سارة الراشد مؤسسة والرئيس التنفيذي لمشروع Sadu Escape

خاص "هي": النساء مهندسات الصحراء.. بناء مساحات نختبر فيها التراث ونتشاركه ونتذكّره

2 يونيو 2026

بقلم: سارة الراشد مؤسسة والرئيس التنفيذي لمشروع Sadu Escape

في شبه الجزيرة العربية، ومنذ بداية الزمن، اندمجت النساء في إيقاع الحياة الصحراوية. لم يكنّ فقط راعيات لأسرهن، بل صانعات للبيئات التي جعلت البقاء ممكنا في واحدة من أقسى البيئات الطبيعية على كوكب الأرض. بصبر وقوة ومهارة استثنائية، نسجن الخيام من شعر الماعز، وصنعن الأدوات المنزلية، وحوّلن الصحراء المفتوحة إلى مكان للانتماء. ومع تنقّل القبائل من مكان إلى آخر، حملت هؤلاء النساء معرفتهن وتقاليدهن وحِرفهن معهن، فأنشأن مساحة آمنة ومألوفة حيثما استقررن.

لم يكن عملهن مؤقتا، بل كان هادفا. وكل خيط غزلنه روى قصة عن الصمود والوحدة والاعتناء. في تلك الأراضي الشاسعة، وقفت النساء في صميم الحياة اليومية. ربّين الماعز والأغنام، وأنتجن الغذاء لأسرهن، وأعددن القهوة العربية التي لطالما رمزت إلى الكرم وحسن الضيافة. لم يكن استقبال الضيوف مجرد فعل اجتماعي، بل مسؤولية متجذّرة عميقا في الثقافة العربية. حتى في أبعد الصحارى، كان الزوّار يُستقبلون بدفء واحترام. وأصبحت الخيمة أكثر من مجرد مأوى؛ فصارت رمزا للمجتمع والثقة والإنسانية المشتركة. بأيديهن، أوجدت النساء مساحات آمنة ودافئة ونابضة بالحياة، حتى وسط صمت الصحراء.

سارة الراشد مؤسسة والرئيس التنفيذي لمشروع Sadu Escape

كبرتُ وأنا أنجذب بطبيعتي إلى هذه الطقوس والتقاليد الثقافية. فكنت منذ صغري محاطة بقصص وعادات وقيم شكّلت فهمي لمعنى الانتماء إلى ثقافة غنية بالتراث والمعاني. وقد أسهمت جدّتي بشكل كبير في تقديري للتقاليد القديمة. ففي كل مرة زرناها، رأينا كيف كانت تواصل العيش بالأساليب الكلاسيكية القديمة، تحضّر الأشياء بصبر، وتلتزم بالروتين، وتصون العادات التي توارثتها الأجيال. وقد أظهرت لي أن التقاليد فنّ وأنها جوهر أسلوب الحياة. شاهدتُ كيف تحضّر الجمعات واللقاءات، وكيف تقدّم القهوة، وكيف كان لكل تفصيل معنى. بقيت هذه التجارب معي، وصاغت الطريقة التي أرى بها العالم اليوم، وعلّمتني أن الثقافة ليست شيئا بعيدا أو تاريخيا، بل هي شيء نعيشه ونتناقله من جيل إلى جيل.

هذا الارتباط الوثيق بالتقاليد أكسبني تقديرا عميقا لجمال الثقافة السعودية. كما أشعل في داخلي رغبة قوية في الاحتفاء بها ومشاركتها مع الآخرين بطرق هادفة. بدأت أرى الثقافة ليس تاريخا فحسب، بل مصدر إلهام يمكن التعبير عنه من خلال التصميم والسرد والمساحات. وأدركت أن للتصميم قدرة على التعبير عن الهُوية والإرث من دون الحاجة إلى كلمات. فالمساحة المصممة بعناية قادرة على سرد قصة وإنشاء ذكرى خالدة.

بالنسبة إلي وبوصفي مصممة، فإن فرصة ابتكار مساحة تعكس ثقافتي كانت لي في الوقت نفسه شرفا ومسؤولية. هدفي هو تصميم بيئات تتيح للناس عيش تجربة الثقافة السعودية بطريقة أصيلة وجذابة. أريد أن يشعر الزوار بدفء الضيافة وقوة التقاليد وجمال البساطة التي تميز تراثنا. ومن خلال المواد والخامات والتفاصيل المدروسة، يمكن للتصميم أن يربط الماضي بالحاضر ويسمح للتقاليد بأن تبقى حاضرة في أشكال حديثة.

سارة الراشد مؤسسة والرئيس التنفيذي لمشروع Sadu Escape

لتحقيق هذه الرؤية، صممت التجربة لتكون رحلة ثقافية. بنيت 8 خيام مختلفة، تمثّل كل واحدة منها جانبا محددا من الثقافة السعودية، وتقدم للزوار تجربة حسّية فريدة. بدأت الرحلة بخيمة الاستقبال، حيث استقبل الزوار مضيف ودود هيّأ الأجواء، ودعاهم للاسترخاء وإطفاء هواتفهم وإعادة التواصل مع محيطهم. في تلك المساحة، كانت الروائح أول مدخل إلى الثقافة، من خلال أنواع مختلفة من البخور استُخدمت في الماضي وما زالت تستخدم حتى اليوم، مع مشاركة قصة وصول هذه العطور إلينا عبر طريق البخور التاريخي.

ومن هناك، انتقل الزوار إلى خيمة القهوة، حيث شاهدوا كيفية تحميص القهوة وطحنها وتقديمها. وشُجّع الضيوف على التفاعل مع هذه العملية، ليصبحوا جزءا من هذا الطقس بدلا من مجرد مشاهدين. كما عرضت هذه الخيمة مجموعة متنوعة من التمور ومنتجاتها، بما في ذلك إبداعات رواد سعوديين حوّلوا المكونات التقليدية إلى منتجات مبتكرة.

ثم استمرت الرحلة إلى خيمة الموسيقى والمجلس، حيث أسهمت الآلات الموسيقية التقليدية والجمعات في خلق جوّ اجتماعي دافئ. عكست هذه المساحة روح الألفة والحوار التي كانت وما زالت جوهر الضيافة العربية. وبعد ذلك، توجه الزوار إلى خيمة الفنون والحرف، التي أصبحت منصّة لعرض وبيع منتجات صنعتها أيدي نساء محلّيات، احتفاء بإبداعهن ودعما لاستقلاليتهن.

وخصصت خيمة أخرى لمفهوم بوتيك، حيث عرضت بعض إبداعاتي الخاصة، من الزيوت التي كنت أصنعها، إلى الإكسسوارات والمنتجات الجلدية من علامات تجارية عضوية محلية ودولية. كان لكل خيمة طابعها الخاص، لكنها نسجت معا خيوط قصة ثقافية متكاملة، قصّة استطاع فيها الزائر أن يتجوّل، ويشعر، ويتذكر.

بالنسبة إلي الابتكار لا يعني استبدال التقاليد، بل تكريمها في ظل تقديمها بطرق جديدة ومبتكرة. وهو ينطوي على احترام حكمة من سبقونا، في ظل البحث عن أساليب جديدة لمشاركة قصصهم مع الأجيال المقبلة. ومن خلال المزج بين التراث والتصميم المعاصر، نستطيع بناء تجارب تتخطّى حدود الزمن وتبقى في الوقت نفسه على صلة بعصرها.

لا يزال شغفي يدفعني إلى النمو واستكشاف طرق جديدة للتعبير عن الهُوية الثقافية من خلال التصميم. وأنا أستمد إلهامي باستمرار من غنى التراث السعودي: من ألوان الصحراء، وإيقاع الطقوس اليومية، وروح الكرم التي تميّز مجتمعنا.

سارة الراشد مؤسسة والرئيس التنفيذي لمشروع Sadu Escape

في النهاية، اكتشفت أن الجزء الأكثر معنى في عملي كان تخصيص خيمة للنساء المحليات لبيع وعرض منتجاتهن اليدوية. ما بدأ بقرار تصميمي سرعان ما أصبح أمرا أكثر أهمية بكثير. فقد منح هؤلاء النساء منبرا لمشاركة مهاراتهن، وسرد قصصهن، والتواصل مع فئات مختلفة من الناس. وقد وجدت الكثيرات منهنّ فرصة لبناء الثقة وتأسيس أعمال مربحة. وحين رأيت كيف تحظى أعمالهن بتقدير الزوار، شعرت بأهمية عملي أنا، لأنه لم يتوقف عند إنشاء مساحة جميلة فقط، بل خلق فرصا للآخرين.

كما خصصتُ وقتا لتدريب الكثير من الشباب والشابات للمشاركة في هذه الرحلة الثقافية. وقد أرشدتهم خلال التعلّم عن أسس الضيافة وسرد القصص وتقديم الثقافة، وساعدتهم على فهم القيم الكامنة وراء كل تفصيل. ومن خلال هذه التجربة، عزّزوا ثقتهم بالنفس، وشعروا بالمسؤولية، واكتسبوا تقديرا أعمق لتراثهم. وكانت مشاهدتهم وهم يصبحون سفراء لثقافتنا أحد أكثر جوانب هذا المشروع إرضاء.

لقد افتقدوا بالفعل تجربة السدو في العلا، ولا نزال على تواصل. تراسلني نساء كثيرات حتى اليوم، ويسألنني متى سأعود، ويذكّرنني بالسعادة التي أعطتهن إياها تلك التجربة، ويصفنها بأنها كانت فرصة رائعة لهن ولحظة مهمّة في حياتهن. ويستمر هذا المشروع بإلهامي، خصوصا لأنه منح هؤلاء النساء ذكريات أبدية ومنافع حقيقية.

وخلال هذه الرحلة، تعلّمت أيضا المزيد عن ثقافتي، وأدركت أن الكثيرين يرغبون حقا في الاحتفاء بتراثهم. أتذكر أنني خصّصت خيمة للموسيقى، امتلأت بآلات تقليدية متنوعة. حمل الناس تلك الآلات وعزفوا معا، مستمتعين بالموسيقى كأنهم يعرفون بعضهم بعضا منذ سنوات. دخلتُ يوما إلى خيمة الموسيقى، فرأيت أشخاصا يجلسون في سكينة برفقة موسيقي زائر. كان هناك انسجام هادئ مع الطبيعة، وإيقاع ناعم هيمن على الأجواء وخلق حالة من الطمأنينة.

أكثر ما منحني السعادة كان رؤية الناس يدخلون بملامح ويغادرون بأخرى: وجوه ممتلئة بالفرح والتقدير. هذا التحوّل الواضح ذكرني بأن التجربة التي صنعناها لم تكن مجرد مشروع تصميمي أو مبادرة ثقافية، بل ارتكزت على التواصل الإنساني.

اليوم، وبصفتي امرأة عصرية، أحمل في داخلي جينات هذا الإرث. وأترجمها بلغة الضيافة والسياحة، حيث تتجلى تقاليد الترحيب والكرم والروح المجتمعية بأشكال جديدة، جامعة بين الماضي والحاضر.

في تلك اللحظة، أدركت أنني نجحت، أنني حقّقت ما كنت أسعى إليه. أرسلت تلك الطاقة الإيجابية إلى الكون، فعادت وانعكست من خلال الأشخاص الذين عاشوا تجربة المكان. ومع ذلك الإدراك، فهمت أن التصميم ليس مجرد هياكل أو جماليات؛ بل هو إبداع لحظات تبقى عالقة في أذهان الناس طويلا بعد مغادرتهم.

مؤسسة والرئيس التنفيذي لمشروع Sadu Escape

Credits

    سارة الراشد مؤسسة والرئيس التنفيذي لمشروع Sadu Escape