مدير عام المتحف الوطني السعودي رولا الغرير تكشف لـ"هي": كيف تغير المعارض علاقتنا بالمتاحف؟
لم تعد علاقتنا بالمتاحف مجرد تأمل للماضي، بل أصبحت تجربة حية تتنفس مع كل موسم. وبين وقار الذاكرة وشغف التجديد، خطف المتحف الوطني السعودي الأنظار مؤخراً بمعارض استثنائية؛ احتفت بالجذور التشكيلية في "بدايات الحركة الفنية السعودية"، وتألقت بالبصمة العالمية الفاخرة لمعرض "كريستيان ديور: مصمم الأحلام" في نوفمبر 2025 والعديد من المعارض المميزة، مواكبة جمهور يبحث دائمًا عن محتوى مختلف وتجارب أكثر حيوية.
ومن خلال إدارتها للمتحف الوطني السعودي، تقود رولا الغرير رؤية تركز على تطوير تجربة المتحف بوصفه مساحة ثقافية متجددة تتفاعل مع الجمهور وتواكب التحولات التي يشهدها المشهد الثقافي السعودي اليوم. وفي هذا اللقاء مع "هي"، نبحر مع الغرير في كواليس المعارض المؤقتة وأثرها في تجديد علاقتنا بالمكان، ونكتشف التكامل الشاعري بين الصروح الوطنية والمتاحف الجديدة في نسج سردية السعودية وتقديمها للعالم.

المعارض المؤقتة وتجديد تجربة المتحف
أصبحت المعارض المؤقتة جزءًا أساسيًا من تجربة المتحف نفسها، لا مجرد إضافة موسمية داخل القاعات. تفتتح رولا الغرير حديثها لـ"هي" قائلة: "في المتحف الوطني، ننظر إلى المعارض المؤقتة بوصفها امتدادًا حيًا لدور المتحف في تقديم تجارب ثقافية متجددة تفتح مساحات للحوار والتفاعل مع الجمهور. وعند اختيار موضوعات المعارض، نحرص على ارتباطها بالسياق الثقافي السعودي، وقدرتها على خلق حوار مع الزائر، إلى جانب أهمية المحتوى من الناحية التاريخية أو الفنية أو الإنسانية".
وتتابع: "المعرض الناجح بالنسبة لنا هو الذي يمنح الزائر تجربة ثرية وقريبة منه؛ تدفعه للتأمل، وتثير فضوله، وتجعله يرى المتحف مساحة متجددة تتفاعل مع المجتمع وتحولاته". وتشير إلى أن المتحف استضاف خلال الفترة الماضية معارض متنوعة مثل "بدايات الحركة الفنية السعودية"، إلى جانب المعارض الدولية المستضافة مثل "كريستيان ديور: مصمم الأحلام" في نوفمبر 2025.
عودة الجمهور إلى المتحف بصورة مختلفة
هذا التجدد المستمر غير أيضًا علاقة الزائر بالمتحف، خصوصًا مع بحث الجمهور اليوم عن تجربة تتجاوز المشاهدة التقليدية حيث تقول رولا: "المعارض المؤقتة تلعب دورًا مهمًا في تجديد علاقة الجمهور بالمتحف؛ فالجمهور اليوم يبحث عن محتوى متجدد وتجارب تفاعلية ومعرفية في آن واحد". وترى أن هذه المعارض توسّع دائرة الحوار الثقافي لأنها تطرح موضوعات ترتبط بالفن، والهوية، والتحولات الاجتماعية، وهو ما يجعل المتحف مساحة أكثر حيوية وتفاعلًا.
وتضيف: "في المتحف الوطني، نحرص على أن تمتد تجربة المعرض إلى ما هو أبعد من العرض البصري، من خلال البرامج الثقافية، وورش العمل، والجولات التفاعلية، بما يعزز ارتباط الزائر بالمتحف كمكان للمعرفة والتجربة معًا".

التوازن بين الهوية والتجدد
لكن هذا التغيير المستمر يطرح سؤالًا حول كيفية الحفاظ على هوية المتحف الأساسية، دون أن يفقد قدرته على التطور ومواكبة الجمهور. تقول الغرير: "نحن نؤمن أن الحفاظ على المقتنيات لا يعني تجميدها داخل قاعات العرض، بل إعادة تقديمها بصورة تفاعلية وسردية تجعل الزائر أكثر قربًا من قصصها ودلالاتها".
وتكمل الحديث موضحة أن المتحف الوطني يعمل على تطوير أساليب العرض والاستفادة من التقنيات الحديثة والتجارب التفاعلية لتعزيز تجربة الزائر، مؤكدة: "التجديد بالنسبة لنا لا يعني تغيير الهوية، وإنما تطوير أدوات التعبير عنها. المتحف يجب أن يكون قادرًا على مخاطبة الطفل، والباحث، والسائح، والعائلة، والمهتم بالفنون أو التاريخ، دون أن يفقد أصالته أو عمقه المعرفي".
المتحف كمساحة تصنع الذائقة الثقافية
ومع هذا التحول، لم تعد المتاحف تكتفي بعرض التاريخ، بل أصبحت تؤثر أيضًا على طريقة تلقي الجمهور للفن والثقافة والتجارب البصرية. وترى رولا أن المتاحف السعودية اليوم "تعيش مرحلة تحول نوعي، وأصبحت تقدم الهوية الثقافية السعودية بصورة أكثر انفتاحًا وعمقًا وحداثة".
تضيف: "في السابق، كان يُنظر إلى المتحف باعتباره مساحة لحفظ القطع التاريخية فقط، أما اليوم فهو منصة للسرد الثقافي والحوار والمعرفة، تسهم في إعادة قراءة التاريخ وربطه بالحاضر والمستقبل". مؤكدة أن التنوع الحضاري والجغرافي الذي تتميز به المملكة يمنح المتاحف السعودية ثراءً استثنائيًا في القصص والروايات التي تقدمها للعالم.

المتاحف والسردية الثقافية السعودية الجديدة
هذا الدور المتغير للمتاحف انعكس أيضًا على حضورها داخل المشهد الثقافي السعودي الأوسع، خصوصًا مع التحولات التي تشهدها المملكة اليوم. وتوضح الغرير: "ما نشهده اليوم هو منظومة ثقافية متكاملة تتعاون فيها المتاحف الوطنية والمتاحف الجديدة لتقديم صورة شاملة ومتعددة الأبعاد عن المملكة".
تكمل الحديث: "هذا التكامل يخلق سردية سعودية أكثر تنوعًا وثراءً، تُظهر المملكة بوصفها أرض حضارات وتاريخ، وفي الوقت ذاته دولة تنظر إلى المستقبل وتستثمر في الثقافة والمعرفة والإبداع".

المتحف كجزء من جودة الحياة
ومع توسع هذا الدور، أصبحت المتاحف اليوم جزءًا من التجربة الثقافية اليومية داخل المدن، وليس مجرد وجهات مرتبطة بالمناسبات أو الزيارات الرسمية. تقول رولا: "المتاحف اليوم لم تعد مؤسسات عرض تقليدية، بل أصبحت جزءًا محوريًا من الاقتصاد الثقافي والمعرفي، بما توفره من فرص تعليمية، وبرامج ثقافية، وتجارب سياحية، وشراكات مجتمعية وإبداعية".
تضيف: "الاستثمار في الثقافة يسهم في خلق قيمة اقتصادية ومعرفية طويلة المدى، ويعزز جودة الحياة، ويرسخ حضور المملكة كوجهة ثقافية عالمية".
المتحف كمساحة للحوار والتقارب الثقافي
وفي وقت أصبحت فيه التجارب الثقافية أكثر ارتباطًا بالحوار والتفاعل، تحاول المتاحف اليوم أن تكون مساحة تجمع الناس حول المعرفة والتجربة المشتركة. توضح رولا الغرير أن المتحف الوطني تعامل مع شعار اليوم العالمي للمتاحف لهذا العام "المتاحف توحّد عالمًا منقسمًا" بوصفه دعوة لتفعيل دور المتحف كمنصة للحوار والتبادل الثقافي.
تقول رولا: "تناول البرنامج موضوعات متعددة تحت هذا الشعار، مثل السردية الثقافية والهوية، ودور اللغة واللهجات بوصفها تراثًا حيًا وجسورًا للفهم بين الثقافات، إلى جانب نقاشات حول أثر التقنية والذكاء الاصطناعي في تشكيل الوعي وتقريب المسافات".
وتختتم حديثها قائلة: "الهدف هو تعزيز علاقة الجمهور بالمتحف كمكان مفتوح للتأمل والتعلّم وبناء المعنى، وترسيخ دوره كمساحة قادرة على تقريب الناس من تاريخهم وثقافتهم ومن بعضهم البعض".