تناول السردين بكثرة: هل هو نظام صحي.. أم مجرد ترند جديد؟
الحقيقة أن معظم ترندات منصات وسائل التواصل الاجتماعي في أيامنا هذه، إما أنها فارغة من المحتوى التثقيفي والطبي، أو أنها تسعى لمكاسب مادية أو جمع لايكات أكثر.
لكن هذا لا ينفي أن بعض الترندات، تتمحور حول مسائل صحية جمة؛ مثل السردين الذي بات حديث معظم الناس مؤخرًا. ومع أنه من الأطعمة الخفيفة والتي لا تُكلَف مقدارًا كبيرًا من المال مقارنةً بأطعمة أخرى، إلا أنه لم يكن يحظى بشعبيةٍ كبيرة، حتى الفترة الأخيرة.
حيث باتت وسائل التواصل الاجتماعي تضجَ بأخبار "كنز السردين الصحي" خاصةً للنساء؛ حتى أن البعض يُروَج لفكرة "السردين المكثف" بمعنى تناولهُ أكثر من مرة في الأسبوع، للاستفادة من مزاياه الغذائية المتعددة.
لكننا نعلمُ جيدًا، أن الاعتدال هو المحور الأساسي لتعزيز الصحة والحفاظ عليها؛ وأن جميع مصادر الغذاء، في حال تناولها بكميات مقبولة، وبشكلٍ جيد، يمكن لها المساعدة في تحقيق معادلة: الجسم الصحي والسليم على كافة الأوجه. وهو ما ينصح به خبراء التغذية والأطباء على الدوام، إلا في حالاتٍ معينة لا يمكن فيها للبعض تناول أطعمة معينة بسبب المشكلات الصحية التي يعانون منها.
وبالعودة إلى ترند "السردين المكثف"، فلنحاول سويًا عزيزتي تمحيص هذه المقولة؛ البحث أكثر وأعمق في فوائد السردين، وكيف يمكن إدراجه ضمن نظامٍ غذائي صحي ومتوازن، للاستفادة منه، من خلال السطور التالية..

ترند "السردين المكثف" ينتشر عالميًا... نظام صحي أم مبالغة
Sardinemaxxing هو التعبير المترافق مع ترند "السردين المكثف" الذي يغزو السوشيال ميديا حاليًا؛ بحيث أصبح هذا الترند من أحد "الترندات الغذائية" المنتشرة بكثرة على مواقع التواصل الاجتماعي والتي لا يخضع بعضها لركائز صحية وطبية موثوقة.
يدَعي البعض أن ترند "السردين المكثف" هو نظامٌ صحي بامتياز، يُساهم في تعزيز الصحة، زيادة الطاقة في الجسم ودعم خسارة الوزن. وبحسب موقع صحيفة "الشرق الأوسط" السعودية، ترافق هذا الترند مع عناوين كبيرة، مثل تحسين البشرة، المساعدة على خسارة الوزن، زيادة الطاقة، وصولًا إلى تحسين التركيز الفكري.
كيف؛ من خلال تناول السردين بشكلٍ يومي، لكن هل هذا الأمر صحيح؟
فنَد تقريرٌ نشره موقع Verywell Health هذه المقولة، مشيرًا إلى أن هذا الاتجاه ليس بعيداً تماماً عن الأساس العلمي، كون السردين من الأطعمة الغنية بالعناصر الغذائية كما تُظهر التقارير والدراسات العلمية.
يشير ترند "السردين المكثف" إلى وجوب تناول السردين بشكلٍ متكرر، وأحيانًا يوميًا، لتعزيز الصحية. ويتراوح الترند المتمحور حول علب السردين الجاهزة أو السردين الطازج، بين مجرد إضافة السردين للنظام الغذائي الأسبوعي وأنماطٍ أكثر تطرفاً تعتمد على طعامٍ واحد فقط (ألا وهو السردين بطبيعة الحال).
يعكس هذا الاتجاه الصحي، اهتمام الكثيرين المتزايد بتناول الأطعمة الغنية بالعناصر الغذائية والمعالجة بشكلٍ بسيط، وهو ما جعل البعض يقدّمه كاختصارٍ لتحسين التغذية. إلا أن المنحى نحو "تعظيم" بعض الأطعمة مقارنةً بأخرى، قد يتحول إلى نمطٍ غذائي صارم، يحيد بعض الشيء عن الطبيعي.
دعينا نتعرف سويًا على ميزات السردين، ولماذا هو من الأطعمة المغذية بشكلٍ كبير..
السردين هو سمك دهني صغير الحجم؛ غني جداً بأحماض أوميغا-3، البروتين، الكالسيوم، وفيتامين د. يُعدَ من أفضل الأطعمة لصحة القلب، الدماغ، والعظام، كما يُعزز المناعة ويساعد في تخفيف الوزن. يتوفر طازجاً أو معلباً، ويُعتبر غذاءً مثالياً لصحة القلب والأوعية الدموية.
في الحصة الصغيرة للسردين، يمكننا الحصول على كثافة غذائية عالية، وهو ما يُفسر انتشار ترند "السردين المكثف". وتتحدث كريستين كومنيسكي، أخصائية التغذية عن هذه الكثافة الغذائية بالقول: "السردين من أكثر الأطعمة كثافة بالعناصر الغذائية، وهناك أساسٌ قوي لتناولهُ بانتظام". وبالرغم من أنه ليس "علاجاً شاملاً"، إلا أن خبراء التغذية يؤكدون فعاليته في دعم الصحة بشكلٍ ملحوظ، عند إدراجه ضمن نظامٍ غذائي متوازن.

يتطرق موقع "الشرق الأوسط" لأبرز فوائد السردين الصحية على النحو التالي:
1. دعم صحة القلب: إذ يحتوي السردين على أحماض أوميغا-3 الدهنية، خاصة EPA وDHA، المرتبطة بتحسين صحة القلب، تقليل الالتهاب وتحسين دهون الدم.
2. مصدر بروتين عالي الجودة: تتوافر كميةٌ جيدة من البروتين في السردين، وهو من العناصر الفعالة لتعزيز الشعور بالشبع، دعم بناء العضلات والحفاظ عليها، إضافةً إلى استقرار مستويات الطاقة خلال اليوم.
3. تعزيز صحة العظام: يُسهم تناول السردين مع عظامه، في توفير نسبةٍ جيدة من فيتامين د والكالسيوم؛ وهما عنصران أساسيان لتقوية العظام، خاصةً لدى الأفراد الذين لا يتناولون مشتقات الألبان.
4. عناصر غذائية دقيقة مهمة: فالسردين غني بفيتامينات "بي 12"، "د" والسيلينيوم؛ وتُعدَ هذه العناصر مهمةً لتعزيز المناعة، الجهاز العصبي وإنتاج الطاقة في الجسم. مع الإشارة إلى أن معظم الناس لا يحصلون على هذه الفيتامينات بكمياتٍ كافية.
5. دعم محتمل لصحة الجلد وتقليل الالتهاب: فضلًا عن الفوائد الصحية المذكورة آنفًا، تشير الدلائل العلمية إلى فعالية أحماض أوميغا 3 الدهنية الموجودة في السردين، على تقليل الالتهاب في الجسم؛ ما ينعكس إيجابًا على صحة الجلد والبشرة أيضًا.
يبقى السؤال المطروح والذي لم نُجب عليه بعد: هل يجب تناول السردين فقط للحصول على كل تلك الفوائد، أم أن النظام الغذائي المتوازن والمتكامل (والذي يشمل كافة العناصر الغذائية المتاحة) هو الطريق الأمثل لتعزيز الصحة؟
والسؤال الآخر الذي قد يُطرح كنتيجةٍ لهذه المقالة: هل يجب تجربة ترند "السردين المكثف"؟
بالطبع؛ يُشجع الخبراء على إضافة السردين لنظامكِ الغذائي اليومي، لكنهم يؤكدون أن الاعتماد عليه وحده، لا يُعدَ خياراً صحياً. منهم اختصاصية التغذية باميلا ميتري، التي تؤكد على أن الفوائد الصحية تأتي من تناول السردين كجزءٍ من نظامٍ غذائي متنوع، وليس من الاعتماد عليه وحده. بدورها، تطمئن الدكتورة كارلا حبيب مراد، من تناول السردين المعلب؛ مشيرةً إلى غناه بالبروتين، الكالسيوم، فيتامين د وفيتامين ب12. ولأن السردين سمك صغير الحجم نسبيًا، فإن نسبة الزئبق فيه منخفضة، بحسب الدكتورة كارلا، ولهذا يُعدَ طعامًا "آمنًا" للأطفال والحوامل. وتضيف: "السردين غني بالدهون، لكنها دهون أوميغا 3 الصحية المفيدة للقلب وصحة الدماغ." وفيما إذا كان السردين غني بالملح، لا تنفي الدكتورة كارلا هذه المعلومة؛ مشيرةً إلى إمكانية اختيار الأصناف قليلة الأملاح، كما يمكن غسله قليلًا قبل تناوله، للتخلص من كمية الملح الزائدة.

السردين لذيذ الطعم، تختم الدكتورة كارلا؛ ويمكن تناوله مع الخبز، إدراجه ضمن أطباق السلطة أو الاستمتاع بطبق رز بجانبه.
لكن الاعتماد على السردين فقط، قد يحرمنا من عناصر غذائية أخرى مهمة، مثل الألياف الضرورية لعمل الأمعاء والمعدة، والتي نجدها بشكلٍ بارز في الفواكه، الخضراوات، الحبوب الكاملة والبقوليات.
تطرقت الدكتورة كارلا إلى مسألة الصوديوم أو الأملاح في السردين، وتشاطرها الرأي أخصائية التغذية كريستين كومينسكي؛ مشيرةً إلى أن بعض أنواع السردين المعلّب تحوي نسبًا مرتفعة من الصوديوم، ما يُعدَ مشكلةً لمن يعانون من ارتفاع ضغط الدم أو احتباس السوائل.
في الخلاصة؛ فإن السردين عنصر غذائي متكامل ومغذَي بشكلٍ كبير، ويمكن الارتكاز إليه لتعزيز الصحة، تقوية القلب والمساعدة على خسارة الوزن. إنما ضمن نظامٍ غذائي متوازن ومتنوع، يتضمن عناصر غذائية أخرى لا نجدها في السردين، ونحتاجها لتحقيق الأهداف الصحية ذاتها.
وبالتالي، فإن اتباع ترند "السردين المكثف" لا يُعد خيارًا واقعيًا؛ ويمكن تناول السردين عدة مرات في الأسبوع كما تنصح كومنيسكي، إنما الفائدة الحقيقية تأتي من تنوع الغذاء وليس من الاعتماد على عنصر غذائي واحد فقط.