كيف نميز بين الوعي الصحي وقلق المرض مع الأخصائية النفسية روان بندقجي

خاص بـ "هي": كيف نميز بين الوعي الصحي وقلق المرض؟ الأخصائية النفسية روان بندقجي تجيب

22 أكتوبر 2026

قد يتحول الخوف الطبيعي على الصحة إلى قلق مستمر يستنزف التفكير ويؤثر في تفاصيل الحياة اليومية، حتى بعد الحصول على نتائج فحوصات مطمئنة. ويُعرف هذا الشعور بـ "قلق المرض"، الذي قد يتزايد لدى بعض النساء مع حملات التوعية بسرطان الثدي والحرص على الكشف المبكر.. في حوار خاص بـ "هي"، تتحدث الأخصائية النفسية روان بندقجي عن أسباب قلق المرض، وكيفية التمييز بين الحرص الصحي والقلق المفرط، وتقدم نصائح ثمينة للحفاظ على الوعي الصحي دون الوقوع في دائرة الترقب والخوف.

عرّفينا بنفسكِ وبمسيرتكِ المهنية في مجال العلاج النفسي، وأبرز محطاتكِ العلمية والعملية.

روان بندقجي، معالجة نفسية مرخّصة، حاصلة على الماجستير في علم النفس الإرشادي من جامعة دومينيكان في كاليفورنيا، امتلك خبرة تزيد على عشر سنوات في العمل الإكلينيكي بين المملكة والولايات المتحدة، أرافق خلالها الأفراد في رحلتهم مع الصدمات والقلق والاكتئاب. تدربتُ بعمق على العلاج بالقبول والالتزام (ACT) مع د. راس هاريس، وأحمل شهادات في EMDR علاج الصدمات النفسية. عملتُ في المدارس والعيادات والجامعات والمؤسسات غير الربحية، وقدتُ مجموعات دعم نفسي وورش عمل متنوعة. أمارس العمل حاليًا في عيادة خاصة مشتركة، وسبق لي تدريس علم النفس في جامعة دار الحكمة.

حوار خاص عن قلق المرض مع الأخصائية النفسية روان بندقجي
حوار خاص عن قلق المرض مع الأخصائية النفسية روان بندقجي

يُعد قلق المرض من أبرز الاضطرابات النفسية المعاصرة.. ما المقصود به، وكيف نميّزه عن الخوف الطبيعي من الإصابة بسرطان الثدي؟

قلق المرض هو انشغال مفرط ومستمر بفكرة الإصابة بمرض خطير أو الاعتقاد بوجوده، رغم غياب الأعراض أو رغم أن الفحوصات الطبية مطمئنة. والمرأة هنا لا تتخيل الأمر بإرادتها، فالقلق حقيقي ومؤلم، لكنه لا يتناسب مع الخطر الفعلي.

أما الخوف الطبيعي فهو شعور مؤقت ومفهوم، ويدفعنا إلى التصرف الصحيح، كإجراء الفحص الدوري أو مراجعة الطبيبة عند ظهور أي تغيير. ويهدأ عادةً بعد الاطمئنان.

الفرق الأساسي أن الخوف الطبيعي يحمينا، بينما القلق المرضي يستنزفنا: يتكرر، ولا يهدأ بالطمآنة، ويؤثر في النوم والتركيز والعلاقات والحياة اليومية.

لماذا قد يتحول الاهتمام بالكشف المبكر إلى خوف مستمر من الإصابة بالمرض؟

لأن الكشف المبكر قائم على فكرة "ابحثي عن المشكلة قبل أن تظهر"، وهذه فكرة صحية، لكنها قد تدفع بعض النساء إلى الترقب الدائم.. فتتحول اليقظة من وعي مفيد إلى مراقبة مستمرة للجسد، وتُفسَّر أي إحساس عابر، كألم بسيط أو تغير في الحجم أو الملمس، على أنه علامة خطر.

ومع الوقت تتشكل حلقة: إحساس جسدي، ثم تفكير كارثي، ثم قلق، ثم فحص أو بحث أو سؤال، ثم ارتياح مؤقت، ثم عودة القلق. وكل مرة نكرر فيها هذه الدائرة نقوّيها بدل أن نكسرها.

كيف تؤثر حملات التوعية بسرطان الثدي وقصص المصابات في الحالة النفسية للنساء؟

لها وجهان.. فهي من جهة تنقذ الأرواح، وترفع نسب الكشف المبكر، وتكسر حاجز الصمت والخجل، وتمنح المصابات الدعم والأمل.

ومن جهة أخرى قد تُشعر بعض النساء بأن الخطر قريب منهن، خاصة مع كثرة القصص المؤثرة والصور والإحصاءات، فيزداد القلق لدى الأكثر حساسية. والمرأة التي تسمع قصة مصابة قد تقول في نفسها "قد أكون أنا التالية"، مع أن قصة واحدة لا تعكس احتمالها الفعلي.

لذلك أنصح بأخذ المعلومة من مصدر طبي موثوق، وبالانتباه إلى كمية المحتوى الذي نتعرض له ونوعه، وأن نتذكر أن القصص تُروى لتوعيتنا لا لتخويفنا.

لماذا يستمر القلق لدى بعض النساء حتى بعد الحصول على نتائج فحوصات مطمئنة؟

لأن القلق لا يحتكم دائمًا إلى المنطق. فالعقل القلق يطلب يقينًا مطلقًا، والطب لا يعطي ضمانًا بنسبة مئة بالمئة لما سيحدث مستقبلًا.

قلق المرض وعلاقته بالخوف من سرطان الثدي مع الأخصائية النفسية روان بندقجي
قلق المرض وعلاقته بالخوف من سرطان الثدي مع الأخصائية النفسية روان بندقجي

وهناك أسباب أخرى:

الطمأنينة تهدأ مؤقتًا، ثم يبدأ العقل بسؤال جديد: "وماذا لو أخطأ الفحص؟ وماذا لو ظهر شيء بعده؟"

طلب الطمأنة المتكرر، من الأطباء أو الأهل أو الإنترنت، يغذي القلق بدل أن يعالجه.

بعض النساء يكون لديهن تجربة سابقة أو خسارة قريبة تجعل الاطمئنان صعبًا.

والعلاج لا يكون بمزيد من الفحوصات، بل بتعلّم تحمّل عدم اليقين. وهي مهارة تحتاج للتدريب.

كيف يؤثر التاريخ العائلي للإصابة بسرطان الثدي في مشاعر الخوف والقلق لدى المرأة؟

وجود إصابة في العائلة، خاصة الأم أو الأخت، يجعل الخوف أعمق وأقرب، لأنه ليس خوفًا نظريًا بل مرتبطًا بتجربة حقيقية عاشتها المرأة مع من تحب. وقد تصاحبه مشاعر حزن وذنب وخوف من تكرار القصة نفسها.

وهنا يجب التفريق بين أمرين: التاريخ العائلي يعني أن المتابعة الطبية تكون أدق ومبكرة وفق توجيه الطبيبة، وقد يشمل ذلك استشارة وراثية في بعض الحالات، لكنه لا يعني أن الإصابة حتمية. فكثير من النساء اللاتي لديهن تاريخ عائلي لا يُصبن أبدًا.

وأنصح كل امرأة في هذا الوضع بأن تضع خطة متابعة واضحة مع طبيبتها، فالخطة تمنح شعورًا بالسيطرة وتخفف القلق.

كيف يمكن للمرأة التعامل مع القلق قبل فحص الماموغرام أو خلال انتظار النتائج؟

قبل الفحص: اسألي الفريق الطبي عن خطوات الفحص ومدته لتقل المفاجآت، واصطحبي شخصًا تثقين به إن احتجتِ.

تمارين التنفس: شهيق بطيء من الأنف ثم زفير أطول من الفم، عدة مرات، فهي تهدئ الجهاز العصبي.

قاومي السيناريوهات الكارثية: عندما تأتيكِ فكرة "سأجد شيئًا مخيفًا"، قولي لنفسي: "هذه فكرة وليست حقيقة، وسأتعامل مع النتيجة حين تأتي".

أثناء الانتظار: اشغلي نفسكِ بنشاط يملأ وقتكِ، كالمشي أو التواصل مع من تحبين أو الهوايات، وابتعدي عن البحث في الإنترنت عن الأعراض أو النتائج المحتملة.

اسألي عن موعد النتيجة وطريقة إبلاغكِ بها حتى لا يبقى الانتظار مفتوحًا.

وتذكري أن معظم نتائج الفحص تكون سليمة أو بسيطة، وأن الكشف المبكر هو سبب ارتفاع نسب الشفاء.

متى يصبح الخوف من سرطان الثدي حالة تستدعي الاستعانة بأخصائية نفسية؟

أنصح بطلب المساعدة عندما:

يستمر الخوف أسابيع أو أشهرًا ويشغل معظم يومكِ.

تفحصين جسدكِ مرارًا، أو تبحثين عن الأعراض باستمرار، أو تطلبين الطمآنة بشكل متكرر دون راحة.

يؤثر القلق في نومكِ أو عملكِ أو علاقاتكِ.

تتجنبين الفحص أو زيارة الطبيبة تمامًا بسبب الخوف، وهذا من أخطر الأشكال لأنه يُفوّت الكشف المبكر.

تظهر نوبات هلع أو حزن شديد أو يأس.

وطلب المساعدة ليس ضعفًا، بل خطوة وعي. والعلاج النفسي أثبت فعاليته في هذه الحالات، وقد تضيف الطبيبة النفسية علاجًا دوائيًا عند الحاجة.

كيف نميز بين الوعي الصحي وقلق المرض مع الأخصائية النفسية روان بندقجي - الصورة الرئيسية
كيف نميز بين الوعي الصحي وقلق المرض مع الأخصائية النفسية روان بندقجي  

ما النصائح التي تقدمينها للمرأة للحفاظ على وعيها الصحي دون أن يتحول إلى مصدر دائم للقلق؟

حددي روتينًا واضحًا: فحص ذاتي شهري في وقت ثابت، وزيارة الطبيبة والماموغرام وفق الموعد الموصى به لعمركِ وظروفكِ، ثم اتركي الأمر ولا تعودي إليه يوميًا.

اختاري مصادركِ: معلومات من جهات طبية موثوقة، وابتعدي عن المنتديات والمحتوى المخيف.

اعتني بنمط حياتكِ: نشاط بدني، وغذاء متوازن، ونوم كافٍ، وإدارة للتوتر، فهذه تحمي صحتكِ الجسدية والنفسية معًا.

تحدثي عن مشاعركِ مع شخص تثقين به بدل كتمانها.

ركزي على ما تملكين التحكم فيه: الفحص الدوري والعادات الصحية، وسلّمي ما لا تملكينه.

اسألي نفسكِ: هل هذا التصرف يحميني أم يهدّئ قلقي لحظة؟ فالأول يُفيد والثاني يُدخلكِ الدائرة.

كلمة أخيرة..

خلال سنوات عملي مع النساء، تعلمتُ أن الخوف من المرض ليس عدوًا يجب إسكاته، بل رسالة تقول إن هناك شيئًا يهمنا ونخشى فقدانه: صحتنا، وأطفالنا، والوقت الذي نريد أن نقضيه مع من نحب. المشكلة تبدأ حين نُسلّم القيادة لهذا الخوف، فنعيش في انتظار خطر لم يأتِ، وننسى أن الحياة تجري الآن.

ما أراه في العيادة أن النساء لا يحتجن إلى يقين مطلق، فهذا لا يملكه أحد، بل يحتجن إلى علاقة أرحم مع قلقهن. أن تفحصي وتتابعي وتعتني بجسدكِ، ثم تعودي إلى ما يمنح حياتكِ معنى، دون أن تنتظري أن يختفي الخوف أولًا. فالشجاعة ليست غياب الخوف، بل أن نمشي نحو ما يهمنا ومعنا خوفنا.

وإن شعرتِ أن القلق أثقل من أن تحمليه وحدكِ، فاطلبي المساعدة، فهذه ليست علامة ضعف، بل من أصدق أشكال العناية بالنفس.

وأشكر مجلة "هي" على إتاحة هذه المساحة للتوعية، وأتمنى لكل امرأة صحةً وطمأنينة وحياةً تُعاش بكامل حضورها.

الصور تم استلامها.

شروق هشام – محررة صحافية تقيم في الرياض، انضمت لمجلة "هي" عام 2012 للعمل في قسم السعودية، متخصصة في الفنون واللايف ستايل والأزياء والجمال. حاصلة على شهادة البكالوريوس في الهندسة المعمارية من جامعة دار العلوم في الرياض.