كيف يكون الاستمتاع بالطعام مفتاحاً لخسارة الوزن؟

الاستمتاع بالطعام: هل يكون مفتاحكِ السحري لخسارة الوزن؟

تخيَلي معي عزيزتي المشهد التالي:

تنتظرين أمام طاولة الطعام فيما طبقٌ شهي يحوي وصفة دجاجٍ شهية مع الخضروات، الصلصة، والبطاطس يُعدَ لكِ في مطبخ المطعم؛ تشعرين بالجوع الشديد، ولا تطيقين الانتظار لحين وصول الطبق أمامكِ، لتغرفي منه ما شئتِ بسرعة لإشباع جوعكِ.

هذه الصورة هي بالضبط ما يمرَ به معظمنا في كثيرٍ من الأوقات، خصوصًا عند الشعور بالجوع أو الانشغال بالعمل أو الأحاديث؛ ما يُفقدنا فرصة الاستمتاع بالتلذذ بالأكل وتذوقه كما يجب. وهو ما يُشكَل معضلةً كبيرة لنا، ليس فقط نحو التمتع بالطعام، وإنما أيضًا بكيفية إدارة وزننا أو خسارة الزائد منه.

فخسارة الوزن لا ترتبط فقط عزيزتي بنوعية الطعام وكميته، بل أيضًا بطريقة تناوله؛ وعليه، فإن الإسراع في التهام الطعام دون أخذ الوقت الكافي للتذوق والإحساس بكل قضمةٍ ولقمة، يمكن أن يجعلنا نقعُ في دوامة "عدم القدرة على خسارة الوزن" مهما حاولنا.

كيف يكون الاستمتاع بالطعام مفتاحاً لخسارة الوزن؟ - رئيسية
كيف يكون الاستمتاع بالطعام مفتاحاً لخسارة الوزن؟

ليس ذلك فحسب؛ بل إن تفضيلاتنا لنوعية الأطعمة يمكن أن تقف عائقًا أمام تحدي إنقاص الوزن. إذ من السهل كثيرًا أن تُسارع يدنا لالتقاط قطعة الحلوى الغنية بالشوكولاته والغناش اللامع، عوضًا عن التوجه نحو البديل الأكثر صحيةً، حتى وإن بدا الخيار الثاني أفضل؛ لأن مقاومة الحلوى الشهية تبقى أمراً صعباً وعصيَا على إرادتنا طوال الوقت. يُفسَر العلماء هذه العلاقة بكون الإنسان "مُبرمج بيولوجيًا" على انتقاء الأطعمة الغنية بالطاقة والسكريات، منذ آلاف السنين وحتى اليوم، حين كان الاعتماد على هذه الأطعمة من قبل أسلافنا هو السبيل الوحيد للبقاء على قيد الحياة.

وحتى في عصرنا الحالي، تزيد البيئة الغذائية الحديثة من صعوبة هذا التحدي؛ في ظل الأطعمة شديدة المعالجة والغنية بالسعرات الحرارية، التي لا يقتصر تأثيرها على زيادة الاستهلاك فحسب، بل قد تُعزَز أيضاً الشعور الكبير الذنب والمرتبط بالعادات الغذائية اليومية.

ووفق الأبحاث، فإن المحافظة على وزنٍ صحي لا يرتبطُ فقط بنوعية الطعام، بل أيضاً بطريقة إدراكنا له؛ في حين يمكن للاستمتاع بتناول الطعام أن ينعكس إيجابًا على صحتنا، كون توقعاتنا تجاه ما نأكلهُ تؤثر في الشعور بالجوع والشبع.

كيف يكون الاستمتاع بالطعام مفتاحاً لخسارة الوزن؟

يشير موقع "بي بي سي" عربي إلى أن نتائج تجربة علمية معروفة أُجريت قبل 15 عامًا، أكدت على النظرية القائلة بأن نظرة المرء للطعام الذي يتناولهُ، قد تلعب دورًا كبيرًا في استجابة الجسم له. فيما خلصت دراسةٌ أشرفت عليها عالمة النفس عليا كروم من جامعة ستانفورد، إلى أن المشاركين الذين اعتقدوا أنهم يتناولون مخفوقاً عالي السعرات، ظهرت لديهم تغيّراتٌ هرمونية مختلفة؛ إنما لم تكن هذه التغيرات مرتبطة بالقيمة الفعلية للمخفوق، بل بتصورهم المسبق عن المشروب.

في الدراسة المذكورة أعلاه، تمَ تقديم مخفوق حليب ذاته لجميع المشاركين؛ لكن مجموعةً منهم تمَ إخبارها بأن هذا المشروب صحي، منخفض السعرات الحراري ويحوي فقط 140 سعر حراري. فيما تم إطلاع المجموعة الأخرى على النقيض، من أنه مخفوقٌ فاخر وغني بالسعرات الحرارية التي تصل لحدود 620 سعرة حرارية، في حين أن محتواه الفعلي كان 380 سعرة حرارية.

سجل الباحثون عند المجموعة التي اعتقدت أنها تتناول مشروبًا مُشبعًا، انخفاضًا حادًا في هرمون الجوع الغريلين، والمعروف بقدرته على تحفيز الشهية، والذي غالبًا ما يرتفع عند الشعور بالجوع فيما يشهد انخفاضًا عند الشبع. في حين أن المجموعة التي أُخبرت أنها تتناول مشروبًا صحيًا، لم تشهد الانخفاض ذاته في مستويات الغريلين كما المجموعة الأولى.

ماذا تؤكد هذه النتيجة؟ إن طريقة تفكيرنا وتوقعاتنا حول الطعام، قد تؤثر في استجابة أجسامنا له. وتُعلَق كروم على هذه النتائج بالقول: "إن اعتقادكِ بأنكِ تأكلين ما يكفي يجعل جسمكِ يستجيب كما لو أنكِ شبعتِ." بمعنى آخر، فإن التصور الذي نبنيه حول أي طعام قبل تناوله، يُسهم في استجابة هرمونات الجوع والشبع لدينا حوله؛ وبالتالي، فإذا ما وجدنا أن الطعام غير مُشبع ولا يُعدَ صحيًا، فإن هرمون الغريلين سيستجيب أكثر لجهة خفض الشهية وتجنب تناول كمية كبيرة من هذا الطعام.

الاستمتاع بالطعام مسألةٌ مهمة في عملية خسارة الوزن
الاستمتاع بالطعام مسألةٌ مهمة في عملية خسارة الوزن

هذه العملية مهمة للغاية عزيزتي، في حال كنتِ تسعين للحفاظ على وزنٍ صحي أو تطمحين لخسارة المزيد من الوزن؛ فهرمون الغريلين يؤثر بشدة في عملية الأيض، وفي حال لم تشعري بالشبع وتباطأت عملية الأيض في جسمكِ، فإنه لن يحرق الكثير من الطاقة. من هنا، يتبين لنا أن عقلية "الحرمان" التي يجنح نحوه البعض، ليست مجدية أبدًا، بل وقد تأتي بنتائج عكسية في حال المحافظة على وزنٍ صحي. وتشرح كروم هذه النقطة بالقول: "إذا كنتِ تحاولين إنقاص الوزن وتُقلَلين من السكر والدهون والسعرات الحرارية، لكنكِ تعيشين بعقلية الحرمان، فقد يمنعكِ ذلك من خسارة الوزن بالشكل المطلوب."

كيف تلعبُ الملصقات الغذائية دورًا في خسارة الوزن؟

قد يبدو الأمر غريبًا بعض الشيء، لكن الوقائع تُثبت العكس؛ فالكثير من الأفراد الذين يتطلعون لخسارة الوزن أو الحفاظ على وزنٍ صحي، يُبدون اهتمامًا كبيرًا بمحتويات الملصقات الغذائية على الأطعمة التي يتناولونها، ما يؤثر أيضًا في تشكيل تجربتهم مع الأكل.

وهو ما خلصت إليه دراسةٌ أخرى، شملت ثلاث مجموعات من المشاركين. المجموعة الأولى والثانية طُلب منهما تناول لوح بروتين وُصف إما بأنه "لذيذ" أو "صحي"، رغم أن كلا الإصدارين كانا متطابقين من حيث القيمة الغذائية. في حين اقتصر دور المجموعة الثالثة على تقييم شكل اللوح فقط دون أي معلوماتٍ إضافية.

بعد تناول "اللوح الصحي"، أكدَ المشاركون شعورهم بشبعٍ أقل وجوع أكبر، كما تناولوا كميات طعامٍ إضافية فيما بعد، حتى بالمقارنة مع من لم يتناولوا اللوح أصلاً. وبالتالي، تُظهر هذه النتائج ذلك أن الملصقات الصحية لها دورٌ في تقليل توقع الشعور بالمتعة، مما يجعل الأطعمة المُصنفة على أنها "صحية" أقل إشباعاً.

كذلك أظهرت النتائج أن تقديم الأطعمة الصحية بطريقة تُبرز الطعم والمتعة، عوضًا عن مجرد التركيز على فوائدها الصحية أو قيمتها الغذائية، يزيد من احتمالية استمتاع الناس بها. وبالمثل، تبيّن أن الأشخاص الذين يشعرون بالذنب عند تناول أطعمة "مُغرية" مثل كعكة الشوكولاتة، هم أقل نجاحاً في خسارة الوزن.

كيف ننجحُ في عملية خسارة الوزن؟

لتحقيق هذا الهدف، لا بدَ من التركيز على بناء علاقةٍ صحية مع أجسامنا، تؤكد كروم، بعيدًا عن توصيفات الطعام التي قد توحي بالحرمان، مثل "خفيف" أو "قليل" أو "مخفض". موضحةً أن تبنّي العقلية القائمة على الإحساس بالنقص والحرمان، قد تأتي بنتائج عكسية، فضلًا عن التأثير سلباً في فعالية الحمية ذاتها.

لا تحرمي نفسكِ من الاستمتاع بالأكل لتحقيق معادلة خسارة الوزن
لا تحرمي نفسكِ من الاستمتاع بالأكل لتحقيق معادلة خسارة الوزن

لذا من الأفضل دومًا التعامل مع الطعام كمصدرٍ للطاقة والمتعة، وليس فقط التركيز على حساب السعرات والعناصر الغذائية؛ لأن حصر التفكير في القيود، يمكن أن يتحول إلى عبء ويجعل تجربتنا مع الأكل صعبةً للغاية. إنما لا يعني ذلك التهاون في تناول كل أصناف الطعام، بل يجب تجنب الأطعمة المعالجة والمصنَعة قدر الإمكان، في مقابل الأطعمة غير المعالجة والتي تشمل البروتينات، الخضروات والفواكه. فأجسامنا مُصممةٌ للحصول على التغذية السليمة، وأيضًا الأطعمة التي تُوفر المتعة والإرضاء في ذات الوقت.

في النهاية؛ تنصح كروم من جامعة ستانفورد بوجوب التحلي بما تُسميه "عقلية الاستمتاع"؛ أي التركيز على تلبية احتياجات الجسم الغذائية بدلاً من الانشغال بفكرة الحرمان. وتضيف: "ثقي بنفسكِ وبجسمكِ ليشعرُ بالجوع تجاه الأشياء الصحيحة في الوقت المناسب."

وبالتالي، فإن تناول قطعة من الحلوى بين الحين والآخر، والاستمتاع بها حقًا، لا يجب أن يكون بمثابة جلدٍ للذات؛ بل يمكن أن يكون جزءًا من نمط حياةٍ صحي متوازن ومتكامل.

محررة صحافية وكاتبة محتوى، مسؤولة عن قسم الصحة والرشاقة وقسم التذوق في موقع "هي".