هل يجعلنا الذكاء الاصطناعي أكثر إنسانية؟ كتبت بشرى العليان المؤسسة والرئيسة التنفيذية لشركتي Lorindale وVelezi، لـ"هي" عن مستقبل الذكاء الاصطناعي في قطاعَي الضيافة والخدمات الفاخرة، وكيف يمكن للتقنية أن تجعل الخدمة أكثر إنسانية، لا أقل. من تذكّر تفضيلات العملاء وربط التفاصيل إلى إدارة التعقيدات خلف الكواليس، ترى العليان أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في استبدال الإنسان، بل في مساعدته على تقديم تجربة أكثر شخصية ودفئًا، مع الحفاظ على الطابع الإنساني الذي يميّز الضيافة في السعودية.

خلال عشرة أعوام منذ تأسيسي LORINDALE في عالم الخدمات الفاخرة، تعلّمت أن الفخامة الحقيقية لا تكمن دائما فيما نقدمه للعميل، بل في مدى قدرتنا على فهمه وتذكّره وتوقّع ما يحتاج إليه. واليوم، مع تأسيسي VELEZI وعملي في مجال الذكاء الاصطناعي، أجد نفسي أنظر إلى الفكرة ذاتها من زاوية مختلفة: ماذا لو استطاعت التقنية أن تجعل الخدمة أكثر إنسانية، لا أقل؟
هذا السؤال يهمني، لأننا نعيش لحظة أصبح فيها الذكاء الاصطناعي حاضرا في كل شيء تقريبا. نتحدث عن السرعة، والأتمتة، والإنتاجية، وعن كل ما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يفعله بدلا من الإنسان. لكنني أعتقد أن الفرصة الحقيقية لا تكمن فقط فيما يمكن أن نستبدله، بل فيما يمكن أن نفعله بصورة أفضل.
في عالم الخدمات، تعلّمت أن التفاصيل الصغيرة قد تصنع أكبر فارق. أن تتذكر تفضيلا ذكره العميل منذ أشهر. أن تعرف ما يحتاج إليه قبل أن يطلبه. أن تختصر عليه عشرات الخيارات، لأنك تعرف ما يناسبه. وأن تحل مشكلة خلف الكواليس قبل أن تتحول إلى مشكلة يشعر بها.
هذه التفاصيل تبدو بسيطة، لكنها تحتاج إلى معرفة ومتابعة وانتباه مستمر. وكلما كبر حجم الأعمال، أصبح الحفاظ عليها أصعب.
وهنا أرى دورا مختلفا للذكاء الاصطناعي.
فبدلا من أن يبدأ العميل من جديد في كل مرة، يمكن للتقنية أن تساعد الشركات على تذكّر تفضيلاته، ومعرفة ما يناسبه، ومتابعة طلباته من دون أن يضطر إلى تكرارها. وفي قطاعي الضيافة والخدمات الفاخرة تحديدا، قد تصبح القدرة على الاحتفاظ بهذه التفاصيل والاستفادة منها أحد أهم أشكال الرفاهية في المستقبل.
بالنسبة إليّ، هذه هي الصورة الأكثر إثارة لمستقبل الذكاء الاصطناعي: أن تعمل التقنية بهدوء خلف الكواليس، فتتولى التعقيدات وتربط التفاصيل، بينما لا يرى العميل سوى تجربة أكثر سلاسة وشخصية وإنسانية.
وأرى أن لهذه الفكرة بُعدا مختلفا في المملكة العربية السعودية، لأن الضيافة لدينا ليست مجرد خدمة نقدمها، بل جزء من ثقافتنا، تقوم على كرم الاستقبال، والاهتمام بالضيف، والانتباه لما قد يحتاج إليه قبل أن يطلبه. وفي الوقت نفسه، تعيش المملكة اليوم مرحلة تعيد فيها تجربة السياحة والضيافة والترفيه. لذلك لا أعتقد أن فرصتنا تكمن فقط في تبنّي أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي، بل في أن نضع بصمتنا على الطريقة التي تُستخدم بها هذه التقنيات.
وهنا تكمن الفرصة. فالذكاء الاصطناعي لا يساعدنا فقط على تقديم الخدمة بشكل أسرع، بل يمكن أن يساعدنا على الحفاظ على الاهتمام بالتفاصيل ومعرفة تفضيلات كل عميل، حتى عندما نخدم أعدادا كبيرة من العملاء. وبذلك نستطيع أن نحافظ على الطابع الشخصي الذي يميز ضيافتنا، مهما اتسع حجم التجربة. لكن ذلك يتطلب أيضا أن نعرف أين يجب أن تتوقف التقنية.
لا أعتقد أن المستقبل الأفضل هو الذي لا نحتاج فيه إلى البشر. وفي عالم الضيافة والفخامة تحديدا، قد يؤدي الإفراط في الأتمتة إلى نتيجة عكسية. يمكن أن نحصل على إجابة أسرع، لكن أقل دفئا. ويمكن أن نجعل كل شيء أكثر كفاءة، لكن أقل تميزا.
فمعرفة تفاصيل العميل وحدها لا تصنع تجربة شخصية، ما يصنع الفرق هو كيف نستخدم هذه المعرفة في خدمته. ولهذا أعتقد أن أفضل تقنيات المستقبل قد تكون تلك التي لا نلاحظ وجودها أصلا.
الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يتذكر ويربط ويحلل كما لم يكن ممكنا من قبل. يستطيع أن يساعد فرق العمل على ألا تفقد التفاصيل وسط آلاف المحادثات والطلبات والعمليات. لكنه لا يحتاج إلى أن يكون بطل التجربة. البطل يجب أن يبقى الإنسان.
بعد سنوات قضيتها في عالم الخدمات الفاخرة، واليوم في عالم التقنية، أصبحت أرى أن العالمين أقرب إلى بعضهما مما كنت أعتقد. فكلاهما، عندما يُبنى بالشكل الصحيح، يبدأ بفهم الإنسان: ماذا يريد؟ ما الذي يزعجه؟ ما الذي سيفاجئه؟ وما الذي سيجعل هذه التجربة تبدو كأنها صُممت له؟
لهذا، عندما أفكر في مستقبل الذكاء الاصطناعي في قطاعي الضيافة والخدمات الفاخرة في السعودية، لا أتخيل مستقبلا تملؤه التقنية في كل تفاصيله، بل أرى التقنية حاضرة دون أن تطغى على التجربة الإنسانية. أتخيل تقنية تعرف ما يناسبك، فلا تضطر إلى شرح كل شيء في كل مرة. تقنية تتذكّر تفضيلاتك، فلا تبدأ معك من جديد. وتقنية تدير الكثير من التفاصيل خلف الكواليس، لتبقى تجربتك بسيطة وشخصية وإنسانية.
ربما تكون هذه هي الرفاهية الجديدة في عالم يستطيع فيه الجميع الوصول إلى كل شيء تقريبا. ألا تكون مجرد عميل آخر، أن تُراعى تفضيلاتك، وأن تحظى بالاهتمام، وأن تبقى تفاصيلك في الذاكرة.