الفنانة البصرية والمصممة السعودية هدى العيثان

الفنانة البصرية والمصممة السعودية هدى العيثان تكتب لـ"هي": مستقبلنا من صنع أيدينا

22 أكتوبر 2026

لماذا أصنع؟ سؤال بسيط رافقني طيلة مسيرتي الإبداعية. واليوم، أعرف أن السبب ليس في احتياج العالم إلى كرسي آخر أو مصباح جديد. أنا أصنع لأن التصميم قادر على نقل حكايات وقيم وعلاقات وروح المكان.

كَـــــونـــــي مصمّـــمــــة سعــــوديــــــة، أجــــد نفــســــــي أطـــــرح هذا الســــــؤال في توقيت له دلالته. فبعد الاحتفاء بعام الحرف اليدوية في 2025، اختارت المملكة العربية السعودية عام 2026 ليكون عام الذكاء الاصطناعي. يحتفي الأول بالمعرفة المتوارثة عبر الأجيال ومهارة اليد البشرية، فيما ينظر الثاني إلى التكنولوجيا وما يحمله المستقبل من إمكانات.

بالنسبة إليّ، هاتان الفكرتان ليستا متعارضتين. بل إن تقاطعهما يطرح سؤالا أكثر إثارة للاهتمام: مع تزايد قدرة التكنولوجيا على تقديم المزيد لنا، ما الذي يصبح حفاظنا عليه أكثر أهمية؟

على امتداد مسيرتي الإبداعية، أدركت أن دور المصمّم أكبر بكثير من مجرّد صنع أشياء جميلة. فالمصمّمون قادرون على رسم اللغة الجمالية للمجتمع. خذي شيئا بسيطا، وضعيه في معرض مرموق، وفجأة تجدين نفسك تعبّرين عمّا هو قيّم، وما يستحق الاهتمام، وما قد يرغب الناس في إدخاله إلى منازلهم. وإن تأثيرا كهذا ترافقه مسؤولية.

الفنانة البصرية والمصممة السعودية هدى العيثان تكتب لـ"هي": مستقبلنا من صنع أيدينا

أرى أكثر فأكثر أن المصمّم نقطة وصل: بين التكنولوجيا والحرفة، وبين الحرفيين والجمهور، وبين التراث والحياة المعاصرة. وفي السعودية، لهذه المسؤولية أهمية خاصة فيما نحتضن الذكاء الاصطناعي، ونعيد في الوقت نفسه التفكير في السبل التي تتيح للمعرفة والحرف التقليدية مواصلة تطوّرها. فالذكاء الاصطناعي أداة، ومثل أي أداة أخرى، تعتمد قيمته على الطريقة التي نختار استخدامه بها.

في عملي، استخدمت الذكاء الاصطناعي بوصفه جزءا من عملية التصميم، لا بديلا عنها. أثناء تطوير تركيب فنّي منسوج وضخم الأبعاد لفندق "كونراد" في الرياض، استعنت بالذكاء الاصطناعي لتصوّر كيف يمكن لنسيج السدو التقليدي أن يتفاعل مع هيكل عضوي معقّد؛ وهو ما أتاح لي اختبار الأفكار بسرعة ومشاركتها مع العميل.

وعندما كنت أصمّم قطعة مركزية بتكليف من "هيئة التراث" السعودية لأسبوع الحرف في لندن، كانت أمامي ستة أسابيع فقط لتصميم العمل وتنفيذه. وبما أن الوقت لم يسمح بإعداد الكثير من النماذج الأولية على أرض الواقع، فقد ساعدني الذكاء الاصطناعي على تصوّر أفكاري وتعديلها وإعادة صياغتها خلال ساعات، فسارت العملية بوتيرة أسرع، واتّسع مجال الخيارات التي تمكّنت من استكشافها. لكنه لم يكن بديلا عن عملية الصنع نفسها، ولا عن المعرفة البشرية التي تقف خلفها.

ولا شك في أن بعض التجارب التي كان لها الأثر الأكبر في صياغة هُويتي الإبداعية، هي تجارب عشتها بعيدا عن الشاشة. فقد أمضيت وقتا في القطيف في السعودية، والفجيرة في الإمارات، أتعلّم من الحرفيين المحليين حرفة الخوص، أي نسج أوراق سعف النخيل المجفّفة. وفي جزيرة بالي، تعلّمت العمل بالخيزران، وفي قرية صغيرة في قرغيزستان، تعلّمت طرق صناعة اللباد في مركز محلي للحرف. علّمتني هذه التجارب أشياء لا تستطيع التكنولوجيا محاكاتها.

حين تعملين إلى جانب حرفي، لا تتعلّمين تقنية فحسب. تراقبين حركة يديه، وتفهمين طبيعة المادة وكيفية التعامل معها، وتستمعين إلى الحكايات وراء كل عملية، وتكتشفين سبب انتقال هذه المعرفة من جيل إلى آخر بالطريقة المحددة التي انتقلت بها. ترتكبين أخطاء، وتطرحين أسئلة، وتبنين علاقات. وهذه العملية في النهاية تغيّر الشخص الذي يصنع الشيء.

يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يساعد في تطوير لوحة ألوان، أو استكشاف نمط زخرفي معيّن، أو تصوّر فكرة، لكنه لا يستطيع الجلوس أمام النول لساعات وإعداد الخيوط. ولا يقدر أن يجمع الصوف ويصبغه ويعالجه قبل أن يتحوّل إلى سجادة. ولا يمكنه أن يرث الذاكرة العضلية التي تختزنها يد حرفي مارس التقنية نفسها لعقود. والأهم، أنه لا يستطيع أن يرث الثقافة.

الثقافة ليست مجرّد جمالية يمكن توليدها أو محاكاتها، بل هي تجربة تُعاش. هي حاضرة في الناس والأماكن والذكريات والمواد والعلاقات، وهي أيضا ما يجعل كل مبدع مختلفا في جوهره عن الآخر.

تشكّلت لغتي الخاصة في التصميم من المكان الذي أتيت منه، والأشخاص الذين قابلتهم، والحرف التي تعلّمتها، والمواد التي عملت بها بيدي. قد تتاح لمصمّم آخر التكنولوجيا نفسها المتاحة لي، لكنه لن يتمكّن من تكرار تلك التجارب نفسها. ولهذا أؤمن بأن ازدهار الذكاء الاصطناعي يجعل التجربة البشرية أكثر أهمية، لا أقل.

كلما زاد عملي مع الحرفيين، زاد إدراكي لقيمة الجمع بين أشكال مختلفة من المعرفة. بصفتي مصممة، أقدّم البحث والتكنولوجيا وإمكانية الوصول والعلاقات، فيما يحمل الحرفيون معرفة بالمواد توارثتها الأجيال، ومهارات، وعلاقة حميمة بعملية الصنع، وهي  عناصر لا يمكن ببساطة تنزيلها رقميا. وعندما يلتقي هذان العالمان باحترام، ينشأ شيء أكثر ثراء.

بالنسبة إلى السعودية، يمثّل ذلك فرصة استثنائية. لسنا مضطرين إلى الاختيار بين التراث والابتكار. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعدنا على البحث والتجريب والتصوّر والتواصل بطرق لم يكن من الممكن تخيّلها حتى قبل سنوات قليلة، فيما تذكّرنا الحرف اليدوية بأن الإبداع أيضا ملموس، ثقافي، وإنساني إلى حد بعيد.

ربما لا يكمن السؤال فيما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيحلّ محل المصمّمين، بل في أي نوع من المصمّمين نختار أن نصبح بسببه. بالنسبة إليّ، يقف مستقبل التصميم عند نقطة التقاطع هذه: استخدام التكنولوجيا لتوسيع حدود ما هو ممكن، مع إبقاء الحرفية، والمعرفة بالمواد، والهُوية الثقافية، والتواصل الإنساني في صميم العمل. قد يساعدني الذكاء الاصطناعي على تخيّل ما يمكن أن يصبح عليه شيء ما، لكن القطعة ستحمل المادة التي صنعت منها، والأيدي التي شكّلتها، والمعرفة التي تقف وراء تلك الأيدي، والثقافة التي أعطت تلك المعرفة معناها. نعم، يمكن للتكنولوجيا أن توسّع نطاق ما أستطيع ابتكاره، لكن الناس والثقافة والتجربة هي ما يمنحني سببا للابتكار في الأساس.