خاص "هي": ألين أسمر دامان توقظ Orient Express Venezia جوهرة فينيسيّة من القرن الـ15.. هنا وجدتُ أحلامي!
في مدينة تعرف كيف تحفظ أسرارها داخل الماء والحجر والضوء، لا يأتي افتتاح Orient Express Venezia at Palazzo Donà Giovannelli كإضافة فندقية جديدة إلى مشهد الضيافة الفاخرة في البندقية فحسب، بل كولادة ثانية لقصر تاريخي عاش ما يقارب ستة قرون شاهداً على تحولات المدينة، وذاكرتها، وسحرها العابر للزمن.

يقع القصر في حي كاناريجيو الهادئ، حيث تتقاطع القنوات وتتبدل انعكاسات الواجهات على الماء، ليعيد اليوم فتح أبوابه بعد عملية ترميم وإعادة تخيّل حملت توقيع ألين أسمر دامان، المهندسة المعمارية والمصممة اللبنانية، التي أسست "Culture in Architecture" في بيروت وباريس. هنا، لا يبدو المشروع مجرد ترميم لمبنى أثري، بل رحلة مسرحية في طبقات التاريخ الفينيسي، حيث تلتقي الذاكرة بالحرفية، والعمارة بالفن المعاصر، وروح الشرق بالغرب في لغة تصميمية شديدة الرهافة.
القصر، الذي يعود إلى القرن الـ15، تحوّل للمرة الأولى في تاريخه إلى فندق فاخر ضمن عالم Orient Express، العلامة التي ارتبط اسمها دائماً بفن السفر وطقوسه الراقية. ويضم الفندق 47 غرفة وجناحاً وإقامة، صُممت كل منها كعالم مستقل يستحضر طبقات العمارة القديمة ورومانسية الحياة الفينيسية، من الجداريات والأسقف المنحوتة إلى النوافذ المطلة على الحدائق والقنوات.

في هذا المشروع، تذهب ألين أسمر دامان أبعد من فكرة الترميم الكلاسيكي. فهي لا تعيد المكان إلى ما كان عليه فقط، بل تصغي إلى ما كان يمكن أن يكونه اليوم. تترك للجدران أن تتكلم، وللألوان المفقودة أن تعود، وللحرفيين والفنانين أن ينسجوا حوارًا جديدًا بين الماضي والحاضر. من الثريات المصممة خصيصاً في مورانو، إلى المواد الطبيعية النادرة، والجلود المنقوشة، والحرائر، والمرايا الملونة، يتحول القصر إلى صالون ثقافي حي، ومسرح للدهشة، وبيت تتجاور فيه الذاكرة مع الحاضر.
في هذا الحوار الخاص مع "هي"، تتحدث ألين أسمر دامان عن اللحظة الأولى التي التقت فيها بالقصر، وعن معنى الفخامة اليوم داخل مبنى عمره قرون، وعن علاقتها بالحرفية والفن والذاكرة، كما تكشف ما الذي حملته هذه الرحلة الممتدة على مدى 8 سنوات إلى داخل روحها، وما المشاريع الجديدة التي تستعد لاستكشافها.

أخبرينا عن رحلتك في هذا المشوار والرحلة وما هي اللحظات العاطفية بالنسبة لكِ خلال العمل في هذا المشروع؟
هذه الرحلة المسرحية في روعة البندقية كانت لحظة تأسيسية وتحولية بالنسبة إلى المعمارية التي أنا عليها. وُلدت في بيروت، وقلبي باريسي، وأحمل ارتباطاً عميقاً بالسرد وبشاعرية المواد. في البندقية وجدت عنوان أحلامي، كما عبّر مارسيل بروست بأجمل الكلمات عن "لا سيرينيسيما".
أعتز بذكرى زيارتي الأولى إلى Palazzo Donà Giovannelli عام 2018، حين اقتربت من واجهاته النيو-قوطية المطلة على Rio de Noal عبر القارب. كنت أعرف البندقية جيداً، وأعرف تلك الرؤية السحرية للواجهات المنعكسة على الماء، حيث تمتلك كل واجهة ألقها الخاص، لكنني لم أكن أذكر أنني رأيت شيئاً بهذا القدر من الفتنة. كانت نسب الأبواب والنوافذ تبدو وكأنها تتحاور مع السماء، بينما تبقى راسخة في البحر. "لحم هذه الجدران"، كما كان ليقول جوزيف برودسكي، أسرني تماماً.

إن ولادة Palazzo Donà Giovannelli من جديد من خلال Orient Express Venezia هي شهادة على حيويته الأبدية. كانت هناك طبقات لا تُحصى لاكتشافها على مدى السنوات الماضية، لكن أسس المبنى كانت دائماً تحمل إحساساً عميقاً بالخلود.

ماذا تعني لكِ "الفخامة" اليوم خصوصًا عندما نتناولها من زاوية العمل داخل مبنى عمره قرون؟
يرتكز عملي المعماري على نقل الإرث، وعلى حوار بين الماضي والمستقبل، يرتقي عبر قصص ذات صلة ثقافية. هذا العالم من الحكايات الحية يدعو إلى إحساس بالمسرح، ترفعه العوالم العاطفية والحسية. تصبح المهارة الفنية والحرفية الفخامة المطلقة، وشكلاً من أشكال السرد داخل المساحة. Palazzo Donà Giovannelli هو شهادة على هذه الروح، حيث تتخلل قرون من الإبداع جدرانه بذكاء عاطفي وإحساس حي بالسرد.


بعض التفاصيل المفضلة لدي هي تلك التي لا يُرمم فيها التاريخ فقط، بل يُعاد تفسيره من خلال حرفية استثنائية وضمن لغة معاصرة. في Orient Express Suite، جمعت بين الحميمية والمسرح، وأعدت استخدام ما كان ينتمي إلى الماضي من خلال حوار بين روح قديمة وعمارة داخلية معاصرة. هناك مدفأة منحوتة من القرن الالـ19 من توقيع Antonio Del Zotto، مصنوعة من رخام غني بالعروق، تتوجها صدفة وتحيط بها كارياتيدات، تواجه اليوم سريراً ذا مظلة كبيرة من حرائر الموار، حيث تتحول المسرحية إلى شرنقة هادئة تحتضن فكرة المشهدية.

أعمالك كما أشرتِ في أكثر من مرة عبارة عن تناغم بين الإرث والفن المعاصر، كيف تختارين القطع أو المواد أو حتى الأعمال الفنية التي يُسمح لها بدخول مساحة تاريخية بهذا الحجم؟
إيجاد حوار عبر الزمن هو المبدأ الذي يوجّه اختياري القطع والمواد داخل مساحة تاريخية مثل Palazzo Donà Giovannelli، دائماً مع فكرة البيت في ذهني، لأن القصر كان في الأصل مسكناً تُستضاف فيه الحياة وتُشارك وتُحتفى بها.


دُعي فنانون معاصرون إلى التفاعل مباشرة مع القصر، مستلهمين مواده وزخارفه وتاريخه. على سبيل المثال، ترجمت Sophie Toporkoff الجداريات والزخارف الباروكية والهندسات القوطية والأنماط الاستشراقية إلى أعمال زجاجية ملوّنة ومنفوخة تتوزع في غرف الضيوف والممرات. وفي حالات أخرى، جاءت الاكتشافات عبر حوار مع أدوات زمننا، من خلال تعاون مع Docent’s AI Art Advisory، نتج عنه تكليفان فنيان خاصان بالموقع: منحوتات Théo Mercier المجزأة في Corte del Conte، وجداريّة Giordano Tricarico التجريدية المرسومة يدوياً في Calle Maraviglia. نستند إلى عناصر الماضي لنصوغ مفردات المستقبل.

والنتيجة ليست تبايناً، بل استمرارية؛ مجموعة منسقة بعناية من الأعمال حيث تتعايش التحف والإشارات التاريخية والتكليفات المعاصرة في محادثة شعرية، صاغتها أيدي الحرفيين والفنانين، ومتجذرة بعمق في روح المكان. القصر متجذر في الحاضر، بينما تبقى روحه حاضرة دائماً.

ماذا تتمنين أن يشعر الضيوف في الدقائق الأولى بعد دخول الفندق؟
Orient Express Venezia at Palazzo Donà Giovannelli هو جوهرة فينيسية متوجة. تتخلل قرون من الإبداع جدرانه بذكاء عاطفي وشخصية آسرة. إنه شيء يجعلك تقع في حب البندقية مراراً وتكراراً. أتمنى أن يلامس الضيوف نعمة شبابه الذي لا يموت، وأن يغذي ذلك إحساس الدهشة الحاضر في كل سطح ومساحة، وكذلك شعور التقدم السينمائي. إنه اكتشاف كبير، حيث يتحرك المرء عبر طبقات التاريخ، منقباً عن شظايا من الماضي تكشف عن نفسها تدريجياً، وغالباً بطرق غير متوقعة. وهذا بالضبط ما تمثله البندقية: الغموض، الدراما، والاحتفال، بين الحجر والأمواج، الحركة والأبدية.

أريد للضيف أن يشعر بروح البيت، وبمجموعة فنية جُمعت عبر القرون وتشبعت بروح الحاضر، جامعةً أشياء لها سرد وروح، وجاسرةً بين الماضي وزمننا. كان القصر دائماً مسكناً، وأتمنى أن يشعر الضيوف بهذا الإحساس بالتعرّف المنبعث من العمارة المجيدة والديكورات الداخلية، ومن الاختيار الدقيق للأعمال الفنية.
أي جزء منك تشعرين أنك تركته داخل Palazzo Donà Giovannelli؟
أفضل أن أفكر في الكنوز الداخلية التي كشفها القصر داخل روحي خلال هذه الرحلة التي امتدت تقريباً على مدى عقد، أكثر من التفكير في ما تركته خلفي. ربما يكون الاكتشاف الأكثر أهمية بالنسبة إلي هو التذكير بأن البندقية كانت دائماً جسراً بين الشرق والغرب، تشكلت عبر التبادل الثقافي ومن خلال الجمال الذي يغني محادثات لا تنتهي.

تكوّنت لقاءات لا تُنسى مع حرفيين وصنّاع استثنائيين وفريق مذهل من المبدعين الذين جلبوا المشروع إلى الحياة. أنا مقتنعة الآن إلى الأبد بأن البندقية ستبقى دائماً خلاصة الحوار العابر للثقافات، والبوابة السحرية الدائمة بين الشرق والغرب.
ما المشاريع المقبلة التي تثير حماسك أكثر، وما المساحات الإبداعية الجديدة التي تتطلعين إلى استكشافها لاحقاً؟
هناك عدة مشاريع جديدة قيد العمل حالياً في الاستوديو، تمتد عبر مجموعة من وجهات الضيافة. وتشمل هذه المشاريع Dream of the Desert Train في المملكة العربية السعودية، إلى جانب إحياء Villa Belinzaghi على بحيرة كومو، ضمن ملكية Villa d’Este المرموقة، وهي منارات في عالم الضيافة الفاخرة. إلى جانب هذه المشاريع البارزة، يعمل الاستوديو أيضاً على سلسلة من المشاريع الخاصة في أنحاء مختلفة من العالم، إضافة إلى سينوغرافيات خاصة سيتم الكشف عنها قريباً في مواقع باريسية أيقونية.
