اعرفي لماذا نبكي عند الفوز أثناء المباريات

البكاء عند الفوز .. بين دموع الفرح وألم الهزيمة يكشف علم النفس سر تأثير المباريات فينا

البكاء عند الفوز ليس أمرًا غريبًا كما يظن البعض، فكم مرة رأينا لاعبين يذرفون الدموع بعد تحقيق بطولة، وجماهير تحتفل بفرحة ممزوجة بالبكاء بعد هدف حاسم؟ فالمباريات ليست مجرد منافسة رياضية، بل لحظات مليئة بالمشاعر والانتماء والأمل والتوتر، ولذلك قد تجعلنا نشعر بفرحة كبيرة أو حزن عميق وكأننا جزء مما يحدث داخل الملعب. لكن لماذا نبكي أو نفرح بشدة أثناء المباريات؟

البكاء عند الفوز اثناء المباريات يعود إلى العاطفة والانتماء الرياضي

أسباب البكاء عند الفرح بالفوز أثناء المباريات

يرى علماء النفس أن الإنسان لا يشجع فريقًا فقط، بل يربط جزءًا من هويته النفسية بهذا الفريق. ولذلك تصبح نتيجة المباراة بالنسبة له أكبر من مجرد فوز أو خسارة، إذ يشعر وكأنها نجاح شخصي أو فشل شخصي.

وبحسب الدكتورة أميرة داوود دكتوراه صحة نفسية جامعة سيلينس إنجلترا-علاج شعورى وعلاج بالطاقة الحيوية، كلما زاد ارتباط الإنسان بفريقه، أصبحت استجابته العاطفية أكثر قوة، لأن الدماغ يتعامل مع أحداث المباراة باعتبارها تجربة يعيشها هو نفسه، وليس مجرد مشاهد يتابعها من بعيد.

ومن أسباب البكاء عند الفوز ما يلي:

  • الانتماء وراء قوة المشاعر

يميل الإنسان بطبيعته إلى الانتماء إلى مجموعة تمنحه الشعور بالأمان والهوية، سواء كانت عائلة، أو وطنًا، أو فريقًا رياضيًا. وعندما ينتمي المشجع إلى فريق معين فإنه يشعر بأنه جزء من هذا الكيان، فيفرح لإنجازاته ويتألم لهزائمه.

ولهذا نسمع كثيرًا المشجعين يتفوهون بكلام يعكس روح الانتماء مثل:فزنا، خسرنا، قدمنا مبارة رائعة. رغم أن المتحدث لم يشارك في اللعب، إلا أن شعوره بالانتماء يجعله يستخدم ضمير الجماعة وكأنه أحد اللاعبين. الدماغ لا يفرق كثيرًا بين المشاركة الحقيقية والتعاطف من الأسباب المدهشة أيضًا أن الدماغ يمتلك ما يعرف بالخلايا العصبية المرآتية  وهي خلايا تساعد الإنسان على التفاعل مع مشاعر الآخرين.

فعندما يشاهد اللاعب يحتفل أو يبكي، تنتقل هذه المشاعر بصورة لا إرادية إلى المشجع، فيشعر بالسعادة أو الحزن وكأنه يعيش الموقف بنفسه. لهذا قد تدمع العين تلقائيًا عند رؤية لاعب يبكي بعد تحقيق حلم انتظره سنوات، أو بعد خسارة بطولة كان قريبًا جدًا من الفوز بها.

  • التوتر أثناء المباراة يغير كيمياء الجسم

أثناء المباريات المهمة يدخل الجسم في حالة من الترقب والإثارة. فيبدأ بإفراز هرمونات مثل: الأدرينالين، الدوبامين، الكورتيزول وهذه الهرمونات تجعل: ضربات القلب أسرع. التنفس أكثر سرعة، العضلات أكثر توترًا، والتركيز أعلى ثم تأتي لحظة الهدف أو صافرة النهاية، فتتحول هذه الطاقة العاطفية الكبيرة إلى ضحك أو صراخ أو بكاء، وهي استجابة طبيعية لتفريغ الشحنة الانفعالية التي تراكمت طوال المباراة.

الدكتورة أميرة داوود دكتوراه صحة نفسية جامعة سيلينس إنجلترا-علاج شعورى وعلاج بالطاقة الحيوية
الدكتورة أميرة داوود دكتوراه صحة نفسية جامعة سيلينس إنجلترا-علاج شعورى وعلاج بالطاقة الحيوية

لماذا تكون الدموع أحيانًا من شدة الفرح؟

قد يعتقد البعض أن البكاء يرتبط بالحزن على الخسارة فقط، لكن علم النفس يؤكد أن الإنسان قد يبكي أيضًا عند الفرح الشديد كما في حالة البكاء عند الفوز. والسبب أن المشاعر القوية، سواء كانت إيجابية أو سلبية، تنشط مناطق متشابهة داخل الدماغ. وعندما تصبح المشاعر أكبر من قدرة الإنسان على التعبير بالكلمات، يلجأ الجسم إلى الدموع كوسيلة لتنظيم الانفعال واستعادة التوازن النفسي. ولهذا نرى كثيرًا من الجماهير واللاعبين يبكون بعد الفوز ببطولة تاريخية.

  • الذكريات تجعل المشاعر أقوى

لا ترتبط المباراة دائمًا بنتيجتها فقط، بل بما تحمله من ذكريات. فقد يربط شخص تشجيع فريقه بوالده الذي كان يشاهد المباريات معه، أو بأيام الطفولة، أو بذكريات الأصدقاء، أو بلحظات جميلة عاشها في مراحل مختلفة من حياته. وعندما يفوز الفريق أو يخسر، تستيقظ هذه الذكريات دفعة واحدة، فتتضاعف المشاعر بصورة قد تبدو مبالغًا فيها، لكنها في الحقيقة انعكاس لعلاقة عاطفية طويلة مع الماضي.

  • تأثير العدوى العاطفية بين الجماهير

هل لاحظتِ أن متابعة المباراة وسط مجموعة من المشجعين تختلف تمامًا عن مشاهدتها بمفردك؟ يفسر علم النفس ذلك بما يسمى "العدوى العاطفية"، حيث تنتقل المشاعر بين الأشخاص بسرعة كبيرة. فعندما يهتف الجميع، يصرخ الفرد معهم تلقائيًا. وعندما يبكي أحدهم، قد يشعر الآخرون برغبة في البكاء أيضًا. ولهذا تكون الملاعب أكثر الأماكن امتلاءً بالمشاعر الجماعية.

لماذا يشعر البعض بالحزن أيامًا بعد خسارة فريقه؟

لا تنتهي المشاعر دائمًا مع صافرة النهاية. فقد يستمر الحزن أو الإحباط لساعات أو حتى أيام، خاصة إذا كانت المباراة تحمل أهمية كبيرة. ويرجع ذلك إلى أن الدماغ كان ينتظر مكافأة نفسية تتمثل في الفوز، وعندما لا تتحقق، يشعر الإنسان بخيبة أمل تشبه إلى حد ما خيبة فقدان هدف كان يتمنى الوصول إليه. لكن غالبًا ما تكون هذه الحالة مؤقتة، وتختفي تدريجيًا مع مرور الوقت.

البكاء عند الفوز أثناء المبرايات ليس حكرً على الرجال فقط

ماذا عن مشاعر النساء أثناء مشاهدة المباريات؟

بحسب الدكتور أميرة، تشير الدراسات النفسية إلى أن شدة المشاعر لا ترتبط بجنس الإنسان، والبكاء عند الفوز ليس حكرًا على الرجال فقط، فقد تكون امرأة أكثر تأثرًا من رجل إذا كانت روح الانتماء لفريقها أقوى. كما أن الشخصية، والخبرات السابقة، والذكريات المرتبطة بالرياضة، كلها عوامل تؤثر في حجم الانفعال أكثر من الجنس نفسه.

متى تصبح المشاعر غير صحية؟

رغم أن التأثر بالمباريات أمر طبيعي، فإن علم النفس يحذر من تحول التشجيع إلى مصدر دائم للضغط النفسي. ففي بعض الحالات لا تكون المشكلة في الرياضة نفسها، وإنما في طريقة تعامل الجمهور مع خسارة فريقه أو فوزه، والتي يأتي البكاء عند الفوز من بينها.

وهنا يجب الإشارة إلى أن المشاعر قد تصبح غير صحية إذا:

  • أثرت نتائج المباريات في العلاقات الأسرية.
  • سببت اكتئابًا أو غضبًا شديدًا لفترات طويلة.
  • تحولت إلى عدوان أو عنف كما في حالات التعصب الكروي.
  • أصبحت سببًا في الإساءة للآخرين أو إيذائهم.
  • أدت إلى إهمال العمل أو الدراسة أو المسؤوليات.

كيف نستمتع بالمباريات دون أن نستنزف أنفسنا نفسيًا؟

البكاء عند الفوز حالة إنسانية جميلة، وحتى يمكن الحفاظ على متعة التشجيع مع حماية الصحة النفسية من خلال بعض العادات البسيطة:

  • تذكري أن الرياضة للمتعة أولًا، فاجعلي المباراة وسيلة للاستمتاع، لا معيارًا لسعادتك أو حزنك.
  • افصلي بين النتيجة وقيمتك الشخصية، واعلمي أن فوز فريقك لا يجعلك أفضل من الآخرين، وخسارته لا تقلل من قيمتك.
  • تجنبي النقاش العدائي، فالاختلاف في التشجيع لا يستحق خسارة علاقة أو صداقة.
  • لا تسمحي للمباراة بإفساد يومك بالكامل، من الطبيعي أن تشعري بالإحباط قليلًا، لكن لا تجعلي نتيجة رياضية تتحكم في مزاجك لساعات طويلة.
  • استمتعي بالأجواء الاجتماعية، في كثير من الأحيان تكون أجمل ما في المباريات هو اجتماع العائلة أو الأصدقاء حولها، وليس النتيجة نفسها.

اعرفي لماذا نبكي عند الفوز أثناء المباريات

هل البكاء أثناء المباريات دليل على الضعف؟

لا، تؤكد د.أميرة أن التعبير عن المشاعر، سواء بالدموع أو الفرح أو التأثر، لا يدل على ضعف الشخصية، بل يعكس قدرة الإنسان على التفاعل الوجداني. فالدموع ليست دائمًا علامة انكسار، بل قد تكون دليلًا على عمق الانتماء، أو قوة الذكريات، أو شدة الفرح بعد انتظار طويل.

ختامًا، اعلمي أن البكاء عند الفوز لا يتعلق بكرة القدم أو الرياضة وحدها، بل بطبيعة الإنسان نفسه. فنحن لا نحب مجرد لعبة، بل نحب ما تمثله لنا من انتماء وذكريات وأحلام مشتركة. ولهذا قد يتحول هدف في الثواني الأخيرة إلى لحظة لا تُنسى، وقد تنهمر الدموع دون أن نستطيع إيقافها. فالمشاعر التي تولدها المباريات ليست مبالغة كما يظن البعض، بل دليل انتماء رياضي ناتج عن طاقة عاطفية كبيرة مصدرها الأول والأخير حب الفريق.

شاركينا: أي فريق تشجعين؟

كاتبة محتوى متخصصة في الصحة ومواضيع الأم والطفل والعلاقات.