تأثير الأسبوع الثالث: الأثر النفسي للأزمة بعد ثلاثة أسابيع
هل تصدقين، أننا وعلى قاب قوسين وأدنى من عيد الفطر، قد مررنا بثلاثة أسابيع من الأزمة الحالية التي تعصف بمنطقتنا؟
في الأسابيع الأخيرة، وجد الكثيرون في الإمارات (وغيرها من دول الخليج والجوار) أنفسهم يواجهون حالةً من عدم اليقين غير المألوفة، حتى وإن كانوا بأمان جسديًا. في عملها السريري، وفي حواراتها مع العائلات والمتخصصين والآباء، برز موضوعٌ مشترك للدكتورة جين هالسال، أخصائية علم النفس الاستشاري المعتمدة في عيادة كورنرستون دبي: الأسبوع الثالث يبدو مختلفًا؛ أثقل، أكثر استنزافًا عاطفيًا، وأصعب في التعامل معه.
هذا ما يُشير إليه علماء النفس بشكلٍ متزايد بـ"تأثير الأسبوع الثالث"، وهي مرحلةٌ في الإجهاد المُطوّل؛ حيث يبدأ اندفاع الأدرينالين الأولي بالتلاشي، ليحلّ محله الإرهاق العاطفي. نتعرف من الدكتورة جين هالسال على تفاصيل هذه المرحلة وكيفية التعامل معها.
تعزيز الصحة النفسية في أوقات الأزمات
في الأيام الأولى للأزمة، يكون الجسم البشري قادرًا على التكيَف بشكلٍ ملحوظ.
ننتقلُ إلى حالةٍ من اليقظة المُتزايدة، مدفوعة بغريزتنا للبقاء. ترتفع هرمونات التوتر مثل الأدرينالين والكورتيزول، مما يُحسّن التركيز ويُحفّز العمل. غالبًا ما يصف الناس أنفسهم بأنهم "يُواصلون حياتهم" من خلال وضع الخطط، متابعة آخر الأخبار، التأكد من سلامة أطفالهم، والتواصل مع أحبائهم.
بل قد يكون هناك شعورٌ بالوضوح خلال هذه المرحلة. عندما يكون الوضع حرجًا، نعرفُ ما يجب فعله؛ لكن الجسم ليس مصممًا لتحمَل هذه الحالة إلى الأبد. بحلول الأسبوع الثالث، تبدأ الآثار الجسدية والنفسية لليقظة المطولة بالظهور. قد يضطرب النوم، يصبح التركيز أكثر صعوبة، وغالبًا ما يُلاحظ انخفاضٌ ملحوظ في الطاقة. ما كان يبدو في السابق سهلًا، قد يتحولُ إلى عبءٍ ثقيل.

نفسيًا، في هذه المرحلة أيضًا تبدأ الأمور بالاستقرار بشكلٍ كامل.
في المرحلة الأولى، يتصرفُ الكثيرون بنوعٍ من الحماية النفسية، كتأثير الصدمة أو عدم التصديق الذي يسمح لهم بالعمل دون استيعاب كامل العبء العاطفي للموقف. مع مرور الوقت، تتلاشى هذه الحماية؛ ويصبح من الصعب تجاهل حالة عدم اليقين طويلة الأمد بشأن السلامة، الاستقرار، الأمور المالية، تعليم الأطفال، أو ببساطة "ما سيحدث لاحقًا". هنا يظهرُ الإرهاق العاطفي.
قد يلاحظ الناس أنهم أكثر عصبية، أقل صبرًا، أو أكثر عرضةٍ للإرهاق من متطلبات الحياة اليومية. المهام التي تبدو عادةً بسيطة قد تتطلبُ جهدًا أكبر بكثير؛ وقد يميلون إلى الانعزال، أو على النقيض تمامًا، يشعرون بالانغماس في متابعة الأخبار وتحديثات وسائل التواصل الاجتماعي باستمرار.
من المهم الإشارة إلى أن هذه الاستجابات ليست دليلاً على عدم قدرة الشخص على التأقلم، بل هي استجابةٌ طبيعية للضغوط المستمرة. وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، ثمة بُعدٍ نفسي إضافي جدير بالملاحظة؛ فقد انتقل العديد من المقيمين إلى هنا بحثاً عن الأمان، الاستقرار والفرص. وعندما تُزعزع الأحداث الخارجية هذا الشعور بالأمان، ولو بشكلٍ غير مباشر، قد يكون الأمر مُقلقاً للغاية. غالباً ما يكون هناك توترٌ بين الشعور بالأمان والشعور بالقلق المُتزايد، وقد يتعايش هذان الشعوران.
تأثير الأسبوع الثالث للأزمة على الأطفال
بالنسبة للوالدين، قد تكون هذه المرحلة صعبة للغاية. فالأطفال شديدو الحساسية للتقلبات العاطفية، حتى وإن لم تُناقش صراحةً. وبحلول الأسبوع الثالث، قد يكون الوالدان أنفسهما أكثر إرهاقاً، مما يُصعّب عليهما الحفاظ على الاتساق، الصبر والروتين، وهي الأمور التي يعتمد عليها الأطفال للشعور بالأمان.
في الواقع، يُصبح الروتين أحد أهم عوامل الحماية في هذه المرحلة. فخلال المرحلة الأولى من الأزمة، غالباً ما يضعف النظام استجابةً للمتطلبات الفورية. ولكن مع استمرار الوضع، يُمكن أن يُساهم غياب الروتين في الشعور بعدم الاستقرار. إن إعادة إدخال عناصر يومية صغيرة وثابتة، مثل مواعيد الوجبات المنتظمة، مواعيد النوم الثابتة، وقضاء الوقت في الهواء الطلق، كلها عوامل تُسهم في تنظيم الحالة النفسية لدى البالغين والأطفال على حد سواء.
ولا يقل أهميةً عن ذلك إدارة كمية المعلومات المُتلقاة. ففي بيئةٍ شديدة الترابط، يسهل الانغماس في سيلٍ متواصل من الأخبار. ورغم أهمية البقاء على اطلاع، إلا أن الإفراط في التعرض لها قد يُطيل استجابة الجسم للضغط النفسي. لذا، فإن وضع حدودٍ بسيطة لاستهلاك الأخبار يُساعد على خلق مساحةٍ نفسية للراحة والاسترخاء.
يُعدّ التواصل عاملاً وقائياً هاماً آخر. فالتحدث بصراحة مع الأصدقاء المقربين أو العائلة أو الزملاء عن مشاعركِ يُخفف من الشعور بالعزلة الذي غالباً ما يُصاحب الضغط النفسي المُطوّل. كما أن هناك قوةً في إدراك أن الكثيرين يمرون بتحولاتٍ عاطفية مماثلة، ما يُؤكد أنكِ لستِ وحدكِ في هذه التجربة.
ومن منظور سريري، يُعدّ التعاطف مع الذات من أهم التدخلات في هذه المرحلة. فمع حلول الأسبوع الثالث، غالباً ما يكون الناس قد استنفدوا طاقتهم العاطفية، ومع ذلك ما زالوا يُصرّون على الالتزام بتوقعاتهم قبل الأزمة. قد يكون من الضروري تعديل تلك التوقعات، لتقبّل أن مستويات الطاقة قد تتقلب، وأن التركيز قد يقل، وأن هذا ليس فشلاً، بل انعكاساً للظروف.
في الخلاصة؛ لا يتعلقُ "تأثير الأسبوع الثالث" بفقدان القدرة على التحمل، بل بإشارة الجسم إلى حدوده. عندما نفهمُ هذا، يمكننا الاستجابة بشكلٍ مختلف، ليس بالضغط أكثر، بل بإعادة التوازن.
من خلال استعادة التوازن تدريجياً، حماية مساحتنا الذهنية، والسماح بالتعافي العاطفي، نُهيئ الظروف لنتجاوز حالة عدم اليقين بثباتٍ أكبر. ولعل الأهم من ذلك، أن نُذكَر أنفسنا بأنه حتى في ظل الضغوطات المُطولة، يظل التكيَف ممكناً، ولكن بطريقة أكثر هدوءاً واستدامة.