خاص "هي": الفنانة السعودية بدور الثنيان... حين يتحول التراث إلى لغة بصرية معاصرة
تتنوع المسارات الإبداعية التي يسلكها الفنانون، لكن القليل منها ينجح في الجمع بين الفن والتصميم ضمن رؤية واحدة متماسكة. ومن بين هذه التجارب تبرز الفنانة والمصممة السعودية بدور الثنيان، التي انطلقت من عالم تصميم المنتجات قبل أن تطور لغتها البصرية الخاصة المستلهمة من التراث السعودي والعناصر الثقافية المحلية. ومن خلال أعمالها الفنية وتصاميمها، تقدم قراءة معاصرة للهوية والذاكرة والمكان، حيث تتحول الزخارف التقليدية والنخيل والعمارة المحلية إلى أعمال تحمل طابع حديث وتعبير بصري متجدد. في هذا الحوار الخاص مع "هي"، تحدثنا بدور الثنيان عن رحلتها الفنية ومصادر إلهامها ورؤيتها لدور الفنان السعودي اليوم.

بدأت رحلتك من تصميم المنتجات قبل أن تتوسعي إلى الرسم والتصميم البصري، كيف أثرت هذه التجربة المتعددة على رؤيتك الفنية اليوم؟
علمني تصميم المنتجات أن الجمال يرتبط دائماً بالوظيفة والمعنى، وأن الفكرة الناجحة يجب أن تكون قابلة للحياة والاستخدام. وعندما انتقلت إلى الفن البصري، حملت معي هذه النظرة، فأصبحت أبحث عن التجربة الإنسانية داخل العمل الفني إلى جانب قيمته الجمالية. كما منحني التنقل بين المجالات المختلفة حرية أكبر في التعبير ورؤية التصميم والفن كلغة واحدة بوسائط متعددة.
تستلهم أعمالك من التراث السعودي والزخارف والنخيل والعمارة المحلية. ما الذي يدفعك دائماً للعودة إلى هذه العناصر كمصدر إلهام؟
تمثل هذه العناصر جزءاً من ذاكرتنا الجماعية وهويتنا الثقافية، وتحمل قصصاً وتجارب متوارثة عبر الأجيال. لذلك فإن العودة إليها ليست محاولة لاستحضار الماضي بقدر ما هي إعادة قراءة له واكتشاف ما يحمله من قيم جمالية وإنسانية يمكن تقديمها برؤية معاصرة.

في أعمالك نرى التراث بأسلوب معاصر بعيد عن التوثيق المباشر. كيف تعيدين ترجمة هذه الرموز إلى لغة بصرية جديدة؟
لا أتعامل مع التراث كعنصر ثابت يجب نقله حرفياً، بل كمصدر للأفكار والأشكال والإيقاعات البصرية. أحاول استخلاص جوهر العنصر التراثي ثم إعادة صياغته من خلال التجريد واختزال الخطوط واستخدام ألوان وخامات معاصرة، بحيث تبقى روح التراث حاضرة دون تقديمه بصورة مباشرة أو تقليدية.
تعتمد أعمالك على الألوان والإيقاع البصري بشكل واضح. كيف تبنين هذا التناغم داخل العمل الفني؟
الألوان بالنسبة لي وسيلة لنقل المشاعر والذكريات أكثر من كونها عنصراً جمالياً فقط. غالباً ما أبدأ من إحساس أو فكرة معينة، ثم أبني حولها منظومة لونية وإيقاعاً بصرياً يخلق حركة داخل العمل. وأحرص على أن تبقى العناصر في حالة حوار متوازن يقود عين المتلقي بسلاسة عبر تفاصيل اللوحة.
كثير من لوحاتك تتناول الهوية والذاكرة والمكان. ما أهمية هذه المفاهيم في تجربتك الإبداعية؟
تمثل هذه المفاهيم جوهر تجربتي الفنية، لأنها ترتبط بعلاقة الإنسان بجذوره وتجربته الشخصية. فالهوية بالنسبة لي حالة مستمرة من الاكتشاف والتطور، بينما تشكل الذاكرة والمكان الرابط الذي يحمل القصص والتجارب التي تصنع جزءاً من شخصيتنا وتكويننا.

تتنقلين بين الفن والتصميم والمنتجات الفنية القابلة للاقتناء. كيف ترين العلاقة بين هذه المجالات المختلفة؟
أراها مجالات متكاملة تتقاطع في جوهرها الإبداعي. فقد تبدأ الفكرة كعمل فني ثم تتطور إلى منتج أو قطعة تصميم تحمل القصة نفسها. وما يهمني دائماً هو الحفاظ على روح الفكرة، مع منحها فرصة للوصول إلى الناس بطرق مختلفة وجعل الفن جزءاً من تفاصيل حياتهم اليومية.
كيف ترين دور الفنان السعودي اليوم في تقديم صورة معاصرة للثقافة المحلية أمام جمهور عالمي؟
يعيش الفنان السعودي اليوم مرحلة استثنائية تتيح له تقديم روايته الخاصة للعالم بثقة ووضوح. وأعتقد أن قوة هذه التجارب تكمن في صدقها وارتباطها بجذورها الثقافية، مع انفتاحها في الوقت نفسه على الحوار المعاصر، وهو ما يمنحها القدرة على الوصول إلى جمهور عالمي متنوع.

عندما ينظر المتلقي إلى أعمالك، ما الشعور أو الفكرة التي تتمنين أن تبقى معه بعد انتهاء التجربة البصرية؟
أتمنى أن يجد المتلقي مساحة للتأمل واكتشاف معانٍ خاصة به داخل العمل. لا أبحث عن قراءة واحدة أو إجابة محددة، بل أسعى إلى ترك أثر هادئ يدعو للتفكير في الهوية والذاكرة والجمال الكامن في التفاصيل التي نمر بها كل يوم.
من خلال أعمالها التي تجمع بين الفن والتصميم واستلهام التراث برؤية معاصرة، تواصل بدور الثنيان بناء لغة بصرية خاصة تحتفي بالهوية والثقافة المحلية. وبين الألوان والإيقاعات البصرية والعناصر المستوحاة من الذاكرة والمكان، تقدم تجربة فنية تدعو إلى التأمل وإعادة اكتشاف الجمال الكامن في تفاصيل الحياة اليومية.