اري مييو وسيريك دورلو وأولادهما

خاص "هي": أكثر من قصة حب.. ماري مييو وسيريك دورلو والحياة مع التصلب المتعدد

جويل تامر

في بعض العلاقات، لا يُقاس الحب بما يُقال، بل بما يُلاحظ. بنظرة تلتقط الإرهاق قبل أن يُذكر، وبصمتٍ يُفهم قبل أن يُفسَّر. هكذا تبدو حياة ماري مييو مع سيريك دورلو، حيث لا تحتاج المشاعر إلى شرح طويل، لأن الفهم كان حاضرًا منذ البداية.
منذ أكثر من عشر سنوات، دخل التصلب المتعدد حياة ماري كحقيقة صحية غير مرئية، أعادت ترتيب التفاصيل الصغيرة: إيقاع الأيام، حدود الطاقة، وحتى معنى القوة نفسها. ومع سيريك، لم يتحول هذا التشخيص إلى عبء على العلاقة، بل إلى مساحة أعادت تعريف الشراكة، شراكة تقوم على حضور هادئ يعرف متى يتقدم ومتى يفسح المجال، ومتى يكتفي بالإنصات.

اليوم، يمتد هذا الفهم من الحياة الخاصة إلى فعل جماعي ملموس، من خلال مشاركة الزوجين ضمن فريق "غطاريف الهمة" الذي تمثل به الجمعية الوطنية للتصلب المتعدد مشاركتها في ألعاب الماسترز أبوظبي 2026. فريق يجمع متعايشين مع التصلب المتعدد وداعمين للمجتمع، ويتنافس في رياضات الدراجات الهوائية، والسباحة، والجري، في تجسيد حي لمعنى الحركة بوصفها مساحة جامعة لا تستثني أحدًا.

1
يضم الفريق كلاً من أميرة الجابري، وديبورا دن، ومحمد الحربي، وماري مييو، وسيريك دورلو، ولين المسعود، ومحمد سليم. ورغم أن كل لاعب يشارك بشكل فردي، إلا أن الفريق ككل يعكس وحدة حقيقية تعبّر عن صمود مجتمع التصلب المتعدد، وتنوعه، وقوته. هنا، لا تُقاس المشاركة بالأرقام أو النتائج، بل بالقدرة على الظهور، والاستمرار، والتحرك معًا.

تأتي هذه المشاركة ضمن مبادرة «تحرّك للتصلب المتعدد»، التي تسعى إلى جعل الحركة لغة مشتركة تفتح باب الحوار وتعيد رسم صورة المتعايشين مع التصلب المتعدد كأفراد حاضرين ومندمجين في نسيج المجتمع. وبالنسبة لماري وسيريك، الرياضة ليست استعراض قوة، بل امتداد طبيعي لشراكتهما — طريقة للبقاء في الحركة معًا، مهما تغيّرت الظروف.

في هذا الحوار الخاص بـ"هي"، لا يتحدث الزوجان عن المرض بوصفه تحديًا فقط، ولا عن الحب كحالة مثالية، بل عن الشراكة كمسار طويل من الانتباه والثقة، وعن الحركة كمساحة إنسانية تسمح بالضعف كما تسمح بالقوة. وفي شهر الحب، تبدو هذه القصة تذكيرًا هادئًا بأن أقوى أشكال الحب، غالبًا، هي تلك التي تُعاش بصمت.

ماري مييو: الحب لا يُقاس بالقوة، بل بالحضور والاحتواء والمساندة المشتركة

2
كثيرًا ما يوصف التصلب المتعدد بأنه حالة ذات أعراض غير مرئية. كيف أثر ذلك على علاقاتك بزوجك؟

منذ تشخيصي بالتصلب المتعدد ظهرت الكثير من الأعراض غير المرئية، مثل الإرهاق أو التغيرات التي لا يلاحظها الآخرون بسهولة. وهذا قد يجعل من الصعب على المحيطين بي من أهل أو أصدقاء فهم ما أعيشه يوميًا، وقد يؤدي أحيانًا إلى افتراض أنني بخير في الوقت الذي أعاني فيه من تحديات صحية.

عادةً لا أشعر بالحاجة إلى شرح هذه التفاصيل للآخرين، لكن الأمر مختلف تمامًا مع سيريك زوجي، فمعه لا أحتاج إلى التبرير أو الشرح؛ فهو يدرك متى يشتد علي إرهاق التصلب المتعدد، ومتى لا أكون بخير. هذا الفهم المتبادل هو أساس علاقتنا، ويظهر في دعمه اليومي، سواء في رعاية الأطفال، أو إدارة شؤون الحياة، أو تشجيعي على نيل قسط من الراحة عندما أحتاجها.


في ظل تعايشك مع التصلب المتعدد؛ ما دور تقبل الذات والظروف الصحية في بناء علاقة متوازنة وصادقة مع سيريك؟
منذ لحظة التشخيص، قالت لي صديقة قريبة جدًا: "أنتِ لستِ مريضة". تركت هذه الجملة أثرًا عميقًا فيّ، ودفعتني لأن أتعامل مع التصلّب المتعدد كجزء من حياتي، لا كتعريف يختصرني. وكان هذا القبول خطوة أساسية في بناء قوتي وصمودي، وفي تعزيز حياتنا معًا كأسرة تقوم على التفاهم والدعم. أنا وسيريك نتحدث عن التصلب المتعدد بوضوح، والآن أيضًا مع أولادنا التوأم بعدما أصبحا قادرين على الفهم. التواصل الصريح هو الأساس في الترابط العاطفي الذي بنيناه معًا.

3

بين الأمومة والعمل والرياضة والاهتمام بالصحة، ماذا تعلمت عن طلب الدعم دون الشعور بفقدان الاستقلالية؟
ما زلت أتعلم كيف أطلب المساعدة. التصلب المتعدد جعلني قوية ومصممة، لكنني أحيانًا أنسى أن أستمع لجسدي. مررت بفترة ضغط كبيرة أدركت خلالها أنني لا أستطيع القيام بكل شيء وحدي. تعلّمت أن طلب الدعم لا يقلل مني، بل يساعدني على الاستمرار. وجود سيريك إلى جانبي جعل هذا الدرس أسهل وألطف. وما زلت أتعلم ذلك، بفضل دعمه واهتمامه الصادق.

 بعد أكثر من 10 سنوات من التعايش مع التصلب المتعدد، كيف تغير مفهومكِ عن الحب؟ هل أصبح الحضور والتواجد أهم من القوة؟
بالنسبة لي، الحب لا يُقاس بالقوة، بل بالحضور والاحتواء والمساندة المشتركة. حضور سيريك الدائم، بعنايته الهادئة وفهمه للتحديات التي أواجهها، هو ما يصنع الفارق الحقيقي في حياتي. هذا الحضور يعني لي أكثر من أي مظاهر كبيرة.

سيريك دورلو: دوري ليس أن أحمي ماري من الحياة، بل أن أكون إلى جانبها فيها

4


تصف التصلب المتعدد بأنه حالة صامتة. كيف غير ذلك طريقة استماعك، ليس فقط لماري، بل لمن حولك؟
علمني تعايش زوجتي ماري مع التصلب المتعدد أن الاستماع لا يقتصر على الكلمات فقط. مع ماري، أصبحت ألاحظ الأمور الصغيرة، مثل مستوى طاقتها، وصمتها، وتغيّر مزاجها. فالتصلب المتعدد لا يكون واضحًا دائمًا، ولهذا يصبح الحضور والانتباه أمرين مهمين. الأهم هو أن نشعر بما يمر به الآخر، وأن نتصرف بناءً على هذا الإحساس.
هذا الفهم امتد أيضًا إلى علاقتي بمن حولي، مع أطفالنا، وأصدقائي، وزملائي في العمل. صرت أحاول أن أسمع ما وراء الكلام، وأن ألاحظ متى يكون شخص ما بحاجة إلى دعم، حتى لو لم يعبّر عن ذلك بالكلام. هذا جعلني أكثر صبرًا، وأكثر وعيًا في طريقة تواصلي مع الآخرين.

كزوج وأب وقائد في العمل، كيف تنقل مفهوم التعاطف من الحياة الخاصة إلى المجال العام؟
بصراحة؛ لم أكن دائمًا بهذا القدر من التعاطف والتفهم. فكان تعايش زوجتي ماري مع التصلب المتعدد نقطة تحول بالنسبة لي. بدأ الأمر في البيت، حيث تعلمت من تجربتي مع ماري وأطفالنا أن كل شخص يحمل شيئًا يثقله، حتى وإن لم يكن ظاهرًا، مثل الضغط أو الخوف أو القلق.

في بيئة العمل، أحاول أن أقود بنفس هذا الروح. هذا لا يعني خفض التوقعات، بل خلق مساحة يشعر فيها الجميع بالتقدير والاحترام والدعم. وعندما يكون التعاطف حاضرًا، تنمو الثقة بين أفراد الفريق، ويتحسن الأداء بشكل طبيعي وملموس.

6

كيف توازن بين رغبتك في حماية شريكة حياتك واحترام قوتها واستقلاليتها؟
مازلت أتعلم هذا التوازن كل يوم. ماري إنسانة قوية وبطبيعتها لديها عزم وتصميم، وأنا أحترم استقلاليتها كثيرًا. دوري ليس أن أحميها من الحياة، بل أن أكون إلى جانبها فيها، أشاركها الرأي، وأقدم الدعم عندما تحتاجه. أحيانًا يكون الدعم في التدخل، وأحيانًا أخرى في التراجع والثقة بقراراتها. المساعدة أو الدعم لا يعني السيطرة، بل التواجد إلى جانبها في الوقت المناسب.
مرت ماري، العام الماضي، بالكثير من التحديات، ولهذا وجدت نفسي أدعمها أكثر. واليوم، مشاركتنا معًا في ألعاب الماسترز هي امتداد طبيعي لهذه الرحلة التي نخوضها.

 ما أهم درس تعلمته عن الحب خلال هذه الرحلة الطويلة، درس ربما لم تكن لتتعلمه في ظروف أخرى؟
تعلمت أن الاستمرارية أهم من القوة أو اللحظات الكبيرة. فالحب لا يقوم على الكلمات الجميلة أو المواقف البطولية، بل على التواجد اليومي، حتى في الأيام الصعبة أو غير المريحة.
هذه الرحلة علمتني أننا يمكناء بناء الحب من الأفعال الصغيرة، ومن الصبر، والتفهم، ومشاركة الحياة معًا. ولا أعتقد أنني كنت سأفهم عمق هذا المعنى لولا هذه التجربة، وأتمنى أن يحمل أولادنا هذا الدرس معهم طوال حياتهم.

الشراكة لغة الحب

7


 أنتما عضوان في فريق "غطاريف الهمة". كيف أثرت الحركة والنشاط والرياضة على معنى الشراكة بينكما؟
على مدى الأشهر الأربعة الماضية، تحركنا بالإيقاع نفسه. كنا نستيقظ معًا في الساعة 5:30 صباحًا ونتوجه إلى المسبح قبل بدء يوم العمل. تدربنا، وتعلمنا، وتحدينا أنفسنا معًا وهذه دعم علاقتنا أكثر.
الأهم من ذلك أننا كنا سندًا لبعضنا في لحظات التعب. بعض الأيام كانت أصعب من غيرها، لكن عندما يشعر أحدنا بالإحباط، يكون الآخر حاضرًا دائمًا للتشجيع ورفع المعنويات.
كانت رحلة طويلة، ولسنا رياضيين محترفين، كما أن ماري لم تكن تعرف السباحة الحرة في البداية، لكننا التزمنا بجميع الحصص التدريبية. ومع تبقي أيام قليلة على انطلاق المنافسة التي ننتظرها، نشعر بفخر كبير لما حققناه ولتمثيل الجمعية الوطنية للتصلب المتعدد ومجتمعها. فهذه التجربة لا تتعلق بالأداء بقدر ما تتعلق بإنجاز مشترك خضناه معًا.

في شهر الحب، ما الرسالة التي ترغبان في توجيهها للأزواج الذين يواجهون تشخيصًا صحيًا غير متوقع للمرة الأولى؟
نقول لهم... عيشوا التجربة بطريقتكم الخاصة، وواصلوا حياتكم بما يناسبكم. بالثقة، والشجاعة، والدعم المتبادل المستمر، يمكنكم بناء حياة أسرية كاملة وسعيدة وذات معنى. واجهوا التحدي معًا، وعيشوه معًا، فأنتم فريق واحد.