إطالة العمر بين الحاجة والمبالغة

بين الحاجة والمبالغة: أين يقع الحد الفاصل للسعي وراء إطالة العمر؟

صناعة "إطالة العمر" هي استثمارٌ كبير، يجنح نحوه الكثيرون؛ إما لغاياتٍ شخصية بغية التمتع بعمرٍ أطول وصحةٍ أفضل على مدار السنوات، وإما لغاياتٍ تجارية لتسويق منتجاتٍ أو حلول تمنح الحالمين بالعمر الطويل، ما يصبون إليه.

وفيما تتزايد حركة إطالة العمر، من العلاج بالتبريد إلى حقن الخلايا الجذعية للأطفال، الحقن الوريدية والعلاج بالضوء الأحمر وغيره؛ يحذر الأطباء من "المبالغة والإسراف" في هذا التوجه، خاصةً الأطباء التقليديين.

إذا أردنا توضيح ما نقولهُ في الفقرة الأولى، ما علينا سوى تتبَع ما يفعله تريستون ستيرنسون في يومياته:

في صباحٍ شتوي بارد كعادة ملبورن الأسترالية، يبدأ تريستان ستيرنسون، رئيس قسم التكنولوجيا، يومه بالغطس في حمام جليدي. ما مدى برودة الماء؟ ثلاث درجات مئوية قارصة، ولمدة أربع دقائق.

ثم يتبع ذلك برنامجٌ صارم من التمارين الرياضية، المكملات الغذائية، المحاليل الوريدية، علاجات متنوعة كالساونا، العلاج بالتبريد، والعلاج بالأكسجين عالي الضغط... كل ذلك في سعيه لتحسين صحته وإطالة عمره.

وفي حديث لمجلة "ذا بيزنس"، يقول ستيرنسون من عيادته المتخصصة في إطالة العمر، والتي شارك في تأسيسها ويتلقى فيها العديد من العلاجات: "هناك علاجاتٌ مثل العلاج بالتبريد، حيث يتم تبريد الجسم إلى درجة حرارة 165 درجة مئوية تحت الصفر لمدة ثلاث دقائق ونصف، وهو أمرٌ شديد التأثير".

ويضيف: "أستخدمُ جهازًا للعلاج بالضوء الأحمر لكامل الجسم، حيث أستلقي عليه، وكأنني داخل شرنقة". ويتابع: "الضوء الأحمر مفيد أيضًا للشعر، فهو يمنع تساقطه مع التقدم في السن".

يعترف ستيرنسون بأن ناديه الصحي "سوبر يونغ" هو مشروع شغف أكثر من كونه أي شيء آخر.

إطالة العمر بين الحاجة والمبالغة - رئيسية
إطالة العمر بين الحاجة والمبالغة - رئيسية

تُعدّ "سوبر يونغ" واحدة من بين العديد من شركات الصحة والعافية التي تتنافس على حصة من سوق عالمية تُقدّر قيمتها بـ 2.5 تريليون دولار أسترالي (2.7 تريليون دولار نيوزيلندي)، وفقًا لشركة ماكينزي الاستشارية. ويُعزى هذا النمو إلى تزايد الطلب من الأفراد (غالبًا من الأثرياء) على قياس وتحسين صحتهم الشخصية، واستعدادهم لدفع مبالغ طائلة لتحقيق ذلك. وقد انتشرت ممارسات الصحة البديلة المميزة لحركة "العافية الوقائية" أو حركة إطالة العمر، بفضل شخصياتٍ أمريكية معروفة، من بينهم المخترقون البيولوجيون برايان جونسون وبيتر أتيا وحتى باريس هيلتون.

يبلغ ستيرنسون من العمر 45 عامًا، لكنه يقول إن عمره البيولوجي 34 عامًا، وهو مقياسٌ يستخدمه المختصون في مجال إطالة العمر بناءً على سلسلة من الاختبارات.

يتابع ستيرنسون 65 مؤشرًا مختلفًا عبر تحاليل الدم، ويخضع لمجموعة من العلاجات التي يصفها بأنها "متقدمة" كل بضعة أشهر، يسافر إلى الولايات المتحدة لتلَقي بعضها، نظرًا لعدم توفرها في أستراليا: "أخضعُ لحقن الخلايا الجذعية من الحبل السري، وأحقنُها في جسمي. إنها عمليةٌ مهمة جدًا لمكافحة الشيخوخة بالنسبة لي."

لكن ازدهار صناعةٍ مليئة بممارسات الصحة البديلة، قوبل بالتشكيك من قبل بعض العاملين في المجالات الطبية السائدة. منهم مايكل رايت، رئيس الكلية الملكية الأسترالية للأطباء العامين، الذي تحدث عن هذا الموضوع إلى مجلة The Business بالقول: "أعتقدُ أن قاعدة الأدلة لكثير منها ضئيلة؛ وعندما توجد أدلة، فإنها غالباً ما تكون لأجزاءٍ معينة من السكان وليس لعموم السكان."

لمن يرغبون في استكشاف مجال إطالة العمر، ينصح الدكتور رايت بالتحلي بقدرٍ من الشك والتفكير ملياً قبل إجراء أي فحوصات أو تحاليل إضافية قد تقدمها العيادات. ويضيف: "أتحدثُ غالباً مع المرضى عندما يناقشون هذه الفحوصات، وأسألهم: ما تكلفتها؟ ومن هو الأكثر استفادة؟ هل أنتَ أم الشخص الذي يُجري الفحص؟"

ليست المادة هي الشيء الوحيد الذي يُقلق الجسم الطبي حول اندفاعة الكثير نحو حلول "إطالة العمر"، بل التوتر النفسي والإحباط الذي قد يصيب البعض في حال لم يحصلوا على النتائج ذاتها كما حدث مع آخرين، وكذلك الاستنزاف المادي والعاطفي لعلاجاتٍ وخياراتٍ قد لا تكون في محلها أو وقتها.

إذن؛ ما هو الحد الفاصل بين السعي العقلاني لطول العمر وبين المبالغة؟ متى نحتاج للبدء بعمليات إطالة العمر، وكيف نختارُ الأنسب منها لنا؟ ما التأثير الذي يُخلَفه بعض المؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي في هذا الموضوع، خاصةً من الناحية السلبية؟

هذه الأسئلة وغيرها، توجهت بها محررة صحة ورشاقة على موقع "هي"، إلى الدكتور أوميد خوداكارامي، متخصص بالطب الوظيفي والطب التجميلي في عيادة Kaya Wellness and Longevity؛ وجاءت الأجوبة على النحو التالي:

دكتور خوداكارامي، أين يقع الحد الفاصل بين السعي العقلاني لطول العمر وبين المبالغة؟

من منظورٍ طبي، الحد واضح جداً؛ السعي العقلاني لطول العمر يعني دعم الجسم بناءً على الأدلة، الفحوصات، ومعايير السلامة على المدى الطويل. لكن يتحوّلُ إلى مبالغة عندما يصبحُ "طول العمر" قائماً على ممارساتٍ تجريبية أو على متابعة الترند، من دون فهم كيفية استجابة الجسم.

في كايا مثلًا، لا نلاحقُ الصيحات، بل نُركّز على تحسينٍ مستدام يُعزّز سنوات الصحة وليس فقط سنوات العمر.

إذا أراد شخص ما، البدء برحلة إطالة العمر بشكلٍ صحيح، ما هي الخطوة / الخطوات الأولى؟

الخطوة الأولى يجب أن تكون دائماً التقييم قبل التدخل. في عيادتنا، نبدأُ بتقييماتٍ شاملة للعافية والطب الوظيفي، تحاليل دم متقدمة، تقييماتٌ أيضية وهرمونية، تحليل التغذية والمعادن، ومراجعة نمط الحياة. وفقط وبعد فهم السبب الجذري لعدم التوازن، ننتقلُ إلى العلاجات؛ لا ينبغي أن تبدأ رحلة طول العمر بالتخمين.

الدكتور أوميد خوداكارامي متخصص بالطب الوظيفي والطب التجميلي في عيادة Kaya Wellness and Longevity
الدكتور أوميد خوداكارامي متخصص بالطب الوظيفي والطب التجميلي في عيادة Kaya Wellness and Longevity

كيف يختارُ الأفراد، ممارسات طول العمر التي تناسبهم؟

يجب اختيار ممارسات طول العمر بناءً على فسيولوجيا الفرد وليس على الترند؛ فقد يحتاج شخصان في العمر نفسه إلى نهجين مختلفين تماماً.

من خلال فحوصات عافيةٍ دقيقة وأدواتٍ مثل تحليل توازن المعادن، نحدّدُ النواقص، أو العبء السمي، أو الإجهاد الأيضي. ومن بعدها، وفقاً لنتائج التحاليل، يتم تصميم العلاجات، سواء من خلال الدعم الغذائي، أو العلاجات الوريديّة  (IV)، أو الحلول التجديدية.

متى يكون الوقت المناسب للتفكير في طول العمر؟

الوقت المثالي هو قبل أن تصبح علامات المرض أو الإرهاق واضحة.

طب العافية وطول العمر يكون أكثر فعالية عندما يُستخدم وقائياً، للحفاظ على الطاقة، القدرات الذهنية، المناعة، وصحة الخلايا. في كايا، يراجعنا كثيرون وهم بحالة جيدة؛ لكنهم يرغبون في الاستمرار بهذه الحالة. هذا التفكير الاستباقي هو ما يساعدُ طب طول العمر على إحداث فرقٍ حقيقي.

هل نُعقّد العناية بالصحة أكثر من اللازم اليوم؟

تبدو العناية بالصحة مُعقّدةً بالفعل، وذلك بسبب تعدَد القنوات التي يتلقى منها الناس النصائح المتفرّقة دون سياقٍ أو مرجعٍ طبي.

في الواقع، الطب الوظيفي يُبسَط الرعاية عبر "ربط النقاط" مع بعضها؛ وبدلاً من التعامل مع أعراضٍ منفصلة، نُقيَم كيف يتفاعل النظام الغذائي مع التوتر، النوم، الالتهاب، وصحة الخلايا. يتيح هذا وضع خطط علاجٍ واضحة ومحددة بدل الحلول المتعددة غير المترابطة.

هل أصبح طول العمر اليوم، "ترنداً" فاخراً؟

اكتسب مفهوم طول العمر زخماً أكبر من خلال عالم العافية الفاخرة، لكن من المهم فهمهُ باعتباره رعاية صحية وقائية. 

التشخيصات المتقدمة، العلاجات التجديدية، والبرامج الشخصية هي أدواتٌ لحماية الصحة على المدى الطويل، وليست ترفاً. في كايا، تُقدَّم رعاية طول العمر كاستثمارٍ في جودة الحياة ونتائج الصحة المستقبلية.

وماذا عن روتينات طول العمر المبالغ بها، التي يشاركها المؤثرون عبر مواقع التواصل الاجتماعي؟

الكثير من هذه الروتينات يفتقر إلى الإشراف الطبي والتخصيص الفردي. فالصيام المفرط، أو المكملات الغذائية غير المنظّمة، أو "البيوهاكينغ" العنيف قد يضع ضغطاً غير ضروري على الجسم.

طب العافية وطول العمر يكون أكثر فعالية عندما يُستخدم وقائياً
طب العافية وطول العمر يكون أكثر فعالية عندما يُستخدم وقائياً

طب طول العمر يجب أن يكون بقيادة الأطباء، قائماً على الأدلة، وتحت مراقبةٍ مستمرة. في عيادتنا، تقود السلامة والدقة والاستدامة كل توصيةٍ نقدمها إلى عملائنا؛ طول العمر، حين يُمارس بالشكل الصحيح، لا يعني "المزيد"، بل يعني اختيار ما هو الأنسب لكل فرد.

في الخلاصة؛ فإن العمر الطويل الذي يحلم به كثيرون، ليس أمرًا مستحيلًا؛ لكنه لا يتحقق بلمح البصر، ولا من خلال تطبيق علاجاتٍ يقوم بها البعض إما للترويج التجاري أو بناءً على تجارب شخصية بحتة.

لذا لا تترددي عزيزتي في استشارة الأطباء المختصين، واسعِ للحصول على الخيارات الأنسب لحالتكِ الطبية، وفي عمرٍ أبكر، كي تكون "إطالة العمر" مُجدية.

مسؤولة قسم الصحة والرشاقة
جمانة الصباغ – محررة صحافية وكاتبة محتوى، حاصلة على بكالوريوس صحافة وإعلام من الجامعة اللبنانية الأمريكية. مسؤولة عن قسم الصحة والرشاقة في موقع "هي" منذ أكثر من 8 سنوات، وتشرف أيضًا على قسم التذوق وتكتب تجارب ومواضيع متعلقة بالطعام.