كيف تتوقفين عن التفكير في العمل بعد انتهاء الدوام

إنهاء يوم العمل دون إرهاق ذهني... هل هو ممكن؟

تُغلقين حاسوبكِ مع نهاية الدوام، لكن أفكاركِ تظل عالقة بين المهام التي لم تكتمل والرسائل التي تنتظر الرد والاجتماع الذي لم يُحسم بعد. قد تجلسين مع عائلتكِ وتحاولين الاستمتاع بوقتكِ، بينما يستمر جزء من ذهنكِ في مراجعة ما حدث خلال اليوم، أو التفكير فيما ينتظركِ في الغد، أو تذكيركِ بمهمة أجلتِها إلى وقت لاحق من دون أن تتمكني من إخراجها من رأسكِ.

يتكرر هذا الشعور لدى كثيرات حتى أصبح الإرهاق الذهني بعد ساعات العمل يبدو وكأنه جزء لا يمكن تجنبه من الحياة المهنية المزدحمة.

والحقيقة أن الانتقال إلى المساء بذهن أكثر صفاءً ليس هدفًا بعيد المنال، ولا امتيازًا لا تحظى به إلا من تتمتع بجدول عمل هادئ. إنه مهارة يمكن اكتسابها بالتدريج، من خلال خطوات بسيطة تتكرر يومًا بعد آخر حتى تصبح جزءًا من روتينكِ المعتاد.

لماذا يصعب على عقلكِ "الخروج من العمل" حتى بعد انتهاء الدوام؟

يف تتعاملين مع الإرهاق الذهني وتض
يف تتعاملين مع الإرهاق الذهني وتض

لا يعني استمرار تفكيركِ في العمل أنكِ تفتقرين إلى قوة الإرادة أو أنكِ لا تجيدين تنظيم وقتكِ، فقد يرتبط الأمر بالطريقة التي يتعامل بها الدماغ مع المهام التي لم تصل إلى نهايتها. تشير الدراسات إلى أن المهام غير المكتملة قد تظل حاضرة في الذاكرة أكثر من المهام التي أنجزناها، وبمعنى أبسط، قد يجد عقلكِ صعوبة في التوقف عن متابعة أمر لم يُحسم بعد، حتى عندما تكون ساعات العمل قد انتهت بالفعل.

لهذا السبب، ربما تجدين نفسكِ تسترجعين تفاصيل مشروع لم يكتمل أثناء عودتكِ إلى المنزل، أو تستيقظين في منتصف الليل بعدما تذكرتِ رسالة كان عليكِ إرسالها أو معلومة نسيتِ مشاركتها مع زميلة. فكيف يمكن التخلص من ذلك؟

1- طقس انتقالي بين "وضع العمل" و"وضع الحياة"

من السهل أن تنتهي ساعات العمل وتنتقلي مباشرة إلى مسؤوليات المنزل، خصوصًا إذا كان يومكِ مزدحمًا ولا يمنحكِ وقتًا كافيًا لالتقاط أنفاسكِ. تغلقين الحاسوب، ثم تجدين نفسكِ بعد لحظات منشغلة بالحديث مع العائلة أو إعداد العشاء أو متابعة شؤونكِ الشخصية، وكأن العقل يستطيع الانتقال بالسرعة نفسها التي ينتقل بها الجسد من مكان إلى آخر. لكن هذا الانتقال المفاجئ قد يجعل أفكار العمل تستمر معكِ، لأنكِ لم تمنحي نفسكِ فرصة حقيقية للخروج من أجواء اليوم المهني.

كما يحتاج الجسد إلى لحظات من الهدوء بعد الجهد، يحتاج العقل أيضًا إلى مساحة قصيرة تفصل بين نهاية العمل وبداية المساء. وليس من الضروري أن يتحول هذا الفاصل إلى روتين طويل أو معقد، فقد تكفي خمس إلى عشر دقائق تخصصينها لنفسكِ لتخففي من ازدحام الأفكار وتستعدي لما تبقى من يومكِ.

يمكنكِ، مثلًا، أن تتمشي لعشر دقائق من دون هاتف، وتتركي أفكاركِ تهدأ بعيدًا عن الرسائل والتنبيهات، أو تستمعي إلى أغنية تحبينها أثناء تغيير ملابس العمل. وربما تجدين أن تدوين ثلاث جمل بسيطة عن يومكِ قبل إغلاق الحاسوب يساعدكِ على ترتيب ما يشغل بالكِ، بينما قد يكون الوقوف عند النافذة لبضع دقائق والتنفس بعمق كافيًا لمنحكِ لحظة هادئة قبل الدخول إلى المنزل.

2- اكتبي قائمة "الغد" قبل أن تغادري

تعرّفي على طرق عملية تساعدكِ على إنهاء يوم العمل بذهن أكثر صفاءً،
تعرّفي على طرق عملية تساعدكِ على إنهاء يوم العمل بذهن أكثر صفاءً،

قد لا تكون كثرة المهام وحدها ما يبقيكِ منشغلة بالعمل بعد انتهاء الدوام، بل الخوف من أن تنسي شيئًا مهمًا عندما يحين وقت العودة إليه. وربما تظلين طوال المساء تراجعين في ذهنكِ ما ينبغي إنجازه في اليوم التالي، خشية أن تغفلي عن رسالة تحتاج إلى رد أو مهمة تنتظر المتابعة. وفي محاولة منه لتذكيركِ بما لا ينبغي نسيانه، يواصل عقلكِ إعادة هذه الأمور إلى انتباهكِ، حتى في الأوقات التي لا يمكنكِ فيها فعل أي شيء حيالها.

هنا تأتي فائدة تخصيص خمس دقائق قبل مغادرة العمل لكتابة قائمة قصيرة بالمهام الأساسية التي ستبدئين بها في اليوم التالي. لا تحتاجين إلى إعداد خطة مفصلة أو ترتيب كل ساعة من ساعات الغد، بل يكفي أن تسجلي الأمور التي تستحق اهتمامكِ أولًا، حتى لا تضطري إلى حملها جميعًا في ذاكرتكِ طوال المساء.

3- لا تحملي "الاجتماع الصعب" معكِ إلى المنزل

ليس كل إرهاق ذهني ناتجًا عن قائمة طويلة من المهام أو جدول مزدحم بالمواعيد، فقد يكفي موقف واحد غير مريح ليظل حاضرًا في ذهنكِ حتى نهاية اليوم. ربما سمعتِ ملاحظة من مديركِ أزعجتكِ، أو دخلتِ في خلاف مع زميلة، أو وجدتِ نفسكِ أمام قرار لم تكوني راضية عنه. وعلى الرغم من أن الموقف قد انتهى من الناحية العملية، فإن أثره العاطفي قد يستمر، فتعودين إلى تفاصيله مرارًا وتحاولين فهم ما قيل أو التفكير فيما كان يمكنكِ الرد به بطريقة مختلفة.

في مثل هذه الحالات، لا يفيدكِ بالضرورة أن تحاولي طرد الفكرة من ذهنكِ بالقوة، كما أن الاستمرار في استعادتها طوال المساء لا يعني أنكِ تقتربين من حلها. ما يمكنكِ تجربته هو تخصيص وقت محدود للتفكير في الموقف، ثم اتخاذ قرار واعٍ بالتوقف عن مراجعته إلى أن يحين الوقت المناسب للتعامل معه مجددًا.

4- افصلي الإشعارات، لا الاهتمام

قد تشعرين أحيانًا بأن الابتعاد عن رسائل العمل يعني أنكِ لا تمنحين مسؤولياتكِ ما تستحقه من اهتمام، خصوصًا إذا كنتِ معتادة على الاستجابة السريعة أو تخشين أن يفوتكِ أمر مهم. لكن وضع حدود بين العمل والحياة الشخصية لا يعني التقليل من التزامكِ المهني، بل يعني إدراك أن قدرتكِ على الاستمرار والعطاء تحتاج أيضًا إلى وقت لا تبقين فيه في حالة استعداد دائم.

ومن أبسط الخطوات التي يمكنكِ اتخاذها إيقاف إشعارات البريد الإلكتروني ورسائل العمل بعد انتهاء الدوام، أو تحديد وقت واحد في المساء للتحقق منها إذا كانت طبيعة عملكِ تتطلب ذلك. فترك التنبيهات مفتوحة طوال الوقت قد يجعلكِ تترقبين ما سيظهر على الشاشة، حتى عندما لا تفتحين الرسالة أو لا تبدئين في الرد عليها. وهكذا يظل جزء من انتباهكِ مرتبطًا بالعمل، بينما تحاولين في الوقت نفسه الاستمتاع بوقتكِ الشخصي.

استعادة الهدوء بعد يوم عمل مزدحم تبدأ بتغيير علاقتكِ بالمهام والمسؤوليات
استعادة الهدوء بعد يوم عمل مزدحم تبدأ بتغيير علاقتكِ بالمهام والمسؤوليات

5- التفرقة بين ما هو عاجل وما يمكن تأجيله

قد يكون الشعور بأن كل مهمة تحتاج إلى حل فوري أحد أكثر الأمور استنزافًا لطاقتكِ الذهنية، خصوصًا عندما تتراكم المسؤوليات ويصبح من الصعب التمييز بين ما يستدعي التدخل العاجل وما يمكن تأجيله. وربما تجدين نفسكِ تفكرين في رسالة لم تردي عليها أو قرار لم تتخذيه، وكأن ترك الأمر إلى الصباح سيؤدي بالضرورة إلى مشكلة. لكن الإحساس بالإلحاح لا يعني دائمًا أن هناك حاجة فعلية إلى التصرف في اللحظة نفسها.

قبل أن تسمحي لفكرة متعلقة بالعمل بأن تسيطر على مسائكِ، توقفي قليلًا واسألي نفسكِ إن كان الأمر طارئًا بالفعل، أم أن شعوركِ بضرورة حسمه الآن هو ما يمنحه هذه الأهمية. في كثير من الأحيان، ستكتشفين أن المهمة يمكن أن تنتظر حتى صباح اليوم التالي من دون أن يترتب على ذلك ضرر حقيقي، وأن التفكير فيها في المساء لن يغير شيئًا ما دمتِ لا تستطيعين اتخاذ إجراء مفيد في الوقت الحالي.

6- امنحي نفسكِ "نهاية رسمية" ليومكِ

قد يكون وضع حدود واضحة للعمل أسهل عندما تغادرين مكتبًا وتتركين خلفكِ جهاز الحاسوب والأوراق والمواعيد، لكن الأمر يصبح أكثر تعقيدًا عندما تعملين من المنزل، حيث تتداخل المساحة المهنية مع تفاصيل الحياة اليومية. ففي غياب لحظة واضحة لمغادرة مكان العمل، قد تجدين نفسكِ تعودين إلى الحاسوب بعد العشاء، أو تتفقدين رسالة أثناء وقت الراحة، أو تواصلين التفكير في المهام لأن المكان الذي تجلسين فيه يذكركِ بها باستمرار.

لهذا السبب، من المفيد أن تمنحي يومكِ نهاية واضحة، حتى إن كنتِ تعملين من المنزل ولا تحتاجين إلى مغادرة أي مكان. لا يشترط أن تكون هذه النهاية مرتبطة بخطوة كبيرة؛ فقد يكفي أن تقولي لنفسكِ بصوت مسموع: "انتهى يوم العمل"، أو أن تغلقي دفتر الملاحظات وتضعيه جانبًا بعد مراجعة ما أنجزتِه وما ستتابعينه غدًا. وإذا كنتِ تعملين من طاولة تستخدمينها أيضًا في أوقاتكِ الشخصية، فيمكنكِ تغيير مكان جلوسكِ بعد انتهاء الدوام حتى لا يظل المكان نفسه مرتبطًا بالمهام المهنية.

محررة في قسم المجوهرات واللايف ستايل