تعزيز جودة النوم في مقدمها: امنحي صحتكِ النفسية الاهتمام الذي تستحقه
باتت الصحة النفسية في الوقت الراهن، واحدةً من أهم القضايا التي يتحدث عنها العالم؛ ليس لأنها "موضة"، بل لأنها ببساطة أصبحت جزءًا أساسيًا من جودة الحياة. وإذا ما أردنا شرح هذه النقطة في خلاصةٍ سريعة: الضغوط زادت، الوعي ارتفع، والاحتياجات النفسية أصبحت واضحةً أكثر من أي وقت مضى.
ما يُميَز الصحة النفسية اليوم، عوامل عدة منها:
1. ارتفاع مستويات الضغط: نتيجة تسارع وتيرة الحياة، العمل أصبح أكثر تنافسية، التكنولوجيا جعلت الدماغ في حالة "تشغيل دائم".
2. تأثير التكنولوجيا ووسائل التواصل: من خلال المقارنة المستمرة مع الآخرين، التعرض المُفرط للأخبار السلبية، والشعور بالوحدة رغم كثرة التواصل الرقمي.
3. زيادة الوعي: فقد أصبح الناس يتحدثون أكثر عن القلق والاكتئاب بشكلٍ طبيعي، المدارس والجامعات بدأت تهتم بالصحة النفسية، كما أن العديد من الشركات بدأت توفر دعمًا نفسيًا لموظفيها.
4. تغيَر شكل العلاقات: والتي باتت أكثر هشاشةً بسبب الضغوط، فيما أصبحت العزلة الاجتماعي في المقابل، أكثر شيوعًا.
ازداد الحديث أكثر من الصحة النفسية اليوم، لأن الناس أدركوا أن النجاح بلا توازنٍ نفسي لا قيمة له؛ أجسادنا تتأثر مباشرةً بحالتنا النفسية، وأي تجاهل للمشاعر يمكن أن يؤدي إلى انفجارٍ لاحق.
للتخلص من كل هذه الضغوط والتغييرات التي تؤثر على صحتنا النفسية، من الضروري القيام ببعض الخطوات البسيطة؛ مثل تنظيم الوقت بدلًا من محاولة اللحاق بكل شيء، تقليل التعرض للمحتوى المرهق على السوشيال ميديا، الاهتمام بالنوم لأنه أساس الاستقرار النفسي، التواصل الحقيقي مع أشخاص موثوقين، وطلب المساعدة عند الحاجة من مختصين.
يُسلَط شهر التوعية بالتوتر 2026 (أبريل) الضوء على تداعيات التوتر المزمن وسبل التعامل معه والحد منه؛ من خلال التركيز على تداعيات التوتر المزمن الذي يواجهه كل فردٍ في المرحلة الحالية، سُبل التعاطي معه والحد منه. وتهدف الحملات هذا العام إلى الانتباه للرسائل التي يرسلها الجسد والتعامل مع التوتر لتفادي المضاعفات الجسدية.

وكما عهدنا في قسم صحة ورشاقة على موقع "هي"، نسعى للمشاركة في الجهود المبذولة كافةً للإضاءة على أهمية الصحة النفسية وتعزيزها بكافة الطرق الصحيحة والفعالة. لهذا كان لنا اليوم، هذا اللقاء الممتع مع شالين بالاسوريا، خبير الصحة ورائد الأعمال صاحب الرؤية الثاقبة وراء سبا سيلون (وهي علامة تجارية عالمية فاخرة في مجال الأيورفيدا، تُعيد ابتكار تقاليد العافية القديمة في سريلانكا لتناسب أنماط الحياة العصرية)؛ للحديث أكثر عن كيفية منح صحتنا النفسية الاهتمام الذي تستحقه، خاصةً في ظل قلة النوم التي نتعرضُ لها بكثرة في الفترة الحالية.
توقفي لحظة وامنحي صحتكِ النفسية الاهتمام الذي تستحقه
كثيرًا ما نتصور النوم كأمرٍ يحدث ببساطة في نهاية اليوم؛ لكن النوم ليس زرًا نُشغلَه ليلًا، بل هو عملية يُهيئ لها الجسم نفسه تدريجيًا. ما يعانيه الكثيرون من قلة النوم، نادرًا ما يكون مرتبطًا بالليل نفسه، بل غالبًا ما يكون انعكاسًا لجهازٍ عصبي لم يُتح له الوقت الكافي للراحة.
اليوم، يتعرضُ الجسم لتحفيزٍ مستمر؛ الحركة، الضوضاء، المعلومات، المحادثات، والشاشات، كل ذلك يُبقي الجسم في حالة تأهبٍ تتجاوز بكثير ما صُمم له. ومع مرور الوقت، يصبح هذا هو الوضع الطبيعي، فيبقى الجسم متيَقظًا بشكلٍ طفيف حتى بعد انتهاء اليوم.
من منظور الأيورفيدا، هنا يبدأ الخلل، يؤكد بالاسوريا. فالجسم مُصمَمٌ ليتحرك وفق إيقاعاتٍ مُحددة، بين النشاط والراحة، والجهد والتعافي. وعندما يختل هذا الإيقاع، تبدأ جودة النوم بالتغيَر، ليصبح أخف، أكثر تقطَعًا وأقل تجديدًا.
وهنا تبرزُ أهمية النوم، ليس فقط للراحة، بل لتنظيم وظائف الجسم. فخلال النوم، يُعيد الجهاز العصبي ضبط نفسه؛ يبدأ الجسم في عملية الترميم، تتحسن عملية الهضم، ويشرع العقل في التخلص من ضغوطات اليوم. وبدون هذه الإعادة، لا يتعافى الجهاز العصبي تمامًا، بل يستمر في العمل. والنتيجة دقيقة لكنها تتراكم: يشعرُ الجسم بعدم استقرار الطاقة، يحسَ العقل بالإرهاق، وحتى الضغوطات البسيطة تبدو أثقل من اللازم. لذا، فالهدف ليس مجرد النوم، بل الراحة العميقة والمتواصلة التي تسمح للجسم باستعادة توازنه؛ ويبدأ ذلك قبل حلول الليل بوقتٍ طويل.
تلعب فترات الراحة القصيرة خلال النهار دورًا أكبر بكثير مما نتصور، يضيف بالاسوريا. فعندما يُمنح الجهاز العصبي لحظاتٍ للهدوء، ولو لفترةٍ وجيزة، فإنه يمنع تراكم التوتر الذي غالبًا ما يستمر حتى المساء. ومن أكثر الطرق فعاليةً لتحقيق ذلك هو التنفس؛ فعملية التنفس البطيء والواعي تُساعد في تنظيم الجهاز العصبي، عن طريق تقليل استجابة الجسم للتوتر وإعادته لتوازنه. وحتى بضع دقائق من التنفس المنتظم مع الزفير العميق، تُعدَ كافيةً لتهدئة ذلك القلق الداخلي وإراحة الجسم.
في علم الأيورفيدا، يُعرف هذا بـ"برانا"، طاقة الجسم الحيوية. عندما تكون البرانا مستقرةً، يهدأ العقل؛ وعندما يهدأ العقل، يسهل على الجسم الاسترخاء. لا يقلَ أهمية عن ذلك، كيفية الانتقال إلى المساء؛ يستجيبُ الجسم بشكلٍ فطري للمؤثرات، فالضوء، الصوت والنشاط كلها تؤثر على ما إذا كان يبقى متيقظًا أم يبدأُ بالاسترخاء. في حين يسمح الانتقال التدريجي إلى السكون، للجهاز العصبي بالانتقال بشكلٍ طبيعي إلى مرحلة التعافي.
لهذا السبب تُعدّ طقوس المساء البسيطة فعّالةً للغاية. إن خفض الإضاءة، تقليل استخدام الشاشات، وإبطاء الحركة، كلها إشاراتٌ تدل على اقتراب نهاية اليوم. ومع مرور الوقت، تُدرّب هذه الإشارات الجسم على إدراك متى يكون من الآمن الراحة.
تلعب الروائح دورًا بالغ الأهمية في هذا الانتقال؛ فعلى عكس الحواس الأخرى، ترتبط الرائحة المنعشة والخفيفة مباشرةً بالمراكز العاطفية في الدماغ. تتمتع بعض الروائح بقدرةٍ طبيعية على تهدئة الجسم وتهيئته للنوم؛ مثلًا يُساعد زهر البرتقال والإيلنغ على تخفيف التوتر العصبي، بينما يدعم الخزامى الانتقال من النشاط إلى الراحة.

بضع رشاتٍ خفيفة من بخاخ الجسم والوسادة (كالذي تجدينه في سبا سيلون تحت إسم Sleep Intense) يخلق إحساسًا حسيًا ثابتًا. ومع الوقت، ترتبط الرائحة ذاتها بالاسترخاء، ما يسمح للجسم بالانغماس في النوم بصورةٍ طبيعية. بالمثل، فإن وضع بلسمٍ مُهدئ على نقاط حسية مثل الصدغين أو الرسغين أو باطن القدمين، يُعزز هذا التأثير. في الأيورفيدا، ترتبط هذه النقاط ارتباطًا وثيقًا بمسارات الطاقة في الجسم؛ لذا فإن التطبيق اللطيف على هذه النقاط، يساعد على إطلاق التوتر المتراكم، كما يُشجع الجسم على الاسترخاء والدخول في حالةٍ من الراحة.
نصائح عملية لتعزيز جودة النوم وتحسين الصحة النفسية
السر ليس في التعقيد، بل في الاستمرارية. تبدأ الطقوس الصغيرة، المُكررة يوميًا، في خلق إيقاعٍ، ويستجيب الجهاز العصبي بقوة لهذا الإيقاع. وعندما يعتاد الجسم على أنماطٍ معينة، كهدوء المساء، أو رائحةٍ مألوفة، أو لحظة سكون، يصبح من الأسهل عليه الخلود إلى الراحة دون مقاومة.
لتعزيز جودة النوم، قومي باتباع النصائح العملية التالية:
1. التزم بجدول نومٍ ثابت (حتى في العطلات)
2. هيّئي بيئةً مظلمة وهادئة بدرجة حرارة معتدلة (16-18 درجة مئوية)
3. تجنَبي الشاشات والكافيين قبل النوم بساعتين
4. مارسي رياضة خفيفة نهاراً
5. احرصي على تناول عشاءٍ خفيف وتجنَب الوجبات الدسمة
6. جرّبي تقنيات الاسترخاء للتخلص من التوتر.
في الخلاصة؛ عندما يتحسن النوم، يبدأ الجسم بالاستقرار، تصبح الطاقة أكثر ثباتًا، يصفو الذهن، ويستجيب الجسم للضغط النفسي بسهولةٍ أكبر. ليس لأن الضغط النفسي يختفي، بل لأن الجسم لم يعد منهكًا.
هذا هو دور النوم في الصحة العامة، فهو ليس شيئًا منفصلًا عن اليوم، بل هو جزءٌ لا يتجزأ منه. ومع اتباع طقوسٍ بسيطة ومنتظمة، يصبح النوم عادة طبيعية يعود إليها الجسم ليلة بعد ليلة.