اليوم العالمي لالتهاب الكبد.. الوعي اليوم يحميك من أمراض الكبد غدّا
في كل عام؛ يأتي اليوم العالمي لالتهاب الكبد (28 يوليو) ليُعيد تسليط الضوء على عضوٍ حيوي يعملُ بصمت، ويؤدي دوراً محورياً في الحفاظ على صحة الإنسان وجودة حياته. فالكبد ليس مجرد عضو من أعضاء الجسم، بل هو منظومةٌ متكاملة، تُشارك في مئات العمليات الحيوية اليومية؛ من تنقية الدم وتنظيم مستويات السكر والدهون، إلى تصنيع البروتينات، عوامل التخثر وإنتاج العصارة الصفراوية الضرورية للهضم.
ورغم هذه الأهمية الكبيرة، تبقى أمراض الكبد من أكثر الأمراض التي قد تتطور بهدوء ودون أعراضٍ واضحة في مراحلها الأولى. والكثير من المرضى لا يكتشفون وجود مشكلةٍ في الكبد إلا عند إجراء فحوصاتٍ روتينية أو بعد ظهور مضاعفات متقدمة. من هنا تأتي أهمية التوعية، لأن المعرفة المبكرة قد تكون الفارق بين الوقاية والعلاج المتأخر.
وهو ما سوف نتطرق إليه في موضوعنا اليوم، وقبل يومٍ واحد من الاحتفال باليوم العالمي لالتهاب الكبد، مع الدكتور حكم البلص، استشاري أمراض الجهاز الهضمي والكبد في مستشفى فقيه الجامعي دبي.
اليوم العالمي لالتهاب الكبد: الوعي المجتمعي
تلعب التوعية المجتمعية دوراً محورياً في الحد من انتشار أمراض الكبد؛ فكلما ارتفع مستوى الوعي بعوامل الخطورة وأهمية الفحص المبكر، ازدادت فرص الوقاية والعلاج الناجح، يقول الدكتور البلص. كما أن تثقيف الأسر حول التغذية الصحية، النشاط البدني، وأهمية اللقاحات، ينعكس إيجاباً على صحة المجتمع بأكمله.

ويؤكد الأطباء أن أمراض الكبد لا تقتصر على فئةٍ عمرية معينة، إذ يمكن أن تُصيب الأطفال، اليافعين، البالغين وكبار السن؛ إلا أن نمط الحياة الحديث أسهم بشدة في زيادة معدلات الإصابة، خصوصاً مع انتشار السُمنة وقلة الحركة. لذلك فإن تبنَي عاداتٍ صحية منذ الصغر، يُعدَ استثماراً طويل الأمد في صحة الكبد بحسب البلص.
تشمل الوقاية أيضاً إجراء الفحوصات الدورية عند وجود عوامل خطورة، وعدم إهمال ارتفاع إنزيمات الكبد حتى وإن لم تكن هناك أعراض، لأن التدخل المبكر يمنع تطور الكثير من الحالات إلى مراحل متقدمة. كما ينبغي مراجعة الطبيب عند استمرار الإرهاق أو اصفرار العينين أو تغيَر لون البول أو فقدان الوزن غير المبرر.
من المهم كذلك الابتعاد عن المعلومات الطبية غير الموثوقة، والمنتشرة بكثرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وعدم تناول الأعشاب أو المكملات بهدف "تنظيف الكبد"؛ إذ لا توجد وصفة سحرية لذلك، بينما أثبتت الدراسات أن أفضل حماية للكبد تتمثلُ في نمط الحياة الصحي والمتابعة الطبية المنتظمة، يؤكد الدكتور البلص.
التهابات الكبد: مشكلةٌ صحية تبدأ بصمت
يُعدَ الكبد أكبر عضوٍ داخلي في جسم الإنسان، ويمكن تشبيهه بمختبرٍ كيميائي دقيق؛ يعملُ على مدار الساعة. فهو يُخلّص الجسم من السموم، يُساعد في استقلاب الأدوية، يُخزَن الفيتامينات والمعادن، يُنظَم الطاقة، وله قدرة مدهشة على تجديد خلاياه.
لكن هذه القدرة ليست بلا حدود؛ فالتعرض المستمر للالتهاب، أو تراكم الدهون، أو الإصابة بالفيروسات، أو استخدام بعض الأدوية والمكملات دون إشرافٍ طبي، قد يؤدي مع مرور الوقت إلى تليَف الكبد وفقدان جزءٍ مهم من وظائفه.
من أكثر أمراض الكبد انتشاراً في عصرنا الحالي، مرض الكبد الدهني؛ والذي أصبح مرتبطاً بشكلٍ وثيق بزيادة الوزن، وداء السكري، ارتفاع الدهون، قلة النشاط البدني، والإفراط في تناول السكريات والوجبات السريعة. والخطير في هذا المرض أنه قد يبدأ بسيطاً، لكنه في بعض الحالات قد يتطورَ إلى التهابٍ مزمن ثم تليَف، وربما يزيد لاحقاً من خطر الإصابة بسرطان الكبد.
إنما الخبر الجيد الذي يُقدمهُ لنا الدكتور البلص، هو أن مرض الكبد الدهني يمكن السيطرة عليه، بل وعكس مساره في كثيرٍ من الحالات. كيف ذلك؟ من خلال إنقاص الوزن، تحسين نمط الحياة، ممارسة الرياضة، والالتزام بنظامٍ غذائي صحي ومتوازن.

أما التهابات الكبد الفيروسية، خاصةً التهاب الكبد B وC، فما زالت تُشكَل عبئاً صحياً مهماً على مستوى العالم. وقد شهد علاج التهاب الكبد C تطوراً كبيراً خلال السنوات الماضية بفضل الأدوية الحديثة التي تُحقَق نسب شفاءٍ عالية جداً، تصلُ إلى الشفاء الكامل. في المقابل، يبقى التطعيم ضد التهاب الكبد B من أهم وسائل الوقاية، إلى جانب الفحص المبكر والمتابعة الطبية المنتظمة.
وتزدادُ أهمية الفحوصات الدورية عند مرضى السكري، السُمنة، ارتفاع الدهون، وارتفاع ضغط الدم، أو عند الأشخاص ممن لديهم ارتفاعٌ غير مُفسر في إنزيمات الكبد.
التهابات الكبد الفيروسية: أعراضٌ لا يجب التهاون بها
كيف أعرفُ أنني قد أكون مصابةً بأحد التهابات الكبد الفيروسية؟
يؤكد الأطباء المختصون، ومنها الدكتور البلص، على أن أعراض التهابات الكبد الفيروسية الشائعة تشمل ما يلي:
• الإرهاق الشديد
• اصفرار الجلد وبياض العينين (اليرقان)
• البول داكن اللون
• آلام في البطن
• الغثيان.
فيما قد لا تظهر أي أعراضٍ في المراحل المبكرة لبعض الأنواع مثل التهاب الكبد C .
عند تحرَي أو اكتشاف أيَ من هذه الأعراض، خصوصًا في حال تكرارها وشدتها؛ يجب عليكِ التوجه فوراً إلى الطبيب أو أقرب مركز صحي لإجراء فحوصات الدم اللازمة، وتجنَب تماماً تناول أي أدوية أو مسكنات دون استشارة طبية، لتفادي تفاقم تلف الكبد. وغالبًا ما يصف الطبيب أدويةً مضادة للفيروسات، أو يكتفي بطلب الراحة والرعاية الداعمة حسب نوع الفيروس (A أو B أو C) وحالة المريض (حادّة أو مُزمنة).

في الختام؛ ومن الرسائل المهمة في اليوم العالمي لالتهاب الكبد، ضرورة الحذر من الاستخدام العشوائي للأدوية، الأعشاب، والمكملات الغذائية. إن الوقاية من أمراض الكبد تبدأ من قراراتٍ بسيطة لكنها مؤثرة: المحافظة على وزنٍ صحي، ممارسة النشاط البدني، التقليل من السكريات، تجنَب الدهون والوجبات السريعة، الإكثار من الخضروات والفواكه، النوم الجيد، الامتناع عن التدخين، والحرص على الفحوصات المنتظمة.
كما أن الوقاية من سرطان الكبد تبدأ غالباً من علاج الأسباب المؤدية إليه، مثل السيطرة على الالتهابات الفيروسية المزمنة، والمتابعة الدقيقة لمرضى التليَف.
إن صحة الكبد ليست شأناً منفصلاً عن صحة الجسم، بل هي مرآةٌ لنمط حياتنا اليومي. فكل وجبة صحية، كل خطوة مشي، وكل فحصٍ دوري، هو استثمارٌ حقيقي في حماية هذا العضو الحيوي.
وفي اليوم العالمي لالتهاب الكبد، تبقى الرسالة الأهم واضحةً وبسيطة: لا تنتظري ظهور الأعراض حتى تهتمي بصحة كبدكِ. فالوعي المبكر، نمط الحياة الصحي، والكشف الدوري، هي مفاتيح الوقاية من أمراضٍ قد تتطور بصمت، لكنها قابلة للمنع أو السيطرة إذا اكتُشفت في الوقت المناسب.