خاص لـ"هي": أمينة أكزناي ومريم برادة تحولان النسج إلى عمارة في الجناح المغربي في بينالي البندقية 2026

خاص لـ"هي": أمينة أكزناي ومريم برادة تحولان النسج إلى عمارة في الجناح المغربي في بينالي البندقية 2026

14 يونيو 2026

في كل مرة تحضر فيها الحرفة التقليدية إلى منصة فنية عالمية، يعود السؤال نفسه: كيف يمكن تقديم هذه الممارسات المتوارثة دون اختزالها في صورة فلكلورية أو تحويلها إلى مشهد بصري يكتفي بالاحتفاء بالماضي؟ وفي أول مشاركة وطنية للمغرب في بينالي البندقية للفنون 2026 يأتي مشروع "Asəṭṭa" ليقترح مقاربة مختلفة. 

فالجناح الذي تقدمه الفنانة أمينة أكزناي بإشراف القيمة الفنية مريم برادة ينطلق من تساؤلات تتعلق بالمعرفة والذاكرة والعمل الجماعي، متتبعاً الطرق التي تنتقل بها الخبرات المتراكمة عبر الأجيال. ومن خلال مساهمة أكثر من 160 حرفية وحرفياً في إنتاج العمل، تتحول الحرفة هنا إلى مدخل لقراءة أوسع للعلاقة بين الإنسان والمادة والزمن.

جناح المغرب في بينالي البندقية 2026
تقول أمينة أكزناي: "أحب أن أقول إن اهتمامي ينصب على الإنسان الذي صنع الشيء أكثر من الشيء نفسه".

يحمل اسم "Asəṭṭa" دلالة مرتبطة بفعل النسج في الثقافة الأمازيغية، في إشارة إلى تشابك الخيوط كما تتشابك الخبرات والقصص والمعارف التي تنتقل عبر الأجيال. وينطلق المشروع من تقاليد النسج المتجذرة في الثقافة المغربية ليقدم تركيباً فنياً واسع النطاق يوظف الصوف والفضاء المعماري في تجربة حسية تتأمل العلاقة بين الذاكرة والعمل الجماعي وانتقال المعرفة.

تتحدث "هي" إلى الفنانة المغربية أمينة أكزناي والقيمة الفنية مريم برادة حول الجناح المغربي "Asəṭṭa" حيث تكشفان كيف تحولت الحرفة من ممارسة متوارثة إلى مساحة لإنتاج المعرفة، وكيف يسعى المشروع إلى إعادة النظر في العلاقة بين الذاكرة والعمل اليدوي والمعاصرة.

الحرفة بوصفها معرفة حية

في حديثها عن الحرفيات المشاركات في المشروع، تتوقف مريم برادة عند ما يحملنه من خبرات تراكمت عبر أجيال طويلة من الممارسة اليومية، حيث تقول لـ"هي": "الحرفيات يجسدن معرفة حيّة، وطقوساً متوارثة، وطريقة في التفكير من خلال المادة نفسها".

وينعكس هذا الفهم على بنية المشروع نفسه، إذ شاركت حرفيات من مناطق مغربية متعددة في إنتاج عناصر الجناح، حاملة معها خبرات وأساليب عمل تشكلت عبر عقود طويلة من الممارسة والتوارث المعرفي.

أول مشاركة للمغرب في بينالي البندقية للفنون 2026
 ترى القيمة الفنية مريم برادة أن كثير من الممارسات الحرفية قُرئت تاريخياً من خلال منظور ركز على بعدها الجمالي أو الوظيفي، متجاهلاً رؤى اجتماعية وثقافية وخبرات متراكمة

تتعامل برادة مع الحرفة باعتبارها جزءاً من منظومة ثقافية أوسع تشكلت عبر الزمن، تقول: "هذه الممارسات تشكل أنظمة معرفة حيّة وليست مجرد معروضات متحفية".

ومن هنا ينتقل الجناح من سؤال الحرفة إلى سؤال المعرفة نفسها؛ من يحملها؟ وكيف تستمر؟ وأين تتشكل؟ وهي أسئلة تكتسب أهمية خاصة في ظل هيمنة نماذج محددة لإنتاج المعرفة وتوثيقها، بينما تستمر معارف أخرى في الانتقال عبر الممارسة والخبرة والعلاقات الإنسانية.

ما وراء النظرة الفلكلورية

ترى برادة أن كثير من الممارسات الحرفية قُرئت تاريخياً من خلال منظور ركز على بعدها الجمالي أو الوظيفي، متجاهلاً ما تحمله من رؤى اجتماعية وثقافية وخبرات متراكمة. ولهذا يسعى "Asəṭṭa" إلى إعادة توجيه الانتباه نحو الأشخاص الذين يحملون هذه المعارف، وإلى الطرق التي تستمر بها في التطور والتجدد.

ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه العديد من الممارسات المحلية ضغوطاً متزايدة تدفعها نحو التبسيط والتشابه. وتشير برادة إلى تأثير منطق السوق والصناعة السياحية على بعض الحرف التقليدية، وما قد يرافقه من تآكل للتعقيد المعرفي الذي تشكل حول هذه الممارسات عبر عقود طويلة. ومن هنا تصبح استمرارية الحرفة مرتبطة باستمرارية التنوع الثقافي والمعرفي الذي تحمله.

الإنسان قبل المادة

 أمينة أكزناي
صممت الفنانة أمينة أكزناي "Asəṭṭa" بوصفه جلد ثاني يمتد داخل فضاء العرض، أو غشاء معماري يلتف حول الزائر ويعيد تشكيل علاقته بالمكان.

أما أمينة أكزناي، فتقارب المشروع من زاوية تنطلق من علاقتها الطويلة بالحرفيين والحرفيات في مختلف أنحاء المغرب. وعلى مدى أكثر من عشرين عاماً من العمل الميداني، تحولت اللقاءات المتكررة داخل الورش والتعاونيات إلى جزء أساسي من ممارستها الفنية، وهو ما يفسر حضور الإنسان في قلب أعمالها.

تقول أمينة أكزناي: "أحب أن أقول إن اهتمامي ينصب على الإنسان الذي صنع الشيء أكثر من الشيء نفسه". ومن خلال هذه العلاقات الطويلة تشكلت شبكة المشاركين الذين أسهموا في إنتاج "Asəṭṭa" وتوضح أكزناي: "تواصلت مع هؤلاء الحرفيين بوصفهم متساوين وشركاء في الإبداع".

كما تنظر إلى المعرفة الموروثة بوصفها نقطة انطلاق نحو إمكانات جديدة، وتقول: "المحافظة على المعرفة ضرورية للابتكار، فالمعارف الموروثة تقود إلى تفسيرات جديدة".

Asəṭṭa... جلد ثانٍ من الصوف

إذا كانت المعرفة تمثل البنية الفكرية للمشروع، فإن التجربة تبدأ من الفضاء نفسه. فقد صممت أكزناي "Asəṭṭa" بوصفه جلد ثاني يمتد داخل فضاء العرض، أو غشاء معماري يلتف حول الزائر ويعيد تشكيل علاقته بالمكان. وتتكون هذه البيئة من شرائط الصوف التي تمتد عبر الجدران والأرضيات والأسقف لتشكل فضاء متكامل يحتضن الزائر ويضعه داخل العمل بدلاً من الاكتفاء بمشاهدته من الخارج.

وتشرح أكزناي هذه الفكرة قائلة: "إنه شكل من أشكال الترحيب والحماية، ودعوة للزائر كي يمكث قليلاً ويفقد إحساسه بالوقت ويعيش التجربة بكل حواسه". ومن خلال هذا التكوين المعماري، يتحول النسج من ممارسة يدوية إلى تجربة مكانية كاملة، حيث تصبح الخيوط والصوف عناصر تبني فضاءً يمكن للزائر أن يعبره ويختبره جسدياً وحسياً.

الجناح المغربي في بينالي 2026

وتحضر في المشروع مفردات ارتبطت بمسار أكزناي الفني على مدى سنوات، من التمائم والحناء إلى فكرة الشرنقة وخصائص الصوف العازلة. كما يتقاطع العمل مع مفهوم "العتبة"، تلك المساحة الانتقالية التي تربط بين الداخل والخارج، وبين الذاكرة والحاضر، وبين ما ينتقل عبر الأجيال وما يُعاد اكتشافه في كل مرة.

ما وراء تمثيل الهوية

في أول حضور وطني للمغرب في بينالي البندقية، يفتح  أول حضور وطني للمغرب في بينالي البندقية نافذة على مشهد فني معاصر يستند إلى المعارف المحلية بوصفها مساحة للإبداع والتجريب.

وتقول مريم برادة: "يعكس Asəṭṭa مغرب معاصر متعدد وحيوي ومرتبط بعمق بنسيجه الاجتماعي والثقافي". أما أمينة أكزناي فترى في هذه المشاركة فرصة لتقديم: "رؤية للممارسة الفنية المغربية المعاصرة تجمع بين العمارة والتصميم والحرفة".

وبين الخيوط التي تعبر الجدران والأسقف، والمساحات التي تتأرجح بين الداخل والخارج، يقف "Asəṭṭa" عند عتبة رمزية أخرى؛ عتبة تفصل بين الطريقة التي اعتدنا أن ننظر بها إلى الحرفة، والطرق الجديدة التي يقترحها العمل لفهمها.


 

محررة ثقافية تهتم برصد التحولات الإبداعية في السعودية، وتوثيق التراث والإنجازات الوطنية للمرأة.