مقابلة مع الشيف أكينوري تانيغاوا

الشيف أكينوري تانيغاوا لـ"هي": أسعى دومًا لمشاركة جمال اليابان ومطبخها الفني.. والطعام وسيلتي لإسعاد الناس

21 يوليو 2026

من سحر اليابان وغموضها الذي مهما تكشَف لنا، فإن معظمه يبقى في خانة الغموض؛ من المطبخ الياباني العريق الممتد لقرون؛ ومن الثقافة اليابانية التي تجمع بين جذورٍ ضاربة في التاريخ وحداثةٍ مذهلة تُعدّ من الأكثر تقدّمًا في العالم، ينضمَ الشيف أكينوري تانيغوا إلى قائمة الطهاة الذين كان لي شرف اللقاء بهم، للحديث أكثر عن خبراتهم وطموحاتهم في عالم الطهي.

الشيف أكينوري الذي يحتل مركز رئيس الطهاة في مطعم كيغو في دبي اليوم، ليس إسمًا عابرًا؛ بل هو تاريخٌ حافل بالإنجازات، الخبرات والمواهب التي قدمها وما زال، في مسرح الطهي العالمي، لتقريب المطبخ الياباني أكثر فأكثر للناس، ممن يبحثون عن مذاقاتٍ أخرى غير السوشي.

في مقابلتنا اليوم مع الشيف أكينوري، نتعرف عن كثب عن موهبته؛ كيف بدأت، وكيف صُقلت، وما هي النصائح والأسرار التي يتشاركها مع جيلٍ جديد من الطهاة. فإذا كنتِ من عشاق المطبخ الياباني مثلنا، وتتشوقين لمعرفة المزيد عنه، ما عليكِ سوى قراءة المقابلة كاملةً.

مرحبًا بكَ شيف أكينوري معنا على موقع "هي" اليوم؛ حدَثنا أكثر عن نفسك: بداياتك، تعليمك، إلخ.

شكرًا جزيلًا على الاستضافة، ويُسعدني أن أكون معكم اليوم..

يمتلك الشيف أكينوري تاريخًا حافلًا بالإنجازات والخبرات
يمتلك الشيف أكينوري تاريخًا حافلًا بالإنجازات والخبرات

وُلدتُ ونشأتُ في يامي، ودخلتُ عالم الطهي في سن التاسعة عشرة. رسّختُ أساسيات المطبخ الياباني من خلال التدريب في مطاعم يابانية تقليدية ومطاعم "كابو"، قبل أن أفتتح وأدير مطعمي الخاص، "تانيغاواتي"، في مسقط رأسي يامي لمدة 14 عامًا.

منذ عام 2020، عملتُ كرئيس طهاة في مطعم "هيناتا" في إنديانابوليس، وأنا الآن رئيس الطهاة في مطعم "كيغو" في دبي؛ حيث أسعى جاهدًا لمشاركة جمال اليابان، حرفيتها، ومطبخها. طوال مسيرتي، لطالما قدّرتُ التعبير عن فصول اليابان الأربعة وتراثها الثقافي من خلال الطعام.

متى أدركتَ رغبتك في أن تصبح طاهيًا؟

أدركتُ ذلك لأول مرة خلال سنوات دراستي الثانوية. منذ طفولتي، كنتُ أعشقُ تناول الطعام في المطاعم، وأصبحت الأوقات التي قضيتها مع عائلتي في المطاعم من أغلى ذكرياتي.

نشأتُ في عائلةٍ تُدير مطعمًا، فكنتُ مُحاطًا بثقافة الطعام منذ صغري، وانجذبتُ تدريجيًا إلى فكرة أن أصبح طاهيًا، وهي مهنةٌ تُكرّس لإسعاد الآخرين من خلال الطعام. أعتقدُ أنني التزمتُ بوعيٍ باتباع هذا المسار في سن الثامنة عشرة تقريبًا.

من كان مصدر إلهامك الرئيسي لتصبح طاهيًا؟

بدلًا من شخصٍ مُحدد، تأثرتُ كثيرًا بالطهاة المُخضرمين والمُرشدين الذين التقيتُ بهم خلال سنوات تدريبي. جمعتُ توجيهاتهم بين الانضباط والاهتمام الصادق، ومنهم تعلمتُ ليس فقط تقنيات الطهي، بل أيضًا كيفية التصرف كشخصٍ وكمحترف.

في الوقت نفسه، لا تزال وصفات جدتي المنزلية البسيطة تُشكّل أحد ركائز شخصيتي كطاهٍ اليوم.

كيف تصف أسلوبك العام في الطهي؟

أصفُ أسلوبي في الطهي بأنه "احترامٌ التقاليد اليابانية مع ابتكار أطباقٍ تُناسب المكان والزمان". ومع التزامي التام بأساسيات المطبخ الياباني، أسعى جاهدًا للتناغم مع ثقافة ومكونات المنطقة التي أطبخُ فيها، لخلق قيمةٍ وتجارب جديدة لضيوفي من خلال هذا الحوار بين التقاليد والأصالة المحلية.

أحد الأطباق الشهية التي يُعدها الشيف أكينوري في مطعم كيغو
أحد الأطباق الشهية التي يُعدها الشيف أكينوري في مطعم كيغو

ما الذي يؤثر على طعامك، من حيث المكونات والأساليب وغيرها؟

يُعدّ استخدام المكونات في أوج نضجها، مع مراعاة الموسمية، جوهر طبخي. فبدلًا من اللجوء إلى تقنياتٍ أو معالجات غير ضرورية، أؤمنُ بإبراز الإمكانات الطبيعية لكل مكون، وفهم اللحظة التي يكون فيها في أوج لذته.

نشأتُ في يامي، وهي منطقةٌ تشتهرُ بثقافة الشاي، وقد تأثرتُ بشدة بالجماليات اليابانية الفريدة، مثل "يوين" (الصدى الدائم) و"شيزوكيسا" (الهدوء والسكينة). ولا تزال هذه الحساسيات تُشكّل مطبخي والتجربة التي أطمحُ إلى تقديمها لضيوفي.

ما هي أسرار المطبخ الياباني التي ترغب في مشاركتها مع قرائنا؟ وما الذي يجعل هذا المطبخ مُفضلًا لدى الكثيرين؟

أعتقدُ أن المطبخ الياباني فنٌّ متكامل. إنه تجربةٌ لا تقتصر على المذاق فحسب، بل تشمل أيضًا الفصول، أدوات المائدة، المكان، وحتى الإيماءات والآداب المحيطة بتجربة تناول الطعام.

أعتقدُ أن احترامها العميق للطبيعة، حساسيتها المرهفة، وروح الضيافة اليابانية (أوموتيناشي) هي ما يترددُ صداه ويأسر قلوب الناس حول العالم.

مع خبرة تزيد عن 30 عامًا بين اليابان والولايات المتحدة، كيف تلخَص هذه الرحلة الطويلة، وكيف تصفها بأفضل تعريف؟

لقد كانت رحلةً متواصلة من التحديات والتعلَم. بنيتُ أُسسي في اليابان، واطلعتُ على ثقافاتٍ ووجهات نظر متنوعة أثناء عملي في الولايات المتحدة، وأنا الآن أتبنَى أشكالًا جديدة من التعبير في الشرق الأوسط.

لو أردتُ وصف رحلتي بعبارة واحدة، لقلتُ: "التقاليد والتطور". طوال مراحل مسيرتي المهنية، سعيتُ إلى تكريم تقاليد المطبخ الياباني مع السماح له بالنمو والتكيَف من خلال بيئاتٍ، ثقافاتٍ وتجارب جديدة.

نشأتَ في منطقة الشاي الأخضر، كيف أثّرت هذه النشأة على شغفك وإتقانك للطبخ؟

ترتبطُ أصول المطبخ الياباني ارتباطًا وثيقًا بثقافة "تشا كايسيكي"، وهي الأطباق التي تُقدّم تقليديًا كجزءٍ من مراسم الشاي. روح الضيافة تجاه الضيوف، تقدير الصمت والهدوء، والأهمية التي تُولى للرائحة والانطباعات الدائمة، كلها قيمٌ ترسّخت فيّ من خلال طبيعة وثقافة الشاي في مسقط رأسي، يامي.

كما أن تقديري لتغيّر الفصول والجمال الكامن في زوالها، هو أمرٌ ورثتهُ من مسقط رأسي، ولا يزال أحد أهمّ المؤثرات على طبخي حتى اليوم.

يبرع الشيف أكينوري في طبخ الكابو والكايسيكي
يبرع الشيف أكينوري في طبخ الكابو والكايسيكي

ما هي فلسفتك في المطبخ؟

أهمّ درسٍ تعلّمته هو أن "الطعام وُجد لإسعاد الناس". مع أن التقنية والمهارة مهمّتان بلا شك، إلا أنني أؤمن بأن المطبخ الرائع لا يمكن أن يوجد دون احترامٍ لمن يُقدّم لهم الطعام، والزملاء الذين نصنع معهم هذه الأطباق، ونختار المكونات بأنفسنا.

بالنسبة لي، الطبخ ليس مجرد تحضير طعام، بل هو خلق لحظاتٍ من البهجة والتواصل، وذكرياتٍ لا تُنسى من خلال كرم الضيافة والإتقان.

ما رأيكَ في طبخ الكابو، ولماذا يحظى بشعبية متزايدة؟

الكابو هو أسلوب طعامٍ يجمعُ بين الضيوف والطهاة في أجواءٍ حميمية، مما يتيح للطاهي التفاعل شخصيًا مع كل ضيف واستضافته طوال التجربة. أعتقدُ أن هذا التواصل المباشر هو أحد أسباب اكتسابه هذا التقدير الكبير حول العالم.

يتماشى التركيز على التفاعل، سرد القصص، والجو المسرحي الذي يخلقه الطبخ أمام الضيوف، بشكلٍ طبيعي مع الرغبة المعاصرة في تجربة طعامٍ غامرة. ومن خلال الكابو، تصبحُ الوجبة أكثر من مجرد طعام، بل حوارًا بين الطاهي والضيف، ينبضُ بالحياة في اللحظة ذاتها.

ما هو مطبخ "كايسيكي"؟

مطبخ الكايسيكي، بالنسبة لي، هو شكلٌ من أشكال الثقافة اليابانية التي تُعبَر عن الامتنان للطبيعة وتغيَر الفصول. من خلال كل طبقٍ على حدة، يُتيح المطعم للضيوف الشعور بمرور الوقت واكتشاف قصة، ما يخلق تجربة طعامٍ تترك أثراً عاطفياً عميقاً وشعوراً دائماً بالرضا الهادئ.

بصفتك رئيس الطهاة في مطعم كيغو، ما الذي تقدمه لمجتمع دبي فيما يتعلق بالمأكولات والتجارب اليابانية؟

أودُ أن يختبر الضيوف جوهر اليابان؛ أصالتها، فصولها، حرفيتها، وتقاليدها المتجسدة في كل قطعة من أدوات المائدة. وبدلاً من مجرد تقديم طعامٍ فاخر، أهدفُ لتقديم الحس الجمالي وروح الضيافة اليابانية (أوموتيناشي) التي يُقدَرها الشعب الياباني منذ أجيال.

كيف وجدت دبي، وما الذي ألهمك في هذه المدينة؟

أشعرُ أنها مدينةٌ زاخرة بالتنوع والتحديات؛ ولأنها مكانٌ تلتقي فيه ثقافات من جميع أنحاء العالم، يصبح جوهر المطبخ الياباني أكثر تميَزاً. كما أنها مدينةٌ أستلهمُ منها يومياً أشكالاً جديدة للتعبير.

يحتل الشيف أكينوري مركز رئيس الطهاة في مطعم كيغو في دبي
يحتل الشيف أكينوري مركز رئيس الطهاة في مطعم كيغو في دبي

هل لديك معرفة بالمطبخ المتوسطي، وهل جربت أياً منه؟ ما هو طبقك المفضل؟

يتشابهُ استخدام زيت الزيتون، الليمون والأعشاب في المطبخ المتوسطي مع المطبخ الياباني في جوانب عديدة. وأشعرُ بتناغمٍ كبير، خاصةً مع الأطباق البسيطة التي تُبرز المأكولات البحرية الطازجة.

أعتقدُ أن هذا النهج القائم على احترام وتقدير الخصائص الطبيعية للمكونات، هو ما يربط بشكلٍ وثيق بين المطبخ المتوسطي وفلسفة الطهي اليابانية.

كيف تُصمَم قوائم الطعام؟

أولاً، أُحددُ الموسم، ثم أتخيلُ المناظر الطبيعية والروائح التي تُمثله. وبناءً على ذلك، أُنسقُ أدوات المائدة، المكونات وتقنيات الطهي لأُقدمَ قائمة طعامٍ متكاملة.

ما هي برأيك، الأدوات الأساسية للطاهي الناجح؟

الأهم هو التواضع والمثابرة. يمكن اكتساب المهارات مع الوقت، لكنني أؤمن أن حب التعلَم المستمر واحترام الأدوات والبيئة المحيطة هما ما يسمحان للطاهي بالنمو والتطور.

ما الذي لا تستغني عنه في المطبخ؟

الثقة؛ مهما بلغت براعة الطاهي من الناحية التقنية، فإنه من المستحيل تقديم طعامٍ ممتازٍ حقًا دون الاحترام المتبادل بين أعضاء الفريق.

كيف تديرُ الخلافات والمنافسة بين طاقم المطبخ؟

أُولي أهميةً بالغة للاستماع إلى الآخرين حتى النهاية قبل الرد. فبينما قد تؤدي المنافسة الصحية إلى النمو، أعتقدُ أنه من الضروري أن يتشارك جميع أفراد الفريق الهدف الأسمى نفسه، وهو رضا الضيوف، وأن يسيروا معًا في الاتجاه نفسه.

مقابلة مع الشيف أكينوري تانيغاوا - رئيسية
مقابلة مع الشيف أكينوري تانيغاوا

أصبحت التكنولوجيا ركيزةً أساسية في كل مجال عمل؛ برأيك، هل تؤثر على الطبخ إيجابًا وسلبًا؟

من حيث تبادل المعلومات، إدارة النظافة، وتوزيع الطعام، فإنها تُحقق فوائد جمة. ومع ذلك، أشعرُ أيضًا أنه في سعينا لتحقيق الكفاءة، يجب ألا نغفل أهمية المهارة واللمسة الإنسانية.

في النهاية، أعتقد أن اللمسة الإنسانية، والشغف الكامن وراء العمل، هما ما يُحدَدان القيمة الحقيقية للمطبخ.

ما هي طموحاتك المستقبلية كطاهٍ محترف؟

أرغبُ في تكريس نفسي لرعاية الجيل القادم من الطهاة. وفي المستقبل، أطمحُ أيضًا إلى تولَي مشاريع تمتد عبر عدة دول لتعزيز التبادل الثقافي من خلال المطبخ الياباني، ونشر جاذبيته لجمهورٍ عالمي أوسع.

في الختام؛ ما هي نصيحتك للطهاة الجدد عبر موقع "هي" ؟

إن مسيرة الطاهي ليست سهلة على الإطلاق. ومع ذلك، فهي مهنةٌ رائعة حقًا، قادرة على جلب السعادة للآخرين. أشجعكم على عدم التركيز فقط على التقنية، بل على تذكَر الامتنان للناس، احترام الطبيعة، وأهمية تبنَي عقلية التعلَم المستمر. امشوا في طريقكم خطوة بخطوة، دون الخوف من الفشل، وانتهزوا فرص تحدي أنفسكم على الساحة العالمية. وقبل كل شيء، لا تنسوا أبدًا الاستمتاع بالرحلة نفسها.

محررة صحافية وكاتبة محتوى، مسؤولة عن قسم الصحة والرشاقة وقسم التذوق في موقع "هي".