الأطعمة المسموحة والممنوعة في الحمية المضادة للالتهاب

الحمية المضادة للالتهاب ونجاح التلقيح الصناعي: ما يقوله العلم فعلاً.. وماذا تضعين في طبقكِ

كل شيءٍ يدخل أجسامنا، يمكن أن يكون له تأثيراتٌ فعلية وعميقة على كافة أعضاء الجسم ووظائفه؛ وبالتالي، فإن "الإختيار الموفق" لكافة العناصر المحيطة بنا، والتي نستهلكها من خلال الطعام، أو نتنشقها من خلال الهواء، أو نستقبلها من خلال التفاعل، يمكن لها أن تُخلَف تأثيرًا إيجابيًا أو سلبيًا، على كافة الصُعد.

لهذا ينصح الخبراء دومًا، بانتقاء "أفضل المصادر" من الطعام قبل تناوله، لتجنب المشكلة الأكبر التي يواجهها معظم الناس حول العالم، والتي لا تُدرك أكثريتهم أنها تعاني منها: ألا وهي الالتهاب.

يؤثر الالتهاب على الجسم بطريقتين: بشكلٍ حاد يُساعد على الشفاء (كاستجابةٍ مناعية طبيعية عند تعرَض الجسم لعدوى، إصابة أو سموم)، أو بشكلٍ مُزمن يدمّر الأنسجة ببطء، ويرتبطُ بأمراضٍ خطيرة مثل القلب، السكري والسرطان. وليس بعيدًا عن هذه القائمة، لا ينبغي لنا إغفال تأثير الالتهاب، خاصةً المزمن، على نجاح التلقيح الصناعي الذي يلجأ إليه الكثير من الأزواج، في حال عدم النجاح على الحمل والإنجاب بصورةٍ طبيعية.

الالتهاب ونجاح التلقيح الصناعي

إذن؛ فالالتهاب، خصوصًا المزمن، يمكن أن يُقلّل من نجاح التلقيح الصناعي، لأنه يؤثر على جودة البويضات، صحة بطانة الرحم، وقدرة الجنين على الانغراس. هذا ما تُوضّحه الأدلة الطبية الحديثة حول أسباب فشل التلقيح الصناعي، خاصةً تلك المرتبطة بالتهابات الرحم وبطانته.

الالتهاب المزمن لا يحدثُ من سببٍ واحد، بل من مجموعة عوامل تتراكم ببطء؛ مثل العدوى طويلة الأمد، السُمنة، التوتر، اضطرابات المناعة، والتعرّض للملوثات، وتجعل الجهاز المناعي في حالة "استنفار دائم. منها نوعية الطعام الذي نتناولهُ، والذي ينبغي أن يكون صحيًا لتجنب حدوث الالتهاب، في حال كنا نتطلعُ لنجاح عملية التلقيح الصناعي. 

الدكتورة سريلاثا جوبالكريشنان أخصائية التلقيح الصناعي والخصوبة في عيادة Almond Blossoms للخصوبة دبي
الدكتورة سريلاثا جوبالكريشنان أخصائية التلقيح الصناعي والخصوبة في عيادة Almond Blossoms للخصوبة دبي

للوقوف أكثر على العلاقة القوية بين الالتهاب وفشل التلقيح الصناعي؛ نوعية الأطعمة التي يجب التركيز عليها والأطعمة الواجب تجنبها، وغيرها من المسائل المتعلقة بهذا الموضوع الحيوي؛ كان لنا هذا اللقاء الشيق مع الدكتورة سريلاثا جوبالكريشنان، أخصائية التلقيح الصناعي والخصوبة في عيادة Almond Blossoms للخصوبة دبي.

الأطعمة المسموحة والممنوعة في الحمية المضادة للالتهاب

تقولُ الدكتورة جوبالكريشنان: "في كل أسبوع، تسألني مريضة سؤالاً بصيغة ما؛ هل هناك أي شيء يمكنني تناولهُ للمساعدة في نجاح هذه العملية؟ وأحبُ هذا السؤال. لأنه ليس مجرد تخمين، بل هو حقيقة بيولوجية. تُعدَ العلاقة بين الالتهاب المزمن وفشل الإنجاب من أهم مجالات أبحاث الخصوبة حالياً، والإجابة على هذا السؤال هي نعم، مدعومة بالأدلة العلمية."

وتضيف: "الغذاء مهم؛ ليس كعلاج، ولا كبديلٍ للعلاج، بل كعاملٍ مساعد وفعّال في كل ما نقوم به. دعوني أخبركم بما نعرفهُ فعلاً."

لماذا يُعدَ الالتهاب عدواً لانغراس البويضة المخصبة؟

الالتهاب ليس عدواً في حد ذاته؛ بل هو آلية إصلاح الجسم - ضرورية، ذكية، وهادفة. لكن عندما يصبح الالتهاب مُزمنًا وجهازيًا - مدفوعًا بالأطعمة المُصنعة، الإفراط في تناول السكر، قلة النوم، والتوتر - فإنه يخلقُ بيئةً كيميائية حيوية معادية للخصوبة.

تعمل السيتوكينات الالتهابية على تعطيل نمو الجُريبات، تُضعف جودة البويضات، وتزيد من سماكة بطانة الرحم بطرقٍ تُقاوم انغراس البويضة المُخصبة، كما تتداخل مع الإشارات الهرمونية التي تُنظَم كل خطوةٍ من خطوات التكاثر. لدى النساء المصابات ببطانة الرحم المهاجرة، أو متلازمة تكيس المبايض، أو فشل انغراس البويضة المتكرر غير المبرر، غالبًا ما يكون هذا العبء الالتهابي قابلًا للقياس - وغالبًا ما يكون ذا منشأ غذائي، على الأقل جزئيًا.

وبالتالي؛ فإن اتباع نظامٍ غذائي مضاد للالتهابات ليس مجرد موضةٍ عابرة، بل هو إطار عملٍ تمت دراستهُ خصيصًا في حالات التلقيح الصناعي، مع نتائج متسقة: فقد وجدت دراسةٌ أجريت عام 2018 في مجلة Human Reproduction أن النساء الأكثر التزامًا بنظام البحر الأبيض المتوسط الغذائي، لديهنَ فرصةٌ أكبر بنسبة 65-68% لتحقيق ولادة حية بعد التلقيح الصناعي. هذه ليست نتيجة هامشية، بل تستحقُ أن تؤخذ على محمل الجد.

الغذاء ليس بديلًا عن العلاج؛ لكنّ العلاج يتم في بيئةٍ مُلائمة، والبيئة تُحدث فرقًا كبيرًا.

ماذا يجب أن يكون على طبقكِ حقًا؟

لن أقدمَ لكِ نظامًا غذائيًا مُعقدًا من 47 قاعدة، تؤكد الدكتورة جوبالكريشنان. "ما سأقدمهُ لكِ هو دليلٌ عملي مُختصر: تناولي أطعمةً تُشبه ما كانت جدتكِ تعرفهُ، أطعمةً نبتت في الأرض أو سبحت في البحر، وأطعمة قريبة قدر الإمكان من حالتها الطبيعية."

حمية البحر الأبيض المتوسط غنية بعناصر غذائية مساعدة لنجاح التلقيح الصناعي
حمية البحر الأبيض المتوسط غنية بعناصر غذائية مساعدة لنجاح التلقيح الصناعي

إليكِ الأسس العلمية وراء أهم هذه الفئات:

1.     زيت الزيتون: يوميًا وبكميات وفيرة. غنيٌّ بالأوليوكانثال، وهو مُركّب طبيعي مُضاد للالتهابات؛ يُغني عن زيوت البذور المُسببة للالتهابات في تتبيلات السلطة، الطبخ، وكل شيء آخر.

2.     الأسماك الدهنية: مرتين إلى ثلاث مرات أسبوعيًا. مثل السلمون، السردين، الماكريل، تُقلَل أحماض أوميغا 3 الدهنية الموجودة في هذه الأصناف، بشكلٍ مباشر، من البروستاجلاندينات المُسببة للالتهابات، وقد ثبت أنها تُحسّن من شكل الجنين. إذا لم تكن الأسماك جزءًا مُنتظمًا من نظامكِ الغذائي، يُمكنك تناول مُكمّل أوميغا 3 عالي الجودة لتعويض النقص.

3.     التوت، الكرز، الرمان: يوميًا. تحتوي على الأنثوسيانين والبوليفينولات التي تُعادل الإجهاد التأكسدي - وهو تلف الخلايا الذي يُسرّع شيخوخة البويضات. وتشير الدراسات الحديثة إلى فوائد الرمان تحديدًا في تحسين تدفق الدم إلى بطانة الرحم.

4.     الخضراوات الورقية الداكنة والخضراوات الصليبية: بكميات وفيرة. السبانخ، الكرنب، البروكلي، والجرجير. تحتوي على حمض الفوليك، المغنيسيوم، والسلفورافان - وهي مُركبات تدعم عملية المثيلة، إزالة السموم من الهرمونات، وإصلاح الخلايا. حمض الفوليك الموجود في الطعام ليس بديلًا عن المكملات الغذائية، ولكنه يُكمّلها.

5.     البقوليات والعدس: أفضل مصدر للبروتين النباتي. العدس، الحمص، والفاصوليا السوداء؛ وجدت دراسةٌ أجرتها جامعة هارفارد أن استبدال البروتين الحيواني بالبروتين النباتي الموجود في هذه الأطعمة، يرتبط بانخفاض خطر العقم الناتج عن مشاكل التبويض بنسبة 50٪. وهذا خبرٌ سار للنساء من جنوب آسيا تحديدًا - فالغذاء متوفر لديهنَ بالفعل.

6.     الجوز، بذور الكتان، بذور اليقطين: حفنة صغيرة يوميًا. مصادر نباتية لأحماض أوميغا 3 الدهنية، الزنك لصحة الحيوانات المنوية والبويضات، والليغنان الذي يدعم توازن هرمون الإستروجين. تناوليها كاملة، وليس على شكل ألواحٍ مُصنّعة.

حمية البحر الأبيض المتوسط ليست غريبة عنكِ عزيزتي؛ وهي تعتمدُ على زيت الزيتون، الأسماك، الخضراوات، البقوليات، والوقت المُخصّص للطعام، وهي متوفرة في كل سوبر ماركت في دبي.

ما الذي يجب تجنبه بهدوء؟

تقول الدكتورة جوبالكريشنان: "أنا أقل اهتمامًا بالمنع من اهتمامي بالتناسب. ولكن هناك ثلاثة فئات تستحق اهتمامًا صادقًا: الأطعمة فائقة المعالجة - تلك التي تأتي في عبواتٍ تحتوي على قوائم مكونات وتحتاج إلى شهادةٍ في الكيمياء لفهمها - تُسبب التهابًا جهازيًا بشكل موثوق ومستمر؛ السكر، بالكميات التي يستهلكها معظمنا، يُعطّل إشارات الأنسولين بطرقٍ ذات صلة مباشرة بمتلازمة تكيس المبايض ونمو البويضات؛ والدهون المتحولة - التي لا تزال موجودةً في الوجبات السريعة المقلية والعديد من المخبوزات - لها أقوى ارتباط سلبي بوظيفة التبويض من بين جميع المتغيرات الغذائية التي تمت دراستها."

ليست هذه أطعمةٌ تدعو للشعور بالذنب؛ إنها ببساطة أطعمة يُنصح بتناولها تدريجيًا وباعتدال، بالتزامن مع الأطعمة المذكورة أعلاه.

تجنَبي الأطعمة المعالجة التي تزيد الالتهاب وتعيق عملية التلقيح الصناعي
تجنَبي الأطعمة المعالجة التي تزيد الالتهاب وتعيق عملية التلقيح الصناعي

في الختام؛ تنصحكِ الدكتورة جوبالكريشنان  بعدم الشعور بالذنب والاستماع جيدًا لهذه النصائح:

لم يكن لأي وجبةٍ سببٌ في مشاكل الخصوبة لديكِ، ولن يضمن أيَ نظامٍ غذائي مثالي إنجاب طفل. ما يمكن أن يفعله الطعام هو تغيير البيئة الداخلية - تقليل الالتهابات، دعم التوازن الهرموني، وحماية البويضات والأجنَة التي تُمثَل أسمى آمالكِ - بطرقٍ تُكمّل كل ما نقومُ به معًا. فكّري في الأمر ليس كعلاج، بل كفعل حنانٍ تجاه جسدكِ، خلال واحدةٍ من أكثر التجارب إرهاقًا التي ستطلبينها منه.

اطبخي بألوانٍ زاهية؛ تناولي الطعام بصحبة الآخرين، ودعي المائدة تُشكَل مكانًا في هذه الرحلة تشعرين خلالها بالسيطرة، التغذية، والقوة الهادئة.

محررة صحافية وكاتبة محتوى، مسؤولة عن قسم الصحة والرشاقة وقسم التذوق في موقع "هي".