الورقية من مجلة "هي" ومسؤولة قسم تطوير الذات في الموقع الإلكتروني.