المهندس والمصمم مصطفى خماش

المهندس والمصمم مصطفى خماش لـ"هي": العمارة ليست مجرّد ممارسة بل موقف واستجابة واعية للمناخ وحاجات الإنسان

2 أبريل 2026

يمثّل اسم المهندس والمصمم الإماراتي مصطفى خماش إحدى المقاربات الأكثر تماسكًا وهدوءًا في مشهد معماري يتغيّر بسرعة في المنطقة. من خلال تأسيسه لمجموعة "كارت"، طوّر خماش لغة تصميمية تنطلق من فهم دقيق للهوية بوصفها تجربة، حيث تتحوّل القيم الثقافية والرؤى المستقبلية إلى أشكال ثلاثية الأبعاد مشغولة بعناية، تحمل وضوحًا فكريًا وحضورًا بصريًا متوازنًا.

تقوم أعمال خماش الحائز على جوائز عدة على قدرة لافتة في ترجمة الأفكار المعقّدة إلى تكوينات نحتية منضبطة، تتعامل بذكاء مع المادة، والضوء، والتناسب. من منشآت بارزة مثل The Code وThe Eight Principles، وصولًا إلى مشاريعه السكنية والمؤسسية، يقدّم خماش طرحًا يعكس تحوّلًا أعمق في لغة التصميم في الخليج، حيث تصبح العمارة وسيلة لإنتاج المعنى، وحفظ الذاكرة، وبناء استمرارية ثقافية تتجاوز اللحظة.

في فلسفته التي يصفها بـ"العمارة الصامتة"، يطرح خماش تصورًا يقدّم الرصانة، والمقياس الإنساني، وحضور الضوء، بوصفها عناصر قادرة على حمل دلالات ثقافية أكثر عمقًا من أي استعراض شكلي. ضمن هذا الإطار، تلتقي "هي" بخماش لنخوض في قراءة أوسع في كيفية تطوّر العمارة المعاصرة في المنطقة، وفي التوازن الدقيق بين الحداثة والهوية، وبين الديمومة والتجربة.

مصطفى خماش

كيف ترى تطور لغة التصميم في الخليج اليوم بشكل عام وتحديدا في الإمارات؟ وهل نحن أمام هوية بصرية جديدة تتشكل؟

أرى تحوّلًا واضحًا من الاعتماد على الأساليب المستوردة إلى لغة تصميم أكثر ارتباطًا بالمكان. في الإمارات، أصبح التصميم أكثر هدوءًا واستجابةً للمناخ، يعكس المواد المحلية، والضوء، وأنماط الحياة الاجتماعية. هذه العوامل تُسهم في تشكيل هوية معاصرة، لكنها لا تزال متجذّرة في سياقها المحلي.

ما هو التحدي الأكبر في ترجمة رؤية مستقبلية دون فقدان الجذور الثقافية؟

يكمن التحدّي في تجنّب الإشارات السطحية للثقافة. فالثقافة ليست عنصرًا زخرفيًا، بل هي سلوك، واستجابة للمناخ، وتسلسل في الفضاء. أركّز على النِسَب، وأنظمة التظليل، والأفنية الداخلية وهي عناصر تحمل الإرث الثقافي إلى الأمام دون أن تُعيد إنتاج الماضي بشكل مباشر أو تُقيّد الابتكار.

مصطفى خماش

كيف ترى العلاقة بين الاستدامة والهوية في أعمالك؟ وما هو العمل الذي ترى انه يشكل عمق فلسفتك التصميمية؟

 ترتبط الاستدامة بالهوية من خلال فهم منطق المناخ والتعامل معه بوعي. فعلى سبيل المثال، تساهم الممرات المظلّلة في تخفيف الحرارة، وفي الوقت نفسه تعزّز التفاعل الاجتماعي. وفي مشاريع الإسكان ذات الكلفة المنخفضة، تعكس الوحدات المعيارية التي تعتمد على التهوية الطبيعية والتقسيمات المرنة هذا التوجّه. فهي حلول تجمع بين الكفاءة والمرونة، وتبقى قريبة من السياق الثقافي للمكان.

مصطفى خماش

عندما يتفاعل الناس مع أعمالك، ما هو الشعور الذي تتمنى أن يخرجوا به؟

أسعى إلى خلق إحساس بالهدوء والوضوح. يجب أن تبدو المساحات بديهية وسلسة، لا مُرهِقة أو مُربكة. فالحركة، والضوء، والتناسب تقود المستخدم بشكل طبيعي داخل المكان. وإذا شعر الناس بالراحة دون أن يتساءلوا عن السبب، فهذا يعني أن العمارة تؤدي دورها كما ينبغي.

في منطقة غالبًا ما تقاس فيها العمارة بالحجم والضخامة، اخترت أن تسير عكس التيار. ماذا تعني لك "العمارة الصامتة" اليوم؟

العمارة الصامتة تقوم على الاختزال والوضوح في الهدف. فهي تبتعد عن المبالغة، وتُعطي الأولوية للمقياس الإنساني. على سبيل المثال، اعتماد الأفنية المظلّلة بدلًا من الأتريومات الواسعة، أو تصميم وحدات بسيطة قابلة للتكيّف مع الزمن. إنها عمارة تؤدي دورها بهدوء، دون السعي إلى لفت الانتباه.

مصطفى خماش

ما الذي شكّل وعيك الجمالي في البداية؟ هل كان الفن، العمارة، أم البيئة المحيطة؟

تشكّل وعيي الجمالي بشكل أساسي من البيئة المحيطة. فقد كشفت لي طبيعة الصحراء، والضوء، والأنماط العمرانية التقليدية عن معنى النِسَب وصدق استخدام المواد. هذه الظروف هي التي شكّلت طريقتي في قراءة الفضاء. أما العمارة، فجاءت لاحقًا كأداة لتنظيم هذه الرؤية وصقلها.

مصطفى خماش

هل هناك فكرة أو مشروع لم تنفذه بعد وتشعر أنه يلخص رؤيتك بالكامل؟ وما هي أعمالك التي تركز عليها في هذه الفترة؟

اهتم حالياً يتطوير أنظمة سكن مؤقت قابلة للتوسّع، بحيث يمكن أن تنمو تدريجيًا لتتحول إلى مجتمعات دائمة. تقوم الفكرة على البدء بوحدات أساسية تتيح إمكانية التوسّع التدريجي مع الوقت. وفي الوقت الحالي، أركّز على تصميم مخططات مرنة وأساليب بناء منخفضة التكلفة تتلاءم مع طبيعة المناخ في المنطقة.

مصطفى خماش

برأيك ما الذي لا يزال غير مُكتشف في العلاقة بين الفن، العمارة، والتكنولوجيا؟

غالبًا ما يقتصر الدمج على الجانب البصري دون أن ينعكس على البعد المكاني. أما الأهم، فهو توظيف التكنولوجيا لتحسين الأداء دون أن تطغى على التجربة. على سبيل المثال، أنظمة تظليل أو مواد تتكيّف مع المناخ، مع الحفاظ على مساحات بسيطة تتمحور حول الإنسان، بدلًا من الانشغال بتعقيد بصري أو طابع استعراضي.

مصطفى خماش

إذا كان عليك أن تختصر فلسفتك في جملة واحدة: هل العمارة بالنسبة لك شكل، أم فكرة، أم موقف؟

بالنسبة لي، العمارة ليست مجرّد ممارسة، بل موقف. هي استجابة واعية للمناخ، وللثقافة، ولحاجات الإنسان. فالشكل لا يسبق الفكرة، بل ينبثق من هذه المعطيات. وفي جوهرها، هي صناعة مساحات تعمل بهدوء وكفاءة، وتُثبت قيمتها مع مرور الزمن.

مصطفى خماش

مدير تحرير مجلة "هي" الإلكترونية، بخبرة تفوق 13 عامًا، متخصص في الصحافة الرقمية والسينما واللايف ستايل.