تتصفحين المحتوى السلبي بكثرة؟ خبير من مايو كلينك يشارك نصائحه لحماية الصحة النفسية
"يجب أن أتوقف". هل سبق أن قلتِ لنفسكِ هذه الكلمات، بينما تتنقلين بين منشورٍ مُحبط وآخر على الإنترنت؟
تُعرف هذه الظاهرة على نطاقٍ واسع باسم "doomscrolling"، أي التصفح المفرط للمحتوى السلبي. قد تتساءلين: لماذا يصعب عليَ التوقف عن ذلك، بمجرد البدء؟ في حين أن السؤال الأكثر أهمية الذي ينبغي طرحهُ: ما الذي يمكنني فعله للخروج من هذه الدوامة السلبية؟
يمرَ العالم حاليًا، والمنطقة العربية على وجه الخصوص، بأزمةٍ خانقة تجعل الجميع في حالةٍ مستمرة من القلق، التوجس وعدم اليقين. هذه الأزمة، وبالرغم من كونها خارج إرادتنا، إلا أنها تدخل ضمن تفاصيل حياتنا اليومية، وتؤثر عليها تأثيرًا شديدًا.
ولأننا بحاجة لمعرفة مستجدات الأزمة، والحلول التي يمكن أن تُقدم للخروج منها، فإننا على الدوام نتابعُ نشرات الأخبار والعواجل، نترقبُ البرامج السياسية التي تُناقش كل كبيرةٍ وصغيرة في السياسة والاقتصاد، فيما نعجزُ عن التوقف عن هذا التصفح القهري الذي يزعزع يومياتنا بصورةٍ كبيرة.
إنما ما لا تعرفينه عزيزتي، هو أن المحتوى السلبي وكثرة تصفحه، يمكن أن تكون لهما تداعياتٌ سلبية جمة على صحتكِ النفسية؛ فالتصفح القهري للمحتوى السلبي يزيد القلق والاكتئاب، يُضعف التركيز والنوم، ويؤثر على الحالة النفسية والمزاجية بالعموم. لذا من الضروري تعلَم بعض الطرق الفعالة، والتي يقدمها الدكتور كريج سوتشوك، الطبيب النفسي
في مايو كلينك في مدينة روتشستر.

التصفح القهري للمحتوى السلبي: أحد خبراء مايو كلينك يشارك نصائح للتوقف عن التصفح القهري وحماية الصحة النفسية
إذن؛ يشرح الدكتور سوتشوك العلاقة بين التصفح القهري والمحتوى السلبي بما يلي: "عندما نفكر في كلمة (doom)، التي تعني بالعربية الهلاك أو الدمار، فإن ذلك يُثير رد فعلٍ عاطفي قوي". وهو ما يتوافق مع توقيت ظهور المصطلح في عام 2020.
ففي الأيام الأولى لجائحة كوفيد 19، أُجبر الكثير منا على المكوث في المنزل، ما نتج عنه الاعتماد بشدة على الهواتف، أجهزة الحاسوب والتلفاز، للحصول على المعلومات وتمضية الوقت. وخلال هذه الأيام، كان هناك العديد من الأمور غير الواضحة وهو ما دفع الكثير منا إلى السعي للحصول على المعلومات بشكلٍ متواصل. لكن لم يُبدّد أيّ قدرٍ من المعلومات، مهما كان حجمه وأهميته، حالة الغموض السائدة؛ ما أبقانا عالقين في حلقةٍ مفرغة من البحث، والعثور على معلوماتٍ سلبية، ثم العودة مجددًا للبحث عن المزيد.
واليوم، وبعد مرور سنوات على الجائحة؛ ما زال بعض الأشخاص يعانون من التصفح المفرط للأخبار السلبية. ووفقًا للدكتور سوتشوك، فإن جميع السلوكيات والمشاعر تخدم وظيفةً معينة، وهذا يشمل التصفح المفرط للأخبار السلبية. وعادةً ما تتمثل هذه الوظيفة في فهم موقفٍ معين والاستعداد له؛ إلا أن البحث عن إجاباتٍ يصبح سلوكًا قهريًا وغير بنّاء.
غالبًا ما يكون الدافع وراء التصفح القهري المفرط أكثر من مجرد إشباع الفضول. فبحسب الدكتور سوتشوك، فإن أدمغتنا مبرمجةٌ عصبيًا لتوجيهنا نحو التعامل مع المواقف الجديدة والتهديدات. وعلى امتداد التاريخ البشري، ساعدَ هذا التكوين العصبي الإنسان على البقاء؛ فالدماغ الذي يلاحظ التهديدات، خاصةً التهديدات الجديدة، هو الذي ينقذكِ من المخاطر قبل فوات الأوان.
إلا أن هذه الفطرة الوقائية يمكن أن تأتي بنتائج عكسية عندما يتعلق الأمر بالإنترنت. فقد تكونين بمزاجٍ جيد عندما تمسكين بالهاتف؛ ولكن بعد مضي بضع دقائق من التصفح، قد تشعرين بمزيدٍ من القلق أو الغضب أو الإحباط أو الاشمئزاز أو العجز. وبمجرد تصاعد هذه المشاعر السلبية، فإنها تعمل كعدسةٍ تُوجّه انتباهكِ نحو مزيدٍ من القصص والمنشورات التي تُبرّر مشاعركِ وتؤكّدها، بحسب ما يقول الدكتور سوتشوك.

إضافة إلى ذلك، قد يؤدي التصفح المفرط للأخبار السلبية إلى تدهور الحالة المزاجية بطرقٍ أخرى:
• تأجيل الخلود إلى النوم. إذا كنتِ تتصفحين الأخبار السلبية في المساء، فقد تجدين صعوبةً في التوقف، وبالتالي قد تبقين مستيقظةً لفترةٍ طويلة بعد موعد نومكِ. يمكن لقلة النوم هذه أن تؤثر في حالتكِ المزاجية العامة في اليوم التالي.
يقول الدكتور سوتشوك في هذا الصدد: "اضطراب النوم لا يجعلنا في أفضل حالاتنا عند تعاملنا مع الآخرين. حيث نكون أقل تحملًا وصبرًا في اليوم التالي."
• تدهور الحياة الاجتماعية. إن قضاء الوقت مع الأصدقاء والعائلة، عادةً ما يكون مُجددًا للنشاط. لكن عندما تُفرطين في تصفح الأخبار السلبية، فقد تقضين وقتاً طويلاً على هاتفكِ بحيث لا يتبقى لديكِ الكثير من الوقت لتقضيه مع الآخرين.
• قلة ممارسة الرياضة. يمكن أن تساعد ممارسة الرياضة، التعرض لأشعة الشمس، وقضاء الوقت في الطبيعة على تقليل التوتر وتحسين الحالة المزاجية. وذلك على عكس الإفراط في تصفح الأخبار السيئة، الذي غالبًا ما يكون نشاطًا خاملًا يُمارس في الأماكن المغلقة ويستنزف طاقتنا.
في محاولة لإيجاد حلول للتصفح القهري، ولمواجهة التحيَز الدماغي الذي يدفعكِ للبحث عن السلبي والجديد، اطرحي على نفسكِ الأسئلة التالية:
- هل بوسعي القيام بأي شيء تجاه الأخبار اليومية؟ هل تساعدني هذه المعلومات حقًا على التخطيط لمستقبلي؟ أم أنها فقط تُثير مشاعر سلبية لديَ تجاه شيءٍ ليس بوسعي التأثير في مُجرياته؟
- ما مقدار المعلومات التي أحتاجها حقًا للتخطيط لحياتي واتخاذ القرارات؟ في معظم الحالات، يكون الحصول على قدرٍ معين من المعلومات مفيدًا، كي تتمكني من موازنة الإيجابيات والسلبيات أثناء التخطيط لمستقبلكِ. لكن عندما يركن أغلب الأشخاص إلى تصفح الأخبار السلبية، فإنهم بذلك يحصلون على قدرٍ من المعلومات يفوق بكثير احتياجاتهم للتخطيط أو اتخاذ القرارات، كما يقول الدكتور سوتشوك. وهذا من شأنه أن يؤدي إلى التردد في اتخاذ القرارات أو الشعور بالعجز أو زيادة السلبية دون وجود سببٍ مفيد.
- كيف يؤثر فييَ الوقت الذي أقضيه على الإنترنت؟ هل تكون حالتي المزاجية جيدةً عادةً قبل البدء؟ أم أسوأ؟
- ما الذي يفوتني بسبب الوقت الذي أقضيه في التصفح؟ كيف يؤثر التصفح المفرط للأخبار السلبية في نومي، علاقاتي، عملي، مزاجي وصحتي البدنية؟

بمجرد إدراككِ لمدى تأثير التصفح المفرط في صحتكِ وحياتكِ، يمكنكِ النظر في وضع بعض الحدود واتباع النصائح الآتية:
- تحقّقي من حالتكِ المزاجية. ابتعدي عن المحتوى الذي تتصفحينه عبر الإنترنت كل 5 إلى 10 دقائق، وركّزي على حالتكِ المزاجية.
يقول الدكتور سوتشوك: "إذا شعرتِ بأن حالتكِ قد ساءت، فانتبه للأمر". لا يعني ذلك التوقف مباشرةً عن التصفح؛ يمكنكِ الاستمرار في التصفح لمدة 5 أو 10 دقائق أخرى والنظر في حالتكِ مرة أخرى. إذا شعرتِ أن حالتك المزاجية تفاقمت، فهذا مؤشرٌ على وجود مشكلة.
- حدَدي مدة زمنية. والمقصود بها المدة التي ستقضينها على الإنترنت. على سبيل المثال، قد تقرَري حصر وقت التصفح بين 15 إلى 20 دقيقة مرتين يوميًا، مع ضبطٍ مؤقّت لذلك.
- استبدلي التصفح بأنشطة صحية. اقضِ مزيدًا من الوقت في التواصل الاجتماعي المباشر، التمارين الرياضية والنوم.
في الخلاصة؛ فإن التصفح القهري للمحتوى السلبي ليس مشكلة وقت فقط، بل مشكلة وعي، تنظيم، وصحة نفسية. يزيد من الضغط على مجريات حياتنا، تستيت انتباهنا وإضعافه، القلق المستمر وقلة جودة النوم، بالإضافة إلى العزلة الاجتماعية وانخفاض الإنتاجية.
لذا لا تسمحي عزيزتي للأخبار اليومية من حولكِ، والتي يطغى عليها مستجدات الأزمات الحاصلة بقربكِ أو بعيدًا عنكِ، أن تسلبكِ الراحة والطمأنينة اللتين تحتاجين إليهما للإمساك بزمام الأمور. وازني بين كل شيء، اضبطي يومياتكِ، نومكِ، رياضتكِ وعلاقاتكِ الاجتماعية كي تبقي بمنأى عن تداعيات التصفح السلبي للأخبار.