العقلية الجديدة للمستهلكين: كيف نتسوق من البقالة في الوقت الراهن؟
مع بداية شهر مارس الفائت، وفي ظل تزايد حالة عدم اليقين التي بدأت تنعكس على الحياة اليومية؛ برزَ تحوّلٌ هادئ لكنه ملحوظ في سلوك المستهلكين. فقد أصبح الناس أكثر تروياً في قراراتهم الشرائية وأكثر وعياً بكيفية توجيه إنفاقهم.
وبعد مرور أسابيع وبدء استقرار نمط حياةٍ جديد، بدأ هذا الوعي يتطوّر بشكلٍ أوضح. ولم يعد المشهد اليوم، وخصوصاً في مختلف فروع البقالة ومنها Organic Foods & Cafe، يعكس عودة ًإلى أنماط التسوّق المعتادة، بل يُعبّر عن ظهور نهجٍ أكثر وعياً تجاه اختياراته من الغذاء. يترجم هذا النهج وعيًا أعمق بالصحة، مصادر المنتجات، وأهمية العافية على المدى الطويل؛ كما لم يعد المستهلكون يختارون بين الراحة والجودة بالطريقة نفسها، بل بات هناك تفضيلٌ متزايد على الأطعمة التي تتميز بالبساطة، النقاء، والشفافية الغذائية. كما لم يعد التركيز يقتصر على الراحة قصيرة المدى، بل اتجه نحو خياراتٍ تدعم الطاقة، القدرة على التحمّل، والصحة العامة على المدى الطويل.
وبالتالي، تشيرُ أحدث الدراسات التي أجرتها McKinsey & Company إلى أن نهج التغذية الوظيفية يشهد نمواً متسارعاً؛ حيث أفادَ حوالي نصف المستهلكين الذين شملهم الاستطلاع، بأنهم يشترون منتجاتٍ تقدّم مزايا صحية إضافية، وترتفع هذه النسبة لدى المستهلكين الأصغر سناً لتصل إلى ما يقارب الثلثين. ويأتي هذا الطلب مدفوعاً بتزايد الوعي بدور الغذاء كأحد أشكال الرعاية الوقائية، حيث بات الناس يبحثون بشكلٍ فعّال عن مكوّناتٍ تدعم الطاقة وصحة الأمعاء، وتعزّز المناعة، فضلاً عن العافية الشاملة.

في ظلّ الظروف الراهنة في المنطقة، وعلى الرغم من أن الإنفاق في مجالاتٍ أخرى قد يشهد مزيداً من التحكم، يظل المستهلكون أكثر استعداداً للاستثمار في ما يُعتبر ضرورياً بالنسبة إليهم. فقد أصبحت المكونات النظيفة، المصادر الموثوقة والمنتجات التي تدعم العافية تحظى بأولويةٍ متزايدة، ليس باعتبارها مجرّد اتجاه، بل كمعيارٍ أساسي. وبهذا المعنى، أصبح للغذاء دورٌ أقرب إلى ما كان يُمثَله مفهوم الفخامة في السابق؛ وذلك ليس من ناحية سعرها، بل من ناحية أهميتها. أيضًا لم يعد الأمر يتعلق بالإفراط في تناول الطعام، بل بات يرتكز على اتخاذ خياراتٍ أفضل وبشكلٍ أكثر استمرارية.
ومع دخولنا صيف عام 2026، بدأت مجموعةٌ من التحوّلات الرئيسية في رسم ملامح طريقة تسوّق الناس، وتناولهم للطعام، وتفكيرهم في الغذاء، نستعرضها في المقالة التالية التي شاركنا إياها فراس ناصر، الرئيس التنفيذي لعلامة Organic Foods & Café والرئيس التنفيذي المشارك للاستثمار في Gulf Japan Food Fund.
العقلية الجديدة للمستهلكين وكيفية تسوقهم من البقالة في الوقت الراهن
بحسب ناصر، فإن المستهلكين اليوم يتجهون نحو خياراتٍ صحية وأكثر توجهًا أثناء تسوقهم من البقالة. مستندين في ذلك على الركائز التالية:
-
التوريد من المصادر المحلية المباشرة يبرز كأولوية أساسية
فقد أصبح المستهلكون يولون اهتماماً أكبر بمصدر غذائهم، فيما تكتسبُ المنتجات المزروعة محلياً والمورّدون الإقليميون زخماً متزايداً، مدفوعين برغبتهم في الحصول على منتجاتٍ طازجة، فضلاً عن شفافية المصادر واستقرار سلاسل الإمداد.
-
التغذية الوظيفية تنتشر على نطاقٍ واسع
لم يعد اختيار الطعام يقتصر على المذاق فحسب، بل بات يعتمد أيضاً على مدى فائدته للجسم. فقد أصبحت المكونات التي تساعد على الهضم، أو تُعزَز الطاقة، أو تدعم المناعة، جزءًا من النظام الغذائي اليومي، وليست مقتصرةً على فئة محددة من منتجات العافية.

-
البساطة بدلاً من التعقيد
هناك رفضٌ متزايد للاتجاهات الصحية المُبالغ في تعقيدها، فيما تكتسب المنتجات التي تحتوي على قوائم المكوّنات الأقصر والأسهل في التعرف عليها إقبالاً متزايداً، ما يعكس تحولاً نحو أسلوبٍ غذائي أكثر صدقاً ووضوحاً.
-
الراحة الواعية
ما تزال الراحة عاملاً مهماً، لكن التوقعات حولها قد تغيرت. إذ يبحث المستهلكون عن خياراتٍ جاهزة للأكل أو سهلة التحضير، من دون أن يكون ذلك على حساب جودتها أو قيمتها الغذائية أو مصادر مكوناتها.
-
تحسينات يومية
بدلاً من التركيز على مظاهر الترف الكبيرة والظاهرة، بات الناس يتجهون نحو إدخال تحسيناتٍ أصغر حجماً وأكثر وعياً على روتينهم اليومي. وسواء كان ذلك باختيار المنتجات العضوية بدلاً من التقليدية، أو اختيار موادٍ غذائية أساسية ذات جودة أعلى، فإن هذه القرارات أصبحت جزءاً من عقلية طويلة الأمد.
وتشير هذه التحوّلات إلى ما هو أعمق من مجرد اتجاهاتٍ موسمية؛ إذ تعكس فهماً متزايداً بأن الغذاء يُعدّ من المجالات القليلة التي ما زال بإمكان الناس فيها اتخاذ خياراتٍ مدروسة وذات معنى، وبقدرٍ أكبر من التحكم. وفي عالمٍ يبدو في كثيرٍ من الأحيان غير قابل للتنبؤ، تكتسب هذه القدرة على التحكم أهميةً متزايدة. فالمسألة في جوهرها لا تتعلق فقط بما يوضع على الطبق، بل بالدور الذي يؤديه الغذاء في دعم الحياة اليومية. وبات هذا الدور، على نحوٍ متزايد، يُؤخذ على محمل الجد أكثر من أي وقتٍ مضى.

في الخلاصة؛ فإن التسوّق الواعي هو أسلوب حياةٍ يحمي صحتكِ، مالكِ، وقتكِ وكوكبكِ، ويُحوّل كل عملية شراء إلى قرارٍ مدروس يخدمك على المدى الطويل. التسوق الواعي يحميكِ من الشراء العاطفي، يُوفر المال دون حرمان، يدعم صحتكِ ورفاهيتكِ، يُقلَل الفوضى ويزيد جودة الحياة، فضلًا عن تقليل الأثر البيئي.
فلا تترددي عزيزتي في اتخاذ القرارات الواعية والمستديمة عند التسوق.