ما وراء سكر الدم: السكري وتأثيره على كل عضو في الجسم
ليست أرقام البورصة، النفط والذهب هي وحدها ما قد يُشغل بال الناس؛ وبالطبع، لا ينبغي للأزمة الحالية الحاصلة في منطقتنا، أن تُلهينا عن مخاطر بعض الأمراض التي تُحدق خطرًا بصحتنا وصحة أحبتنا، ليس كما تفعلُ الحروب والأزمات بشكلٍ مباشر.
على سبيل المثال، هل تعلمين عزيزتي أن آخر الإحصاءات حول مرض السكري، تُظهر الارتفاع عالميًا وفي المنطقة العربية؛ مع وصول عدد المصابين عالميًا إلى نحو 589 مليون شخص في 2024، وارتفاعٍ واضح في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث بلغ العدد 85 مليونًا؟
هذه الإحصاءات تستندُ إلى أحدث تقارير الاتحاد الدولي للسكري (IDF) ومنظمة الصحة العالمية (WHO)؛ وهي بالحقيقة أرقامٌ مخيفة ومُنذرة بالخطر، خاصةً وأن أحدث البيانات تُظهر أن عدد الأطفال والمراهقين المصابين بالسكري في العالم في ارتفاعٍ مستمر، مع تضاعف الحالات تقريبًا خلال العقود الثلاثة الماضية، خصوصًا في الفئة دون 20 عامًا. وتستند هذه الأرقام إلى أحدث الدراسات العالمية المتاحة حتى 2025، بما في ذلك تحليل Global Burden of Disease (GBD).
إذن، يمكن القول أن السكري اليوم، أحد أكبر التحديات الصحية عالميًا؛ وتُعتبر المنطقة العربية من أعلى المناطق عالميًا في نسب الإصابة، فيما تُشير الاتجاهات إلى زيادةٍ مستمرة حتى 2050 ما لم تُتخذ إجراءاتٍ وقائية واسعة.
من الضروري التذكير أيضًا، أن السكري ليس مرضًا واحدًا مستقلًا؛ بل له تأثيراتٌ مباشرة على العديد من أعضاء الجسم، ويمكن أن يتسبب بمضاعفاتٍ مميتة مثل أمراض القلب والفشل الكلوي. لهذا تبقى الوقاية من داء السكري السبيل الأمثل للحد من تداعياته الخطيرة، كي نضمن حياةً صحية ورفاهًا على جميع المستويات.

للإضاءة أكثر على تأثير مرض السكر على أعضاء الجسم، تحدثَ إلينا الدكتور هاني جميل، دكتور في الطب.
ما أكثر ما يُساء فهمه حول مرض السكري؟
عندما يسمع الناس كلمة "السكري"، يتبادر إلى أذهانهم سكر الدم، النظام الغذائي، والأدوية؛ غير أنّ السكري في حقيقته حالةٌ تؤثر في الجسم بأكمله. ومع مرور الوقت، يمكن أن يُحدث أضرارًا صامتة تطال عددًا من الأعضاء، ولا سيما العينين، الكليتين، القلب، والأعصاب، وغيرها.
يُعدّ السكري أحد الأسباب الرئيسية للوفاة عالميًا. وفي المملكة العربية السعودية، حيث يبلغ متوسط العمر المتوقع قرابة 79 عامًا، ومع تزايد معدلات الأمراض المزمنة، فإن التقليل من شأن السكري يترتب عليه عواقب حقيقية. فارتفاع متوسط العمر يعني أن الوقاية من الأضرار طويلة الأمد، أصبحت أكثر أهمية. وبين البالغين الأصغر سنًا (26–45 عامًا)، تبلغ نسبة انتشار السكري المُبلّغ عنها في المملكة نحو 18.5%.
يمكن لمضاعفات هذا المرض أن تُقلّل جودة الحياة والاستقلالية، وغالبًا قبل ظهور الأعراض بوضوح.
كيف يتسبب السكري بما يُطلق عليه "أضرارًا صامتة"؟
يمكن لارتفاع سكر الدم وارتفاع ضغط الدم أن يؤثرا في الأوعية الدموية الدقيقة والكبيرة في العينين، الكليتين، القلب، والدماغ.
لنبدأ بالعينين: يتأثر نحو 60% من المصابين بالسكري من النوع الثاني باعتلال الشبكية السكري، الناتج عن تلف الأوعية الدقيقة في شبكية العين. ومن دون علاج، قد يتطور إلى حالةٍ أكثر خطورة تُعرف بالوذمة البقعية السكرية (DME)، وهي تراكم للسوائل يؤدي إلى تشوش الرؤية المركزية. وغالبًا ما تحدث تغيَرات صحة العين دون ألم أو إنذار مبكر، وقد تكون لها آثار مُغيِّرة للحياة، تشمل فقدان البصر، عدم القدرة على العمل، وتقييد الاستقلالية بشكل شديد. إلا أن التشخيص المبكر والعلاج في الوقت المناسب يمكن أن يُثبّت الرؤية أو حتى يُحسّنها.
كما يؤثر السكري في الكليتين؛ فهو أحد الأسباب الرئيسية لمرض الكلى المزمن (CKD)، وهي حالةٌ تفقد فيها الكليتان وظيفتهما تدريجيًا ولا تعودان قادرتين على ترشيح الفضلات بالكفاءة المطلوبة. في المملكة، يُقدَّر أن نحو 22% من المصابين بالسكري لديهم مرض كلوي مزمن، وغالبًا ما يُشخَّص معظمهم في مراحل متقدمة، حين تبدأ الأعراض بالظهور، بينما تحدث التغيَرات الكلوية قبل ذلك بكثير، ما يجعل الفحوصات الروتينية ضروريةً للتشخيص المبكر. وتوصي الإرشادات السريرية السعودية لإدارة الاعتلال الكلوي السكري بالفعل بهذه الفحوصات.
أما تأثيره على القلب فبالغ الأهمية؛ إذ يرفع السكري خطر الإصابة بمشكلات القلب بمقدار 2 إلى 4 مرات. وأظهرت دراسةٌ حديثة أُجريت في 13 دولة، من بينها السعودية، أن ثلث المصابين بالسكري من النوع الثاني لديهم مرض قلبي وعائي قائم. والأكثر إثارةً للقلق أن معدلات الوفيات القلبية الوعائية في المملكة، تفوق تلك المسجلة في الدول الغربية.
كما قد تتضرر الأعصاب؛ فارتفاع سكر الدم وضغط الدم يمكن أن يُلحق أذى بالأعصاب، خصوصًا في القدمين، مما يؤثر في التوازن، الإحساس والحركة، وهي حالةٌ تُعرف بالاعتلال العصبي السكري.
وأخيرًا، قد يتأثر الكبد أيضًا؛ إذ يمكن لارتفاع سكر الدم أن يدفع لتراكم الدهون في الكبد، والذي إذا تُرك دون علاج، قد يتطور إلى تليّف كبدي وحتى فشل كبدي.
قد يبدو كل ما سبق مُقلقًا، لكن الاكتشاف المبكر والعلاج يمكن أن يُحدثا فرقًا كبيرًا. غير أن كثيرًا من المصابين بالسكري لا يدركون أنهم بحاجة لطلب هذه الفحوصات أو معرفة التغييرات الواجب اعتمادها لتعزيز الصحة والسلامة.
ماذا يمكن للناس فعله لاتخاذ خطواتٍ مبكرة للوقاية من مضاعفات السكري؟
يمكن اكتشاف معظم هذه المضاعفات مبكرًا عبر فحوصات روتينية وبسيطة. لا تترددي في بدء الحديث مع طبيبكِ، واسألي عمّا إذا كانت هناك تقييماتٌ إضافية مطلوبة، إن لم تكن لديكِ أعراض.

ناقشي خيارات فحوصات العين، تواترها، وخطط العلاج؛ واسألي أيضًا عن أي فحوصات إضافية لوظائف الكلى والكبد للاطمئنان على أدائهما. تحقَقي من مستويات الكوليسترول عبر تحاليل الدم، واطلبي من مقدم الرعاية الصحية تقييم تأثير السكري على الأعصاب من خلال فحص الإحساس في القدمين. وتذكّري دومًا أن الكشف المبكر يعني نتائج أفضل.
يأتي هذا النهج الوقائي ضمن أولويات المملكة العربية السعودية الحالية، وتحرص عليه المملكة بالفعل. ففي عام 2023، أطلقت المملكة برنامجًا لفحص اعتلال الشبكية السكري مدعومًا بالذكاء الاصطناعي عبر وزارة الصحة والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا). كما يعمل باحثون سعوديون على تطوير أدوات ذكاءٍ اصطناعي، تعتمد على البيانات الصحية المحلية لرصد حالات السكري من النوع الثاني غير المُشخَّصة، بما يساعد العيادات على تحديد الأفراد الأكثر عرضةً للخطر مبكرًا وربطهم بالرعاية اللازمة.
إن التركيز على الوقاية والتحرك المبكر واضح ومهم للغاية. ومع تأثير السكري في عدة أعضاء، يمكن للرعاية المنسّقة وتبادل البيانات أن يُوجّها العلاج في الوقت المناسب. وإلى جانب ذلك، فإن تمكين المرضى وفهمهم لمخاطرهم يمنحهم فرصة حقيقية لتغيير مسار النتائج الصحية؛ فالأمر يتعلّق برؤية السكري على أنه أكثر من مجرد ارتفاع في سكر الدم.
ما الرسالة التي تود أن تخرج بها قارئات "هي" من هذه المقالة؟
دعونا نُوسّع نظرتنا إلى السكري؛ إنه مرض جهازي يؤثر في كل عضو، ومع ذلك لدينا قدرة أكبر على التحكم مما نتصور. لكل طرف دورٌ في الوقاية، الوصول إلى الفحوصات الدورية، وتقديم رعاية منسّقة.
إذا كنتِ تتعايشين مع السكري؛ احرصي على ضبط سكر الدم، حماية عينيكِ، كليتيكِ، قلبكِ وأعصابك عبر فحوصات منتظمة. لا تنتظري ظهور الأعراض، وابدأي الحوار حول خيارات الفحص مع مقدم الرعاية الصحية.
في الختام؛ نود التنويه إلى أن هذا المقال لأغراض التوعية العامة فقط، ولا يُغني عن الاستشارة الطبية. لذا يُرجى التحدث إلى مقدم الرعاية الصحية للحصول على توصياتٍ مخصّصة، وتذكري دومًا أن الوقاية من مضاعفات السكري تعتمد على مزيج من العناية اليومية، المتابعة الطبية، ونمط حياةٍ متوازن.