إرهاق الأزمات لدى جيل زد: تسارع الحياة والمعلومات أبرز أسبابه.. والصحة الأبداعية وسيلتهم لاستعادة التوازن
لا شك في أن الأزمة الأخيرة التي عصفت ببلادنا مؤخرًا، من فلسطين إلى لبنان ثم الدول الخليجية؛ خلَفت فينا الكثير من الأسى، المرارة وعدم اليقين.
قد لا يكون الأمر صعبًا جدًا على الكبار، ممن علَمتهم الحياة كيفية الوقوف بوجه التحديات المختلفة، ومنها أزمات الحروب؛ لكن ماذا عن الأجيال الأصغر، وتحديدًا جيل زد؟ هذا الجيل الذي يستعد معظمه هذه الأيام، ومنهم ابنتي التي تخرجت من المدرسة الثانوية حديثًا، للإنطلاق في مسارٍ جديد نحو الجامعة وطلب العلم في مرحلةٍ مختلفة عن كنف المدرسة. جيلٌ يُخَطط للكثير في سنواته القادمة، يحلمُ بالنجاح، السفر، التعرف على أصدقاء جدد، وربما إيجاد شريك الحياة المناسب وتأسيس عائلةٌ معًا.
في خضم الأزمات المتلاحقة التي نعيشها يوميًا، يشعر جيل زد بما يُعرَف "إرهاق الأزمات"؛ والذي يُشير إلى حالة الاستنزاف النفسي والعصبي الناتجة عن التعرض المستمر للأزمات العالمية - كالأوضاع الاقتصادية، التحديات المناخية، والأحداث السياسية -، والتي تتضاعف حدتها بسبب تدفق الأخبار السلبية عبر الإنترنت وما تفرضه من ضغطٍ للمشاركة في القضايا العامة.
كيف يظهر هذا الإرهاق، ما تداعياته على صحة وسلامة جيل زد من كافة النواحي، وما هي الطرق الأمثل لمعالجته والحد منه؟ هذه الأسئلة وغيرها طرحتها محررة صحة ورشاقة على موقع "هي"، على شالين بالاسوريا، المؤسس المشارك لمنتجع سبا سيلون، والذي يجمع بين حكمة الأيروفيدا والمكونات الطبيعية الفاخرة، لتقديم أقصى درجات الفخامة في عالم الأيروفيدا.

مرحبا بكَ معنا من جديد شالين؛ بما أننا نتطرقُ للحديث عن إرهاق الأزمات لدى جيل زد، هل يمكن أن تُخبرنا كيف يظهر هذا الإرهاق؟
أهلًا بكَ جمانة، سعيد بلقائكِ مرةً جديدة.. غالباً ما يظهر الإرهاق الناتج عن الأزمات لدى جيل زد بشكلٍ خفي؛ وقد لا يبدو دائماً كإرهاقٍ واضح. في أغلب الأحيان، يظهر على شكل استنزاف عاطفي، صعوبة في الاسترخاء، اضطراب في النوم، انخفاض في الحافز، أو شعور دائم بالحاجة إلى البقاء متيقظين ذهنياً.
نشأ هذا الجيل في عالمٍ لا تتوقف فيه المعلومات إلا نادراً. فالأحداث العالمية، المتغيرات الاجتماعية، الضغوط الاقتصادية، والتوقعات الشخصية تُعاش في الوقت الفعلي، غالباً عبر الشاشات نفسها التي يستخدمونها للتواصل، التعلَم والتعبير عن أنفسهم. ومع مرور الوقت، قد يؤدي هذا التعرض المستمر إلى إرهاقٍ عاطفي.
ما أراه مثيراً للاهتمام بشكلٍ خاص، هو أن العديد من الشابات والشباب اليوم، ما زالوا يبدون في حالة أداءٍ عالية. فهم ما زالوا طموحين، مبدعين، واعين اجتماعياً، ومتواصلين، بينما يحملون في داخلهم شعوراً خفياً بالإرهاق.
لنكنَ أكثر تحديدًا؛ قد تظهر العلامات بطرقٍ دقيقة: تغيَرات في المزاج، قصر في مدى الانتباه، لغة جسد انطوائية، سرعة الانفعال، الأرق، أو صعوبة في الاستمتاع بأشياءٍ كانت سهلة في السابق. ومن منظور الصحة النفسية، تبرز هنا أهمية لحظات الراحة والاسترخاء للتخلص من هذه العلامات.
إحدى الممارسات البسيطة التي أنصحُ بها عادةً، هي الابتعاد عن الشاشات قبل النوم، واستبدال ذلك الوقت بالقراءة أو الكتابة أو ممارسة طقوس العناية الذاتية المهدئة. تُساعد مجموعات "سبا سيلون" للنوم والاسترخاء على تحقيق هذه اللحظات، خاصةً عندما يشعر العقل بالإرهاق أو يُعاني من صعوبةً في الاسترخاء.
إذا ما أردنا تعريف "إرهاق الأزمات" لدى جيل زد بشكلٍ أوضح، ما هي التعابير الأنسب، وما الأسباب؟
بالنسبة لجيل زد، لا ينتج إرهاق الأزمات عن حدثٍ واحدٍ مُحدد، بل هو التأثير التراكمي للعيش في ظل حالةٍ من عدم اليقين المستمر، مع البقاء على اتصالٍ دائمٍ بالضجيج العاطفي للعالم.
عندما يتعرض الأفراد لمعلوماتٍ مُزعجةٍ بشكلٍ مُتكرر، قد يشعر العقل بالتشبع العاطفي، مما قد يُؤدي إلى الإرهاق الذهني، انخفاض الحافز، صعوبة التركيز، أو الشعور بالإرهاق من وتيرة الحياة العصرية.

لكن ما يُميز جيل زد هو انفتاحهم على الصحة النفسية. إنهم أكثر استعدادًا للحديث عن التوتر، الحدود الشخصية، الراحة، والصحة النفسية مقارنةً بالأجيال السابقة. هذه الصراحة تُعيد تشكيل مفهوم العافية. واليوم؛ نشهد توجهًا متزايدًا لدى الأجيال الشابة نحو أمسياتٍ أكثر هدوءًا، ممارسة أنشطة إبداعية، استكشاف أماكن تُنعش الروح، السفر العلاجي، والتجارب الحسية التي تُساعدهم على استعادة توازنهم النفسي. لم تعد العافية الفاخرة تُركَز على الإسراف، بل على الراحة النفسية.
ولعلّ من أبرز هذه التغييرات، هو منح الأجيال الشابة لأنفسهم فرصةً للتوقف والتأمل.
لماذا يُعدّ جيل زد أكثر عرضةً للمخاطر من الأجيال السابقة؟
يُعتبر جيل زد أكثر عرضةً للمخاطر بشكلٍ خاص، لأن الكثيرين منهم دخلوا مرحلة البلوغ خلال فترةٍ من عدم اليقين الشديد. فقد أثَرت الجائحة على روتينهم اليومي، شعورهم بالأمان، تعليمهم، علاقاتهم، وتخطيطهم للمستقبل، بينما استمرت وسائل التواصل الاجتماعي في تعريضهم للأزمات العالمية لحظةً بلحظة.
قد يُؤدي هذا إلى حالةٍ من اليقظة العاطفية، حيث نادرًا ما يشعر العقل بالراحة التامة. ومع مرور الوقت، يُمكن أن يُؤثر التوتر المستمر على الجسم أيضًا. عندما يرتفع مستوى الكورتيزول، وهو هرمون التوتر الرئيسي في الجسم، لفترةٍ طويلة؛ فإنه يُؤثر سلبًا على النوم، يُضعف جهاز المناعة، ويجعل التعامل مع ضغوط الحياة اليومية أكثر صعوبةً.
ومن العوامل المهمة الأخرى، انخفاض ارتباط جيل زد بالطبيعة والحياة في الهواء الطلق. فمقارنةً بالأجيال السابقة، نشأ الكثيرون منهم وهم يقضون وقتًا أطول في الأماكن المغلقة، محاطين بالشاشات، الإضاءة الاصطناعية والمؤثرات الرقمية، مع قلة لحظات التعرض لأشعة الشمس، الحركة والتواجد على العشب، الأشجار واللعب وجهًا لوجه.
لهذا؛ يُمكن للضوء الطبيعي، النشاط البدني وقضاء الوقت في الهواء الطلق أن تُحسّن المزاج، النوم والتوازن العاطفي. حتى ممارسات التأريض البسيطة، مثل المشي حافيةً على العشب أو الأرض الطبيعية، تُساعد على الشعور بمزيدٍ من التواصل مع الجسد والبيئة المحيطة. وبدون هذه التجارب، يقلّ لدى الجهاز العصبي الطرق الطبيعية لإعادة التوازن.
كيف يتعامل جيل زد (أو يُحاول) مع إرهاق الأزمات؟
يستجيبُ جيل زد لإرهاق الأزمات من خلال خلق لحظاتٍ قصيرة من الراحة والاسترخاء ضمن الحياة اليومية. فبدلًا من انتظار فترات راحةٍ طويلة أو الهروب التام، يُقدم الكثيرون على طقوسٍ تُساعدهم على إعادة التوازن العاطفي.
أصبحت الصحة الإبداعية اليوم ذات أهميةٍ متزايدة. فالرسم، كتابة اليوميات، صناعة الفخار، لعب الموسيقى أو الاستماع إليها، وغيرها من أشكال التعبير الفني، تلقى رواجًا واسعًا لأنها تُقدم ما يبحث عنه الكثيرون في صمت، ألا وهو حضورهم الذهني في هذه الأيام. وتُتيح هذه الأنشطة للعقل التركيز بهدوء، دون ضغط الأداء.
ومن الممارسات البسيطة الأخرى التي أنصحُ بها غالبًا لإعادة ضبط الذهن، أخذ نفسين عميقين من الأنف، يتبعهما زفيرٌ بطيء من الفم. إنها طريقةٌ بسيطة لإيصال رسالة أمان للجسم، وإعادة الذهن إلى اللحظة الحاضرة.

أما التحول الأعمق، فيتمثل في جعل اللحظات العادية أكثر وعيًا وإدراكًا. يمكن أن يتحول الاستحمام إلى طقسٍ حسي من خلال ملاحظة دفء الماء، رائحة جل الاستحمام، وشعور الجسم بالاسترخاء. كما يمكن أن يصبح الاسترخاء مُجددًا للنشاط من خلال تأمل الأشجار، الاستمتاع بالهواء وأشعة الشمس، وإيقاع كل خطوة.
تُصمَم سبا سيلون منتجات خصيصًا لهذه اللحظات. إذ تُضفي مجموعة فوريستفيدا إحساسًا بفوائد الطبيعة على المنزل، بينما تُقدم مجموعة سيفيدا ملاذًا مُستوحى من المحيط. ومن خلال البلسم، البخاخات وبلسم التدليك، تُتيح هذه الطقوس البسيطة لحظة استراحة في أي وقتٍ من اليوم.
ماذا يعني هذا للمستقبل؟
مع ازدياد شيوع الإرهاق الناتج عن الأزمات بين جيل زد، سيتشَكل مستقبل الصحة والعافية من خلال حاجةٍ أعمق للشعور بالاستقرار. ومع استمرار تطور التكنولوجيا وتغلغلها في حياتنا اليومية، قد يبدأ الناس بالبحث عما يُشعرهم بالواقعية، الهدوء والإنسانية.
لهذا السبب، ستكتسبُ أشعة الشمس، الأشجار وتمارين التنفس أهميةً بالغة. إذ تُساعد أشعة الشمس على تنظيم الساعة البيولوجية للجسم، وتُعزز مستويات السيروتونين، مما يُحسّن المزاج، الطاقة والنوم. تُطلق الأشجار مركباتٍ طبيعية تُسمى الفيتونسيدات، والتي تُساعد الجسم على الاسترخاء ودعم استجابةٍ أكثر هدوءًا للتوتر. فيما تُتيح تمارين التنفس للناس طريقةً بسيطةً لتهدئة استجابة الجسم للتوتر، والعودة إلى اللحظة الحاضرة، عندما تبدو الحياة مُرهِقة.
قد نشهدُ أيضًا، عودةً أقوى إلى المكونات الطبيعية في حياتنا اليومية، مما يُساعد الناس على الشعور بمزيدٍ من الثبات في أجسادهم والتواصل مع العالم من حولهم. كما سيُصبح التفاعل الإنساني الحقيقي، التجارب المشتركة، والمحادثات الهادفة عناصر أساسية للرفاهية النفسية.
من منظور الأيورفيدا، يُجسّد هذا حقيقةً خالدة: الرفاهية ليست منفصلة عن الطبيعة. فالجسم، العقل، الحواس والبيئة مُرتبطةً ارتباطًا وثيقًا؛ وقد يُصبح فهم هذا الارتباط أحد أعظم مُتع الحياة العصرية.

في الختام؛ إرهاق الأزمات لدى جيل زد هو حالةٌ نفسية وجسدية متراكمة، ناتجة عن التعرض المستمر والمتزامن لأزماتٍ عالمية، اقتصادية، اجتماعية ورقمية، ما يجعل هذا الجيل يعيشُ في حالة استنزافٍ دائم تفوق ما عاشته الأجيال السابقة.
وأفضل الطرق للتخلص من إرهاق الأزمات لدى جيل زد هي الجمع بين استراتيجياتٍ نفسية، رقمية، حياتية، ومجتمعية؛ تنظيم العلاقة مع التكنولوجيا؛ العودة للطبيعة؛ بناء علاقاتٍ اجتماعية أكثر تفاعلية وطلب الدعم النفسي عند الحاجة القصوى.