"وشوشة" بأصوات بطلاتها… "هي" في لقاءات حصرية من جناح الإمارات في بينالي البندقية 2026
يواصل الجناح الوطني لدولة الإمارات العربية المتحدة مشاركته في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون في بينالي البندقية 2026، من خلال معرض جماعي يحمل عنوان "وشوشة" ، في مقره الدائم في Arsenale Sale d’Armi بمدينة البندقية، حيث يستمر المعرض حتى 22 نوفمبر 2026.
لا يتعامل المعرض مع الصوت بوصفه عنصراً حسياً عابراً، بل كمساحة للذاكرة والهوية والتواصل والتاريخ الشفهي. فكلمة "وشوشة"، بما تحمله من دلالة عربية حميمة، لا تشير فقط إلى الهمس، بل تستدعي عالماً كاملاً من الأصوات الخافتة، والرسائل الناقصة، والحكايات التي تنتقل بين الأجساد والذاكرة، وبين الفرد والجماعة.

من هذه الفكرة، تنطلق القيّمة الفنية للمعرض بانه قطّان، القيّمة والرئيسة المشاركة للمعارض في مشروع متحف غوغنهايم أبوظبي، بمشاركة القيّمة المساعدة تالا نصار، لتجمع أعمال ستة فنانين تتقاطع ممارساتهم بين أجيال وخلفيات واختصاصات مختلفة، وهم: ميس البيك، جواد المالحي، فرح القاسمي، آلاء إدريس، لمياء قرقاش، وتاوس مخاتشيفا.
في 3 مقابلات حصرية مع "هي"، تتقاطع أصوات القيّمة الفنية بانا قطّان والفنانتين لمياء قرقاش وميس البيك حول سؤال جوهري واحد: كيف يمكن للصوت، أو أثره، أن يتحوّل إلى ذاكرة وهوية وتجربة إنسانية؟ من رؤية قطّان القيّمية التي جعلت من "الوشوشة" مدخلاً لفهم الإصغاء والتحولات الاجتماعية، إلى قراءة قرقاش للمجلس كمساحة تحمل ذاكرة الحضور والغياب، وصولاً إلى ميس البيك التي تتأمل الجسد بوصفه حاملاً لما تعجز اللغة عن قوله بالكامل، تتشكل أمامنا طبقات متعددة من المعرض؛ لا بوصفه تجربة بصرية وصوتية فحسب، بل كدعوة إلى الإنصات لما يبقى في المكان، وفي الجسد، وفي الذاكرة.

بانه قطّان لـ"هي": "وشوشة" كلمة واحدة تحمل فكرة متكاملة
في حوار خاص مع "هي"، تتحدث بانه قطّان، القيّمة الفنية للمعرض، عن الفكرة التي قادتها إلى بناء السردية الفنية لـ"وشوشة"، وعن الصوت كذاكرة وتراث وممارسة اجتماعية، وعن حضور الإمارات داخل الحوار الثقافي العالمي.
يحمل المعرض عنوان "وشوشة"، وهي كلمة توحي بالصوت الخافت والحميم والذاكرة القريبة. كيف بدأتِ من هذه الفكرة لبناء سردية فنية تمثّل الإمارات في بينالي البندقية؟
جذبني إلى هذه الفكرة أمران، الأول كان عملاً فنيًا للفنان لورنس أبو حمدان بعنوان "وش وش"، والذي عُرض على كورنيش أبوظبي خلال الدورة الأولى من بينالي الفن العام في أبوظبي. ومن تلك الإحالة انبثق مفهوم "وشوشة". أما الأمر الآخر الذي جذبني إليها، سواء كمفهوم أو كعنوان، فهو بساطتها. فهي مجرد كلمة واحدة، لكنها تحمل فكرة متكاملة بصيغة شديدة التكثيف، وحتى إن كنت لا تتحدث العربية، فإنها تظل محاكاة صوتية يمكن فهمها بشكل حدسي. وقد أتاح مفهوم "وشوشة" لكل فنان أن يُفعّله بطريقته الخاصة، مستكشفاً ما الذي يمكن أن تكونه وشوشة، أو ما يمكن أن تحقّقه.
يجمع المعرض بين فنانين من أجيال وخلفيات مختلفة، لكنهم يلتقون حول الصوت، والذاكرة، واللغة، والحركة. ما الخيط العاطفي أو الفكري الذي أردتِ أن يشعر به الزائر بين هذه الأعمال؟
على الرغم من أن الدعوة الأولية الموجهة إلى الفنانين المشاركين في المعرض مفتوحةً على احتمالات متعددة، إلا أن الردود التي وصلت جاءت شخصيّة إلى أبعد حدّ؛ لقد صاغتها حساسيّات فرديّة، ولكنّها استندت في الوقت نفسه إلى أشكال مشتركة من التجربة. وهكذا، لم يكن ما تبلور من مساهمات توجيهاً موضوعيّاً مفروضاً، بل هو تراكم لمبادرات حدسيّة أصبح فيها الجانب الشخصي مدخلاً إلى الجانب الجماعي. آمل أن يغادر الزوّار المعرض وهم أكثر وعيًا بفعل الإصغاء: إلى الصوت، وإلى الحكايات، وإلى بعضهم بعضاً. يشجّع المعرض على التأمل في الكيفية التي تُشكّل بها الإشارات الخافتة أو المُهمَلة المعرفة والهوية والشعور بالانتماء.

كيف يمكن لـ"وشوشة" أن يتحوّل من تفصيل يومي إلى مدخل لفهم الهوية والتحولات الاجتماعية في الإمارات؟
تعتمد الرؤية الفنية للمعرض على إعطاء الأولوية لعمق التفاعل مع الصوت والنقل الشفهي، بدلاً من التركيز على الوسيط الفني وحده، بما يضمن ألّا يكتفي المعرض بالإحالة إلى الصوت، بل أن يفحص بشكل نقدي الكيفية التي يعمل بها بوصفه ذاكرةً وتراثاً وممارسةً اجتماعية داخل الإمارات والمنطقة الأوسع. وفي سياق دولة الإمارات العربية المتحدة، فإنّ اكتشاف النفط ثم قيام الدولة سنة 1971 أحدثا تحوّلات سريعة مصحوبة بتغيّرات متسارعة في البيئة الصوتية. ويتجلّى ذلك بطرق متعددة داخل المعرض، بدءاً من التأملات في البث الإذاعي المبكر في الإمارات، وصولاً إلى أصوات عالمنا المعاصر شديد الترابط اليوم.
كيف ترين مشاركة الإمارات في بينالي البندقية اليوم؟ وما هي أهمية إعادة تعريف موقع الإمارات داخل الحوار الثقافي العالمي؟
يوفّر بينالي البندقية منصة مميزة لتقديم الأعمال على نطاق عالمي والانخراط في حوار مع فنانين يطرحون رؤى ووجهات نظر جديدة. ففي كل دورة، تفضي المعارض إلى تأملات نقدية مهمة، وإلى فهم جديد لاتجاهات الثقافة البصرية المعاصرة، فضلاً عن إنتاج معرفي يُعد أساسياً للتفكير القيّمي. وتجسد مشاركة دولة الإمارات في بينالي البندقية اليوم الثراء الديموغرافي والثقافي الذي تتميز به الدولة، من خلال جمع فنانين تربطهم بها علاقات وتجارب معيشة مباشرة.
لمياء قرقاش لـ"هي": المجلس ليس مجرد مكان للضيافة بل ذاكرة اجتماعية
ضمن مشاركتها في "وشوشة"، تعود الفنانة لمياء قرقاش إلى المجلس بوصفه مساحة للضيافة والاستماع والتجمع والاحتفال والمواساة. في سلسلتها "مجلس"، تنظر قرقاش إلى المكان لا بوصفه خلفية، بل ككائن يحمل ذاكرته الخاصة، ويحتفظ بما مرّ فيه من حضور وغياب وأثر.

في سلسلة "مجلس"، يعود المجلس كمساحة للضيافة والاستماع والتجمّع والاحتفال والمواساة. كيف أردتِ أن تعيدي النظر في هذه المساحة المألوفة بوصفها ذاكرة اجتماعية وثقافية؟
في سلسلة “مجلس”، أتعامل مع المجلس كمساحة تتجاوز كونه مكانًا اجتماعيًا مألوفًا، ليصبح طبقة من الذاكرة المتراكمة. هو فضاء حيّ، لكنه يحمل في داخله أثر ما لا يُقال؛ تلك اللحظات التي تتشكّل بين الناس ثم تختفي بصمت، لكنها تبقى عالقة في المكان.
في صوركِ، لا يحتاج الأشخاص دائمًا إلى الظهور كي يكونوا حاضرين. كيف يمكن للمكان أن يروي قصص ساكنيه وزواره من خلال الأثر، الغياب، والتفاصيل الصغيرة؟
أؤمن أن المكان يمتلك ذاكرة خاصة به، وأنه قادر على حمل القصص دون الحاجة إلى حضور الجسد داخل الإطار. أحيانًا يكون الغياب أكثر كثافة من الحضور، لأنه يفتح مساحة للتأمل ويترك مجالًا لما لا يُرى.

ما يشغلني هو كيف يمكن لما يبدو عابرًا أن يتحول مع الزمن إلى ذاكرة. أقترب من التفاصيل الصغيرة باعتبارها حوامل للزمن: الضوء المتغير داخل غرفة، أثر الجلوس، ترتيب غير مقصود، أو لحظة سكون بين فعلين.
لا أتعامل مع التصوير كتوثيق مباشر، بل كنوع من الإصغاء البصري لما يمرّ دون أن يُلاحظ. أحاول أن ألتقط الإحساس قبل الشكل، لأن الإحساس هو ما يبقى حين تتبدل الأشياء وتختفي.
ميس البيك لـ"هي": الجسد يتذكر أحياناً قبل أن نفهم ما نحمله داخله
في عملها المشارك في "وشوشة"، تحوّل ميس البيك اللغة والصوت والنفس إلى أثر مادي. من خلال منحوتات زجاجية تستحضر لحظة محاولة الكلام، تفتح الفنانة مساحة للتأمل في ما يُفقد حين نحاول حفظ الذاكرة الشفوية، وفي العلاقة بين الجسد واللغة والهجرة والانتماء.

في "وشوشة"، يحضر الصوت بوصفه مساحة بين الهمس والذاكرة والاضطراب. ما الصوت الداخلي أو الهمس غير المعلن الذي أردتِ أن يرافق الزائر عند مواجهة عملكِ؟
أظن أن ما كان يشغلني في “وشوشة” هو كيف تترك اللغة أثراً جسدياً علينا، حتى عندما نفقد معناها المباشر أو نتوقف عن الانتباه إليها. كيف يمكن لجملة شعرية، أو لطريقة نطق معيّنة، أن تتحول مع الوقت إلى شيء يوجّه إحساسنا بالعالم وبأنفسنا.
لهذا ظهرت فكرة تثبيت الكلمات أو حفظها داخل العمل، لكن عبر الجسد نفسه. كنت آخذ طبعات لفمي أثناء محاولة لفظ الكلمات، متتبعةً مواضع مخارج الحروف داخل الفم. ما كان يهمني هو تلك اللحظة التي تكون فيها الكلمة في طور التشكل الجسدي، قبل أن تستقر تماماً كمعنى.
هناك أيضاً تناغم بين العناصر المضيئة المُعلقة والعناصر الموضوعة على الطاولة، لكنني لا أراه كتقسيم واضح بين الثابت والمتحول. ربما هو أقرب إلى أنماط مختلفة من التوجيه أو الملاحة. بعض أشكال اللغة تعطينا إحساساً باتجاه ثابت، بينما بعضها الآخر يتغير باستمرار عبر الاحتكاك بالتجربة الحيّة. وما يهمني هو المسافة والحركة بين هذه الحالات، وليس اختيار واحدة منها.

في ممارستكِ الفنية، يبدو الجسد وكأنه يحمل ما لا تستطيع اللغة قوله بالكامل: آثار الهجرة، النزوح، الذاكرة، والانتماء. كيف تنظرين إلى الجسد كأرشيف حيّ للتجربة الإنسانية؟
لا أفكر في الجسد كأرشيف بمعنى ثابت أو منظّم. ما يهمني أكثر هو كيف يحمل أشياء لا ننتبه لها أصلاً؛ طريقة النطق، أو التنفس، أو التردد، أو حتى علاقتنا بالمسافة والراحة والخوف. كأن الجسد يتذكر أحياناً قبل أن نفهم نحن ما الذي نحمله داخله.
أحياناً أشعر أن تجربة النزوح أو الانتماء لا تظهر فقط في القصص الكبيرة، بل في التفاصيل الصغيرة جداً التي تتسلل إلى الجسد مع الوقت. أشياء نصبح غير قادرين حتى على فصلها عن أنفسنا. كيف نجلس، كيف نلتفت، كيف نتعامل مع الحميمية أو الحذر. هذه الأمور تسبق أحياناً قدرتنا على تفسيرها بالكلمات.
لهذا أعود كثيراً إلى الفم، والصوت، والنفس، ومحاولة تحويل شيء عابر جداً إلى أثر مادي. ربما لأنني مهتمة بفكرة أن الجسد لا يحفظ الذاكرة بشكل مثالي أو ثابت، بل يعيد تشكيلها باستمرار. بالنسبة لي، الجسد ليس فقط حاملاً للتجربة، بل أيضاً مساحة تتغير فيها الذاكرة نفسها مع الزمن والتكرار والعيش.
كيف تعرفين أن عملاً ما يحتاج إلى أن يُقال بالكلمة، أو يُؤدّى بالجسد، أو يُترك كأثر بصري؟
غالباً أكتشف ذلك خلال العمل نفسه. عندما أشعر أن اللغة بدأت تشرح أكثر مما ينبغي، أعرف أنني أحتاج أن أترك مساحة للجسد أو للمادة. وأحياناً يحدث العكس، حيث أشعر أن الصورة وحدها غير قادرة على حمل الفكرة أو الإيقاع الذي أبحث عنه.
ما يهمني غالباً هو النقطة التي يفشل فيها كل وسيط في حمل التجربة بالكامل. أحياناً تستطيع الكلمات أن تفتح سؤالاً، لكنها تعجز عن حمل ثقله العاطفي أو الجسدي، فيأتي الأداء أو المادة ليكملا شيئاً منها. وفي أحيان أخرى، أشعر أن الصمت أو الأثر البصري أكثر صدقاً من أي شرح.

وجودي في هذا السياق جعل علاقتي بالفن أقل عزلة بكثير. العمل مع فنانين وكتّاب وممارسين في مراحل مختلفة من تجربتهم يضعني باستمرار أمام أسئلة وطرق تفكير مختلفة، وأشعر أن هذه الحوارات تدفع أبحاثي وممارستي إلى أماكن لم أكن سأصل إليها وحدي.
وفي المقابل، أشعر أيضاً أن ممارستي الفنية تؤثر على طريقة عملي داخل 421. لا أستطيع أن أفصل تماماً بين الأسئلة التي تشغلني كفنانة وبين البرامج أو المبادرات التي أعمل عليها. أحياناً يتيح لي هذا السياق فرصة التفكير في هذه الأسئلة مع الآخرين وعلى نطاق أوسع؛ ليس عبر تقديم إجابات جاهزة، بل عبر صنع مساحات للتجريب والبحث وتبادل المعرفة.
أعتقد أن قربّي من عمليات الآخرين يذكّرني دائماً أن الفن ليس شيئاً ثابتاً أو مكتملًا، بل طريقة مستمرة للتفكير وإعادة النظر. وهذا ربما جعلني أقل اهتماماً بالأعمال التي تدّعي اليقين أو الاكتمال، وأكثر اهتماماً بالأعمال التي تترك مساحة للأسئلة أو للتحول أو حتى للتناقضات التي لا تُحل بالكامل.

رمزية خاصة للمشاركة الإماراتية في بينالي البندقية
تكتسب مشاركة الإمارات هذا العام رمزية خاصة، إذ تمثل المشاركة الخامسة عشرة للدولة في معارض الفن والعمارة الدولية في بينالي البندقية، والمشاركة التاسعة لها في المعرض الدولي للفنون. كما يواصل الجناح الوطني، من خلال برنامج التدريب في البندقية الذي يدخل عامه الخامس عشر وخرّج أكثر من 300 متدرب، التزامه بدعم المشهد الفني الإماراتي، وتمكين المواهب الشابة، وتوسيع حضورها على المنصات العالمية. بهذا المعنى، لا يقدم الجناح الوطني لدولة الإمارات "وشوشة" كموضوع فني فحسب، بل كحالة إصغاء كاملة؛ إصغاء إلى الذاكرة، وإلى ما يبقى عالقاً في اللغة، وإلى الأصوات اليومية التي تصنع، بصمتها وضجيجها، ملامح الهوية الثقافية المتجددة.