خاص لـ"هي": في معرض "إيقاع متغير".. عبدالله العثمان يتتبع طبقات الذاكرة والعمارة

خاص لـ"هي": في معرض "إيقاع متغير".. عبدالله العثمان يتتبع طبقات الذاكرة والعمارة

4 يونيو 2026

بين الذاكرة والعمارة والزمن، يقدم الفنان السعودي عبدالله العثمان معرضه الفردي الجديد "Syntax of the Ever-Changing" أو "إيقاع المتغير" في أثر غاليري بحي جاكس في الدرعية، والممتد من 20 مايو حتى 20 أغسطس 2026. 

ومن خلال مجموعة من الأعمال التي تستند إلى الأرشيف والصورة والخامات الصناعية والعناصر المعمارية، يستكشف العثمان فكرة التحول المستمر بوصفها جوهر المكان، متتبعًا الأثر الذي يتركه الزمن والإنسان على الفضاءات التي نشغلها ونبنيها ونعيد تشكيلها باستمرار.

عبدالله العثمان
جانب من معرض  "إيقاع المتغير" للفنان عبدالله العثمان 

 تمتد رحلة عبدالله العثمان الإبداعية عبر ميادين الشعر والفن المفهوم، تتميز أعمال عبد الله بالفحوصات المتأنية للأفكار. يسترجع ببراعة سرد محجوبًا أو مهملاً، مع إعادة توجيهه ببراعة إلى نواة الوعي الجماعي  حيث عرضت أعماله في فعاليات مرموقة، بما في ذلك: بينالي ليون عام 2022، و Desert X AlUla عام 2021، وأيضاً بينالي الشارقة الإسلامي عام 2021، وبينالي الدرعية للفن المعاصر في الرياض عام 2021  

في هذا اللقاء تخوض "هي" حديث مع الفنان السعودي عبدالله العثمان حول الأفكار التي تقف خلف المعرض، وعلاقته بالمكان والذاكرة والمواد المستخدمة في أعماله، إضافة إلى الكيفية التي يبني من خلالها عوالمه البصرية بين الواقع والتخيل.

المكان بوصفه سجلًا للتحولات

يوضح عبدالله العثمان أن فكرة المعرض جاءت من تأمل طويل في العلاقة بين الحيز والزمن، وفي الطريقة التي يمنح بها الإنسان الفراغ معنى من خلال البناء والتراكم والتحول المستمر. ويرى أن المكان ليس بنية ثابتة بقدر ما هو كيان متغير يتشكل باستمرار بفعل الزمن والإنسان معًا.

حيث يوضح العثمان: "ما يشغلني في هذه التجربة ليس المكان بوصفه بنية ثابتة، بل بوصفه حالة متغيرة تتشكل باستمرار بفعل الزمن والإنسان معًا. فالحيز الذي نصنعه ليس مجرد فراغ مادي، بل سجل حي للتجربة الإنسانية يحمل في طبقاته آثار البناء والاستخدام وإعادة التشكيل."

عبدالله العثمان
مشهد من معرض "إيقاع المتغير" الذي يستكشف من خلاله الفنان عبدالله العثمان تحولات الإيقاع والزمن.

ويضيف أن عنوان المعرض "Syntax of the Ever-Changing" لا يحيل إلى اللغة بمعناها الحرفي، بل إلى النظام الذي تنتظم من خلاله العلاقات بين المادة والأثر والصورة والعمارة، في محاولة لتتبع الإيقاع المستمر للتحولات التي تعيد تشكيل المكان ومعناه.

الذاكرة والأرشيف... قراءة جديدة للماضي

في أعماله، لا يتعامل العثمان مع الأرشيف باعتباره سجلًا للماضي فحسب، بل كأحد المكونات الحية التي تساهم في تشكيل الحاضر. كما ينظر إلى الذاكرة بوصفها حالة مستمرة من الحضور وليست مجرد استعادة لما مضى.

وعلى ذلك، يقول عبدالله: "الذاكرة في هذا السياق ليست استدعاء للماضي بقدر ما هي حضور مستمر له داخل الحاضر، أما الأرشيف فهو طبقة من طبقات المكان نفسه، يحمل تاريخ التحولات التي مر بها ويكشف العلاقة المتغيرة بين الإنسان وبيئته العمرانية."

ويشير إلى أن الصورة الأرشيفية بالنسبة إليه ليست وثيقة مغلقة، وإنما مساحة مفتوحة لإعادة القراءة وإنتاج المعنى، حيث تتحول من أداة للتوثيق إلى منطلق للتأمل في الزمن والتحول.

الفنان عبدالله العثمان
إحدى الأعمال المعروضة ضمن معرض "إيقاع المتغير" للفنان عبدالله العثمان

الخامة بوصفها زمن متراكم

تحضر المواد الصناعية في المعرض بوصفها عناصر أساسية في بناء العمل الفني، إلا أن حضورها يتجاوز قيمتها التشكيلية إلى أبعاد زمنية وتاريخية أعمق.

يشرح العثمان حضور المواد الصناعية في المعرض قائلاً: "لا أتعامل مع الخامة كشيء جامد، بل كزمن متراكم. فكل مادة تحمل داخلها أثر الطبيعة التي جاءت منها، كما تحمل تاريخًا طويلًا من التحولات الفيزيائية والصناعية التي مرت بها."

ويتابع موضحًا أن المادة تجمع بين زمنين مختلفين؛ زمن طبيعي يرتبط بأصلها الأول، وزمن إنساني ارتبط باستخدامها داخل البيئة العمرانية. لذلك يصفها أحيانًا بأنها "طبيعة متجمدة" تحمل في داخلها تاريخ جيولوجي طويل وآثار متراكمة من العمل والعبور والاستخدام.

العمل الفني كمساحة مفتوحة للتأويل

في المعرض يترك العثمان المجال مفتوحًا أمام تفسيرات متعددة تنبع من تفاعل المشاهد مع العمل والمواد التي يتكون منها.

حيث يقول العثمان: "ما يهمني ليس أن يقرأ المشاهد القصص والطبقات التاريخية ذاتها، بل أن يواجه حالة التغير نفسها. فالعمل الفني بالنسبة إليّ بنية مفتوحة وليست مغلقة، تستمر في إنتاج معانٍ جديدة مع مرور الوقت."

ويضيف أن المواد تبقى في حالة تفاعل مستمرة مع الضوء والهواء والحيز والزمن، ما يجعل التغير جزءًا من بنية العمل نفسه لا مجرد موضوع يتحدث عنه.

الفنان عبدالله العثمان
جانب من تجربة "إيقاع المتغير" الفنية للفنان عبدالله العثمان.

بين الواقع والخيال

تنطلق أعمال عبدالله العثمان من عناصر واقعية واضحة، تشمل الصورة والأرشيف والحكاية والمواد التي تحمل آثار الزمن، إلا أنها لا تبقى أسيرة سياقاتها الأصلية. ويوضح عبدالله العثمان: "أبني أعمالي انطلاقًا من الواقع؛ من الصورة والحكاية والأرشيف والمواد التي تحمل الزمن. هذه العناصر تشكل نقطة البداية في العمل، لكنها لا تمثل نهايته."

ويختتم بالإشارة إلى أن إعادة تركيب هذه العناصر ضمن علاقات وسياقات جديدة تفتح المجال أمام قراءات مختلفة للمكان والزمن، وتخلق فضاءات تتأرجح بين الواقع والمتخيل، وبين ما هو موثق وما هو محتمل.

محررة ثقافية تهتم برصد التحولات الإبداعية في السعودية، وتوثيق التراث والإنجازات الوطنية للمرأة.