تعانين من الإمساك المزمن رغم الماء وتناول الألياف؟ خبير ينصحكِ عبر "هي" لعلاج المشكلة
بين العديد من المشكلات الصحية التي تواجهها المرأة طيلة سنوات حياتها، قد يبدو الإمساك واحدًا من الأشد حدةً. لكن اطمئني عزيزتي، فالعلم يؤكد لنا أن الإمساك لا يُشكَل المشكلة الأكثر حدةً على صحتكِ، لكنه المشكلة الأكثر شيوعًا وإزعاجًا.
وتُظهر الإحصاءات الحديثة صورةً واضحة حول هذا الموضوع: الإمساك شائٌع بين النساء أكثر بكثير من الرجال، وتزداد نسبته في فئاتٍ عمرية وحالاتٍ معينة مثل الحمل. لكن العديد من النساء، خاصةً غير المتزوجات أو غير الحوامل، يعانينَ أيضًا من "إمساك مزمن" يؤثر بشكلٍ سلبي وكبير، على جودة حياتهنَ.
قد يبدو الإمساك مشكلةً بسيطة يمكنكِ تجاوزها بكوبٍ إضافي من الماء، أو زيادة كمية الألياف، أو تناول أحد المُليَنات. لكن ماذا لو استمرت المشكلة رغم كل هذه المحاولات؟ وهل يعني عدم تحسَن الإمساك، أن الجسم يحتاج فقط للمزيد من الألياف والماء؟
الحقيقة أن الإمساك ليس حالةً واحدة، وقد يكون أحيانًا مرتبطًا بنمط الحياة؛ بينما قد يرتبط في حالاتٍ أخرى ببطء حركة القولون، أو اضطرابٍ في آليَة التبرَز، أو خلل في عضلات قاع الحوض، أو بعض الأمراض والأدوية.
فمتى يكون الإمساك مجرد مشكلةٍ عابرة؟ متى يحتاج إلى تقييمٍ طبي؟ وهل يمكن أن تكون المشكلة في طريقة إخراج البراز نفسها؟ في هذا الحوار، يكشف لنا الدكتور جهاد مصري، اختصاصي الجراحة العامة وأمراض الشرج والمستقيم ومؤسس عيادة يوجين كير، الأسباب التي قد تقف خلف الإمساك المزمن،؛ لماذا قد تفشل الحلول التقليدية في بعض الحالات، وما العلامات التي تستدعي مراجعة الطبيب، بالإضافة إلى العلاقة بين الإمساك، البواسير والشرخ الشرجي، وحتى تأثير بعض العادات اليومية داخل الحمام.
هل عدم دخول الحمام يوميًا.. يعني أنكِ مصابة بالإمساك؟
من أكثر المفاهيم الشائعة، أن الشخص لا بدَ يعاني من الإمساك إذا لم يدخل الحمام يوميًا. لكن عدد مرات التبرَز وحده ليس المعيار الوحيد؛ إذ تختلف طبيعة حركة الأمعاء من شخصٍ إلى آخر، وقد يكون التبرَز بمعدلٍ أقل من المعتاد، طبيعيًا لدى بعض الأشخاص.

ويوضح الدكتور جهاد أن الإمساك يمكن أن يظهر من خلال مجموعةٍ من الأعراض، منها:
- صعوبة إخراج البراز
- الحاجة إلى الشدَ بشكلٍ متكرر
- الشعور بعدم الإفراغ الكامل
- خروج براز صلب ومتكتل
- إضافةً إلى انخفاض عدد مرات التبرَز لأقل من ثلاث مرات أسبوعيًا بشكلٍ مستمر.
لذلك، لا يتعلق الأمر فقط بعدد مرات دخول الحمام، بل أيضًا بطبيعة التبرَز، جودته والأعراض المصاحبة له.
تشربين الماء، تأكلين الألياف وتستخدمين المُليَنات.. فلماذا لا يختفي الإمساك؟
هنا تبدأ المشكلة التي تُحيَر كثيرًا ممن يعانون من الإمساك المزمن، يقول الدكتور جهاد. فإذا كنتِ تشربين كمياتٍ كافية من الماء، تحاولين زيادة الألياف في نظامكِ الغذائي، وتستخدمين المُليَنات عند الحاجة، ومع ذلك لا تزال المشكلة مستمرة؛ فقد لا يكون الحل ببساطة في إضافة المزيد من الماء أو الألياف.
ويشير الدكتور جهاد إلى أن الإمساك ليس مرضًا واحدًا، وله أسبابٌ متعددة. ففي بعض الحالات يكون السبب بطء حركة القولون، بينما قد يكون في حالاتٍ أخرى، خللًا في آلية التبرَز نفسها نتيجة اضطراب عضلات قاع الحوض.
كما قد يرتبط الإمساك ببعض الحالات الصحية، مثل قصور الغدة الدرقية، السكري وبعض الأمراض العصبية، أو قد يكون أحد الآثار الجانبية لبعض الأدوية. لذلك، فإن استمرار الإمساك رغم اتباع الإرشادات التقليدية، قد يكون مؤشرًا على الحاجة إلى تقييمٍ طبي أعمق وتشخيصٍ دقيق لمعرفة السبب الحقيقي بدل الاكتفاء بعلاج الأعراض.
المفاجأة: لا تكون المشكلة أحيانًا في القولون أصلًا
قد يعتقد أحدنا أن الإمساك يعني بالضرورة أن القولون لا يعملُ بالشكل الصحيح، لكن في بعض الحالات، تكون المشكلة مرتبطةً أكثر بعملية إخراج البراز نفسها.
ويوضح الدكتور جهاد هذه النقطة، بالإشارة إلى أن هناك فئةً من المرضى تعاني ما يُعرف باسم "اضطرابات التبرَز" أو خلل التناسق العضلي لقاع الحوض؛ حيث لا تسترخي العضلات بالشكل الصحيح أثناء التبرَز، ما يجعل عملية الإخراج صعبةً حتى عندما تكون حركة الأمعاء طبيعية. وهنا قد لا يكون الحل ببساطة في استخدام المزيد من المُليَنات، لأن المشكلة تحتاج أولًا إلى تشخيصٍ دقيق.

يتم اكتشاف هذه الحالات من خلال الفحص السريري المتخصص، وقد يحتاج الطبيب في بعض الحالات إلى فحوصاتٍ وظيفية، مثل قياس ضغوط الشرج والمستقيم أو تصوير عملية التبرَز الإشعاعي، لتقييم آلية التبرَز بشكلٍ أكثر دقة.
متى يتوقف الإمساك عن كونه مشكلة بسيطة؟
ليس كل إمساك يستدعي القلق، لكن هناك حالاتٌ لا ينبغي تجاهلها أو التعامل معها لفتراتٍ طويلة من خلال الحلول المنزلية فقط.
وبحسب الدكتور مصري، ثمة 5 علامات تقول إن الإمساك لم يعد مشكلةً بسيطة وينبغي التعامل معها بشكلٍ مختلف. مؤكدًا على وجوب مراجعة الطبيب عندما يستمر الإمساك لفترةٍ طويلة أو يظهرُ بشكلٍ مفاجئ دون سببٍ واضح، خصوصًا إذا ما ترافق مع فقدان وزنٍ غير مُبرر، أو نزيف شرجي، أو فقر دم، أو آلامٍ شديدة في البطن، أو تغيَر واضح في نمط التبرَز.
كما أن ظهور الإمساك لأول مرة، لدى الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 50 عامًا، يستدعي التقييم الطبي المناسب واستبعاد الأسباب العضوية في القولون والمستقيم.
هذا لا يعني أن الإمساك بحد ذاته يدل على وجود مرضٍ خطير، وإنما يدل على أن بعض الأعراض المصاحبة أو التغيَرات الجديدة في نمط التبرَز، تستحق التقييم الطبي بدل تجاهلها.
هل المُليَنات تعالج المشكلة.. أم تؤجل اكتشاف السبب؟
عندما تعاني المرأة من الإمساك، قد يبدو المُليَن الحل الأسرع والأكثر سهولة. لكن هل يمكن الاعتماد عليه في كل مرةٍ تتكرر فيها المشكلة؟
يوضح الدكتور جهاد أن بعض أنواع المُليَنات "آمنةٌ نسبيًا" عند استخدامها تحت إشرافٍ طبي، لكن الاعتماد عليها لفتراتٍ طويلة دون تشخيص السبب قد يؤدي إلى تأخير اكتشاف مشكلةٍ أساسية تحتاجُ لعلاجٍ مختلف. لذلك، لا ينبغي اعتبار المُليَنات حلًا دائمًا لجميع حالات الإمساك، خصوصًا عندما تكون المشكلة مزمنة أو لا تستجيب للعلاج بالشكل المتوقع.
ففي بعض الحالات، لا تكون المشكلة في الحاجة إلى مُليَن أقوى، وإنما في الحاجة إلى تحديد السبب الذي يقف وراء الإمساك من الأساس.
الهاتف في الحمام.. هل هذه العادة تزيد الإمساك والبواسير؟
قد يبدو استخدام الهاتف أثناء دخول الحمام عادةً عابرة، لكن المشكلة تبدأ عندما يُحوَل الهاتف دقائق قليلة إلى فترةٍ طويلة من الجلوس. ويشير اختصاصي الجراحة العامة وأمراض الشرج والمستقيم ومؤسس عيادة يوجين كير الدكتور جهاد مصري، إلى أن من أكثر الأخطاء شيوعًا تأجيل الرغبة في التبرَز، الشدَ المفرط أثناء الإخراج، وقضاء فترات طويلة على المرحاض.
كما أن استخدام الهاتف يؤدي غالبًا إلى إطالة مدة الجلوس دون حاجة، وهو ما قد يزيد الضغط على أوردة منطقة الشرج، ويُساهم في ظهور البواسير أو تفاقمها.
لذلك، من الأفضل تخصيص وقتٍ قصير للتبرز، الاستجابة للرغبة الطبيعية عند الحاجة، وتجنَب إجبار الجسم على الإخراج أو الشدَ المفرط.

قد يخطر على بالكِ السؤال التالي: هل الإمساك هو سبب البواسير والشرخ الشرجي؟ الطبيب يوضح العلاقة
لا تتوقف آثار الإمساك المزمن عند صعوبة التبرَز، إذ يمكن أن يرتبط أيضًا ببعض المشكلات الشائعة في منطقة الشرج، وعلى رأسها البواسير والشرخ الشرجي. وفقًا للدكتور جهاد، فإن البراز الصلب والشد المتكرر من أهم العوامل التي تزيد خطر الإصابة بالبواسير والشرخ الشرجي.
فالضغط المتكرر أثناء التبرَز، يمكن أن يؤدي إلى تضخم الأوردة الشرجية، بينما قد يتسبب خروج البراز الصلب والشد بحدوثٍ تمزق في بطانة القناة الشرجية، وهو ما يُعرف بالشرخ الشرجي. لهذا، فإن علاج الإمساك يُعدَ جزءًا أساسيًا من الوقاية من هذه المشكلات والمساعدة في علاجها وتقليل تكرارها.
لماذا تعاني النساء من الإمساك أكثر؟ وما علاقة الحمل والولادة؟
قد تكون النساء أكثر عرضةً للإمساك، نتيجة مجموعةٍ من العوامل الهرمونية والوظيفية.
فخلال الحمل، يمكن أن تُساهم التغيَرات الهرمونية وضغط الرحم على الأمعاء، في زيادة احتمالية الإصابة بالإمساك. كما أن الولادات المتكررة قد تؤثر لدى بعض النساء في عضلات وأعصاب قاع الحوض، ما قد ينعكس على عملية التبرز.
وفي بعض الحالات، قد يكون من الضروري تقييم وظيفة قاع الحوض للوصول إلى السبب الحقيقي وراء صعوبة التبرَز المستمرة، خاصةً عندما لا تستجيبُ المشكلة للحلول المعتادة.
إذا لم تنجح الحلول المعتادة.. كيف يبحث الطبيب عن السبب الحقيقي؟
لا يحتاج تشخيص الإمساك بالضرورة إلى فحوصاتٍ معقدة، بل قد تبدأ الخطوة الأولى بفهم تفاصيل الحالة. يوضح الدكتور جهاد أن الطبيب يبدأ بأخذ التاريخ المرضي المُفصَل، معرفة طبيعة الأعراض ومدتها، العادات الغذائية المتبَعة، مستوى النشاط البدني، والأدوية المستخدمة.
وعند وجود مؤشراتٍ تدل على اضطرابٍ وظيفي أو عضوي، قد يلجأ الطبيب إلى فحوصاتٍ أكثر تخصصًا لتقييم حركة القولون أو وظيفة عضلات الحوض والمستقيم. الهدف من هذه الخطوات هو الوصول إلى تشخيصٍ دقيق، لأن العلاج يختلفُ بشكلٍ كبير من حالة لأخرى.

الإمساك يتكرر رغم كل المحاولات؟ هذه هي الخطوة الصحيحة
إذا أصبح الإمساك مشكلةً متكررة لديكِ عزيزتي، فإن الاستمرار في تجربة حلٍ منزلي جديد في كل مرة قد لا يكون أفضل طريقة للتعامل معه.
ينصحكِ الدكتور جهاد بعدم الاكتفاء بالحلول المنزلية لفتراتٍ طويلة، خاصةً إذا كانت المشكلة مُزمنة أو متكررة. والخطوة الصحيحة هي مراجعة طبيبٍ مختص لإجراء تقييمٍ شامل وتحديد نوع الإمساك وسببه. فبدل أن يكون الهدف مجرد الحصول على تبرَزٍ مؤقت، يجب أن يكون السؤال الأساسي: ما السبب وراء الإمساك؟
فالتشخيص الدقيق هو أساس العلاج الناجح، وكلما تم اكتشاف السبب مبكرًا، كانت فرص التعامل معه بشكلٍ مناسب أفضل وتجنَب المضاعفات أكبر.
الإمساك ليس دائمًا مشكلةً في الطعام
قد يبدأ الإمساك نتيجة تغيَرٍ بسيط في النظام الغذائي أو نمط الحياة؛ لكنه عندما يصبح مُزمنًا أو متكررًا رغم الماء، الألياف والمُليَنات، فقد تكون هناك حاجةٌ للنظر إلى الصورة بشكلٍ أوسع.
فالمشكلة قد ترتبط بحركة القولون، أو آلية التبرَز، أو بعض الأمراض والأدوية، أو وظيفة عضلات قاع الحوض.
ولهذا، فإن السؤال الأهم عند استمرار الإمساك ليس فقط: "ماذا يمكنني أن أتناول للتخلص منه؟"، وإنما أيضًا: "لماذا يحدث لي الإمساك أصلًا؟"