من الحب تبدأ الرحلة.. لين تركض دعمًا وأميرة تسبح صمودًا
في هذه القصة، لا تبدأ الحكاية بخطّ الانطلاق، ولا تنتهي عند خطّ النهاية. تبدأ من اختيار، اختيار أن يكون الحب فعلًا، وأن يكون الدعم موقفًا واعيًا، وأن تتحول الحركة إلى لغة إنسانية جامعة، لا تميّز بين من يعيش التجربة ومن يساندها.
ضمن فريق "غطاريف الهمة" المشارك في ألعاب الماسترز أبوظبي 2026، تلتقي مسارات مختلفة حول نية واحدة. هنا، تجري لين المسعود لا بوصفها متعايشة مع التصلب المتعدد، بل كعدّاءة اختارت أن تكون سندًا. دعمها ليس نابعًا من تجربة شخصية مع المرض، بل من قناعة راسخة بأن التعاطف لا يحتاج إلى سبب مباشر، وأن الوقوف إلى جانب الآخرين هو أحد أنقى أشكال الحب. بالنسبة للين، الجري مساحة للتركيز والمعنى، ووسيلة لتحويل الإيمان بالدمج إلى فعل ملموس على الأرض.
إلى جانبها، تسبح أميرة الجابري بقصة مختلفة، لكنها لا تقل قوة. مسعفة أولى، وبطلة سابقة في المبارزة، وامرأة أعاد التصلب المتعدد رسم علاقتها بجسدها وبالعالم من حولها منذ سن مبكرة. لم تتعامل أميرة مع التشخيص كنهاية، بل كبداية لمسار أعمق من الوعي والصمود والعطاء. في الماء، كما في الحياة، وجدت مساحة للسلام الداخلي، ولإثبات أن أقسى التحديات قد تكون غير مرئية، لكنها لا تُنقص من الحضور أو القيمة.
يجمع فريق "غطاريف الهمة" أفرادًا متعايشين مع التصلب المتعدد وآخرين داعمين للمجتمع، يتنافسون في الجري، والسباحة، وركوب الدراجات. ورغم أن كل لاعب يشارك بشكل فردي، فإن الفريق ككل يجسد وحدة نادرة، تعكس تنوع مجتمع التصلب المتعدد وقوته، وتؤكد أن الحركة ليست حكرًا على أحد، بل مساحة مفتوحة للجميع.
في هذا الحوار، لا نتحدث عن الرياضة بوصفها إنجازًا، ولا عن الحب كمفهوم مجرد، بل عن الدعم كاختيار يومي، وعن الشراكة الإنسانية حين تتجاوز التجربة الشخصية لتصبح مسؤولية جماعية. بين من يركض دعمًا، ومن يسبح صمودًا، تتشكّل قصة تقول إن أبسط أشكال الحب… هو أن نكون حاضرين.
أميرة الجابري: ما لا يُرى قد يكون أثقل مما يُرى
التعايش مع التصلب المتعدد لم يُفقدكِ شغفكِ بالحياة أو بالعطاء. كيف تعرّفين الحب اليوم بعد هذه الرحلة؟
الحب بالنسبة لي لم يعد فكرة أو شعورًا مؤقتًا، بل ممارسة يومية. هو أن أكون حاضرة للآخرين، وأن أقدم الدعم حتى دون أن يطلب مني. بعد التشخيص بالتصلب المتعدد، فهمت أن الحب الحقيقي يظهر في الانتباه، وفي الوقوف إلى جانب من نحب وقت الضعف قبل القوة.
كيف تحول الألم الشخصي إلى طاقة تمنحينها للآخرين؟
التصلب المتعدد علمني معنى الألم الصامت. أدركت أن ما نراه على وجوه الناس لا يعكس دائمًا ما بداخلهم. لهذا أصبح هدفي أن أكون سببًا في تخفيف هذا الثقل عن الآخرين، حتى بابتسامة أو كلمة أو لحظة خفيفة. إسعاد من حولي لم يعد أمرًا عابرًا، بل رسالة أعيشها.
هل شعرتِ يومًا أن دعم الآخرين لكِ أعاد تعريف علاقتكِ بنفسك؟
نعم، وبشكل عميق. في البداية كنت أبحث عن الدعم من الآخرين، لكن مع الوقت أدركت أن أهم دعم يجب أن يأتي من الداخل. التعايش مع التصلب المتعدد علمني ألا أربط قوتي بانتظار أحد، بل بأن أكون سندًا لنفسي أولًا، ثم أفتح قلبي للدعم المتبادل من محيطي.
ما الذي تتمنين لو يفهمه المجتمع أكثر عن الحب تجاه الحالات غير المرئية؟
أتمنى أن يدرك الناس أن ما لا يُرى قد يكون أثقل مما يُرى. ليس كل ما يظهر يعكس الحقيقة، والإنسان قد تنقلب حياته في يوم وليلة. الرحمة، والتفهم، وعدم إطلاق الأحكام هي أبسط أشكال الحب، والشفاء دائمًا بيد الله.
كيف تصفين العلاقة التي نشأت بين أعضاء فريق "غطاريف الهمة"؟ وهل يمكن اعتبارها شكلًا من أشكال الحب الجماعي؟
هي علاقة جميلة وصادقة، قائمة على الاحترام والدعم المتبادل. هذا النداء من الجمعية الوطنية للتصلب المتعدد جمعنا في مساحة واحدة، ووحّدنا حول تجربة إنسانية مشتركة. تعلمنا أن الاختلاف لا يفرقنا، بل يجمعنا. لكل منا قصته، لكننا نلتقي في الهدف والنية، وهذا خلق بيننا رابطًا يشبه الحب الجماعي القائم على الثقة والتكافل.
في عالم يميل إلى الفردية، كيف يمكن للحب والدعم أن يصنعا مجتمعًا أكثر شمولًا؟
عندما يسود الحب والتعاون، لا يضطر أحد إلى أن يعاني بصمت أو خوف. الدعم المتبادل يخلق شعورًا بالأمان، ويجعل المجتمع أكثر إنسانية واحتواءً، خاصة لمن يمرون بتجارب صحية أو نفسية صعبة.
ما الرسالة التي تحمليها لكل من يظن أن الدعم لا يُحدث فرقًا؟
لو لم يكن الدعم مهمًا، لما حثّنا ديننا على الابتسامة والكلمة الطيبة. أحيانًا كلمة، أو نصيحة صادقة، أو حتى مزحة عابرة يمكن أن تغيّر يوم شخص كامل. الأشياء الصغيرة تصنع فرقًا كبيرًا، والدعم الحقيقي قد يبدأ بلحظة بسيطة لكنه يمتد أثره طويلًا.

لين المسعود.. الحب كفعل والدعم كاختيار واعٍ

أنتِ لا تتعايشين مع التصلب المتعدد، ومع ذلك اخترتِ أن تكوني مناصِرة. لماذا شعرتِ أن الدعم هو فعل من أفعال الحب؟
لأن الحب ليس مجرد شعور، بل فعل يومي. والمناصرة بالنسبة لي هي أن أختار الوقوف إلى جانب شخص ما ودعمه، حتى عندما لا تكون معاناته معاناتي. هي التزام وحضور واستمرارية، وليست موقفًا عابرًا.
كيف أثّرت هذه التجربة عليكِ إنسانيًا، بعيدًا عن الرياضة والإنجاز؟
غيرت هذه التجربة نظرتي إلى معنى القوة. لم يعد النجاح مرتبطًا بالنتائج أو الإنجازات فقط، بل بقيمة التواجد الحقيقي. أن أكون حاضرة بوعي واستمرار للأشخاص والقضايا التي تعني لي الكثير.
ماذا تعلمت عن التعاطف عندما يصبح خيارًا واعيًا، لا نتيجة تجربة شخصية؟
تعلمت أن التعاطف لا يحتاج إلى تجربة مشتركة. بل يصبح أصدق وأعمق عندما يكون اختيارًا واعيًا: أن نهتم، وأن نبقى قريبين، وأن ندعم الآخرين حتى وإن لم نمر بالتجربة نفسها.
كيف تصفين العلاقة التي نشأت بين أعضاء فريق "غطاريف الهمة"؟ وهل ترينها نوعًا من الحب الجماعي؟
قد لا نتشارك القصص نفسها، لكننا نتشارك النية. هذه النية المشتركة خلقت علاقة قائمة على الاحترام، والتعاون، والثقة، والهدف الواحد. ويمكن وصفها فعلًا بأنها شكل من أشكال الحب الجماعي.
في عالم يتجه أكثر نحو الفردية، كيف يمكن للحب والدعم أن يساهما في بناء مجتمع أكثر ترابطًا ودمجًا؟
عندما يختار الناس التعاطف ويلتزمون بدعم الآخرين باستمرار، يبدأ الأثر بالانتشار. هذه الأفعال الصغيرة، ومع الوقت، تصنع مجتمعات أكثر ترابطًا ودمجًا، قائمة على الفهم، والمحبة، والمسؤولية المشتركة.
ما رسالتك لمن يظن أن الدعم لا يحدث فرقًا؟
الدعم لا يقاس بلحظة واحدة، بل بالاستمرارية. الخيارات الصغيرة اليومية، والجهود الهادئة، تتحول مع الوقت إلى قوة حقيقية تحدث التغيير خطوة بخطوة.

