من التردد إلى الثقة: إليكِ خطة محكمة لتطوير مهارات صنع قراراتكِ باستمرار
هل تعلّمين أنكِ في كل مرة تقررين فيها قرارًا بوعي وثبات، أنتِ لا تختارين مسارًا فحسب، بل تبنين عضلات الثقة، تنحتين منحوتة هويتكِ، ترسمين حدودًا يحترمها العالم من حولكِ، وتصنعين قدوة لأختكِ، ابنتكِ، وصديقتكِ؟. نعم، لأن هذا هو الفرق بين التردد الذي سيجعلكِ ضيفة في قصة حياة كُتبت بإيحاءات الآخرين، وبين القرار الواعي الذ سيجعلكِ كاتبة السيناريو، والمخرجة، والبطل الرئيسي لصنع قرارات حاسمة.
عمومًا، أنا لا أشجعكِ اليوم على أن تكوني قاسية أو متصلبة القرار. بل سأساعدكِ على أن تكوني حرّة من فخ التردد الذي يسرق منكِ الأيام ويخفي عنكِ سنوات، حرّة من صوت الشك الداخلي الذي يهمس: "ربما ليس هذا وقتكِ"، وحرّة لترسمي مسار حياتكِ بخطوط واضحة أنتِ من يرسمها وليس غيركِ، بإتقانكِ مهارة واحدة ستحوّل كل شيء في حياتكِ للأفضل، آلا وهي "فن صنع القرار".
وبما أن الأمر لا يتعلق باتخاذ القرارات الكبيرة فجأة؛ بل يتعلق بشجاعة البدء. بقرار اليوم، وبغد، وبعد غد. حتى تصبح هذه الشجاعة عادة، والعادة هوية، والهوية إرثًا تتركينه وراءكِ. ولأن العالم ينتظر بصمتكِ الفريدة، قوتكِ المميزة، وقراراتكِ التي لا تشبه قرارات أحد سواكِ.
لذا، سأطلعكِ عبر موقع "هي" على أبرز مهارات صنع القرار التي يجب أن تطورها المرأة باستمرار، وخطة عملية محكمة للاستفادة منها في جميع أمور حياتكِ؛ بناءً على توصيات استشاري التنمية البشرية الدكتور مصطفى الباشا من القاهرة.
مهارات صنع القرار.. تطويرها لدى المرأة استثمارًا لمستقبل أكثر توازنًا

ووفقًا للدكتور مصطفى، تطوير مهارات صنع القرار لدى المرأة ليس ترفًا، بل ضرورة حتمية لتنمية شخصيتها المتطورة. لأن شخصيتها عندما تتحول من التردد إلى الثقة، فهي لا تنتصر فقط على مخاوفها الداخلية، بل تساهم في تغيير الثقافة المجتمعية ككل، لتصبح نموذجًا يُحتذى به للأجيال القادمة، واستثمارًا لمستقبل أكثر توازنًا وعدلًا على جميع المستويات. أما عن أبرز مهارات صنع القرار التي يجب أن تطورها المرأة باستمرار، فهي كالتالي:
مهارات عاطفية المرتبطة بالذكاء الوجداني
- الوعي الذاتي من خلال فهم المشاعر الشخصية وتأثيرها على القرارات.
- إدارة العواطف وعدم السماح للمشاعر المؤقتة بحسم قرارات مصيرية.
- فهم مشاعر الآخرين المعنيين بالقرار من دون التفريط في المصلحة الشخصية.
- المرونة النفسية من خلال القدرة على التكيف مع النتائج غير المتوقعة.
مهارات الحدس والتوازن
- الحدس المدعوم بالمنطق من خلال الموازنة بين المشاعر الداخلية والتحليل الموضوعي.
- التوازن بين القلب والعقل وعدم إهمال أي منهما في عملية صنع القرار.
- الاستبصار من خلال توقع النتائج والتطورات المستقبلية.
- التركيز على الجوهر وتمييز الأساسيات من التفاصيل الثانوية.
مهارات التواصل والتأثير
- الحزم وليس العدوانية، والتعبير عن الرأي بوضوح واحترام.
- الاستماع الفعال وفهم وجهات النظر المختلفة قبل الحكم.
- التفاوض والوصول إلى حلول وسط تحقق المصالح الأساسية.
- التأثير الإيجابي دومًا، وخصوصًا كسب دعم الآخرين للقرارات المهمة.
مهارات الشجاعة والثقة
- تحمل المخاطر المحسوبة والشجاعة في اتخاذ قرارات جريئة بعد دراسة متأنية.
- التحمل النفسي من خلال الصمود أمام النقد والضغوط الاجتماعية.
- الثبات والالتزام بالقرار مع المرونة الكافية للتعديل إذا لزم الأمر.
- الجرأة الأخلاقية باتخاذ قرارات صحيحة أخلاقيًا.
مهارات التعلم والتطوير المستمر
- التعلم من التجارب وتحليل القرارات السابقة (الناجحة والفاشلة).
- التغذية الراجعة وطلب النقد البناء وتقبله بصدر رحب.
- التحديث المعرفي بمواكبة المعلومات الجديدة في مجال التخصص.
- التأمل وتخصيص وقت للتفكير العميق قبل القرارات المصيرية.
مهارات تحليلية وتقييمية
- تحليل المعلومات، القدرة على جمع البيانات وتحليلها بشكل موضوعي.
- تقييم المخاطر وحساب الاحتمالات والنتائج المحتملة بدقة.
- التفكير النقدي وتمييز الحقائق من الآراء والمشاعر.
- تحديد الأولويات "ما هو ضروري مقابل ما هو ثانوي".
مهارات التفويض والثقة بالآخرين
- معرفة متى تفوض من خلال فهم أن القائد الناجح لا يتخذ كل القرارات بنفسه.
- بناء فريق موثوق واختيار أشخاص أكفاء للمساعدة في عملية صنع القرار.
- الثقة بالخبراء والاستعانة بالخبراء في المجالات المتخصصة.
- إشراك المعنيين في القرار عند الحاجة.
مهارات التخطيط والرؤية الاستراتيجية
- التفكير الاستراتيجي من خلال رؤية الصورة الكبيرة والنتائج بعيدة المدى.
- تحديد أهداف محددة، قابلة للقياس، قابلة للتحقيق، واقعية، ومحددة زمنيًا.
- التخطيط للطوارئ ووضع خطط بديلة.
- إدارة الوقت من خلال تحديد الإطار الزمني المناسب للقرار وتنفيذه.
مهارات صنع القرار مساركِ في طريق النمو المستمر بهذه الخطة المحكمة

وتابع دكتور مصطفى، بما أن تطوير هذه المهارات ليس حدثًا لمرة واحدة، بل رحلة مستمرة من النمو والتطور. ولأن كل قرار تتخذه المرأة يمثل فرصة لممارستها وتقويتها، مما يبني سجلًا حافلًا من الخبرات التي تزيد من حكمتها وثقتها في المستقبل؛ لذا يمكن لأي امرأة اتباع الخطة المقدمة لتطوير مهارات صنع القرار لديها في جميع أمور حياتها، وذلك على النحو التالي:
المرحلة الأولى.. التشخيص والوعي الذاتي
-
افهمي أنماطكِ الحالية.
- احتفظي بمفكرة قرارات وسجلي 3-5 قرارات يومية وصغيرة، ولاحظي: "كم الوقت الذي استغرقته؟، ما المشاعر التي رافقت القرار؟، هل استشرتِ أحدًا؟ لماذا؟".
- حددي نمطكِ السائد "هل أنتِ مترددة؟ منفعلة؟ متسرعة؟ تواكلية؟".
- اكتشفي مخاوفكِ الخفية "الخوف من الخطأ؟ النقد؟ تحمل المسؤولية؟".
-
حلّلي بيئتكِ الداعمة والمعيقة
- ارسمي خريطة الدعم "من يشجعكِ على القرارات المستقلة؟".
- تعرفي على الضغوط "ما التوقعات الاجتماعية التي تثقل قراراتكِ؟".
المرحلة الثانية.. بناء الأدوات الأساسية
-
استخدمي إطار عملي لصنع القرار (نموذج الـ 5 خطوات)
- الخطوة الأولي: استخدمي التحديد الواضح واسألي نفسكِ: (ما المشكلة الحقيقية؟) وليس (ما الأعراض؟). على سبيل المثال: بدلًا من "أنا غير سعيدة في عملي" قولي "ما العنصر المحدد الذي يسبب عدم السعادة؟".
- الخطوة الثانية: اجمعي المعلومات الذكية من مصادر متنوعة (لا تعتمدي على مصدر واحد)، ميزي بين الحقائق والآراء، وحدّدي ما يكفي من المعلومات لكن تجنبي "شلل التحليل".
- الخطوة الثالثة: اطرحي 3 خيارات على الأقل (حتى لو بدا أحدها غير تقليدي)، واستخدمي تقنية "ماذا لو؟" لفتح الاحتمالات.
- الخطوة الرابعة: التزمي بالتقييم المنظم من خلال وضع قائمة (إيجابيات/سلبيات) مع الترجيح (ما الأهم؟)، اختبري المستقبل (تخيلي نتائج كل خيار بعد سنة)، كذلك اختبري القيم (أي خيار يتوافق مع قيمكِ الأساسية؟).
- الخطوة الخامسة: نفّذي بحّسم من خلال وضع خطة عمل واضحة (من؟ ماذا؟ متى؟)، وحددي نقاط مراجعة (متى تقيمين النتائج؟).
-
مارّسي تقنيات يومية للتدريب
- استخدمي قاعدة الدقيقتين "ابدئي باتخاذ قرارات صغيرة في دقيقتين (ماذا ترتدين؟ ماذا تأكلين على الغداء؟)".
- تدّربي على الرفض (مارسي قول "لا" لقرار واحد يوميًا لا يتوافق مع أولوياتكِ).
- استفيدي من لعبة الاختيار السريع. على سبيل المثال: "في المطعم، اختاري طعامكِ في 3 دقائق كحد أقصى".
المرحلة الثالثة.. تطوير العقلية القيادية
-
أعّيدي برمجة المعتقدات
- بدلًا من "يجب أن يكون قراري مثاليًا، قولي"قراري الأفضل بناءً على المعلومات المتاحة".
- بدلاً من "الخطأ فشل"، قولي"الخطأ بيانات للتعلم".
-
ابّني جسر تحمل المخاطر
- ابدئي بالمخاطر الصغيرة "جربي طريقًا جديدًا للعمل".
- اختاري تحديًا شهريًا خارج منطقة الراحة (دورة تعليمية، مشروعًا جديدًا).
- حضّري خطة طوارئ مع كل قرار، لتخفيف خوف الفشل.
-
طوّري حسّكِ
- مارّسي التأمل 5 دقائق يوميًا لسماع صوتكِ الداخلي.
- احتفظي بسجل للحدس "متى كان صحيحًا؟ متى أخطأ؟ وكيف ميزتِ؟".
- اسألي نفسكِ قبل النوم "ما شعوري الداخلي تجاه هذا القرار؟".
المرحلة الرابعة.. بناء نظام دعم استراتيجي
-
استفيدي من التركيبة الذكية للمشورة من خلال:
- اعتمدي على مجلس حكمتكِ الشخصي، المكون من "3-5" أشخاص من مجالات وخلفيات مختلفة.
- حدّدي دور كل مستشار "الخبير التقني، صديقة وافية، والمرشدة الحكيمة".
- تذكري دومًا أنكِ "تستشيرين ثم تقررين أنتِ".
-
استفيدي من البيئة المحفزة
- اقرأي سّير نساء صانعات قرار (محلية وعالمية).
- شاركي في مجموعات دعم أو ورش عمل متخصصة.
- ابحثي عن مرشدة تتمتع بحكمة القرار.
المرحلة الخامسة.. التطوير المستمر
-
اتبّعي نظام المراجعة والتغذية الراجعة
- راجّعي أسبوعيًا "ما القرارات التي اتخذتِ؟ ما النتائج؟ ما الدروس؟".
- حلّلي النجاحات "لماذا نجح هذا القرار؟ (لتعيديه).
- حلّلي التحديات "ماذا تعلمتِ من القرارات الأقل نجاحًا؟".
-
اعتمدي على مستويات التحدي
- المستوىى الأول "قرارات شخصية يومية".
- المستوى الثاني "قرارات مهنية متوسطة".
- المستوىى الثالث "قرارات مصيرية (تغيير مهني، استثمارات)".
- المستوى الرابع "قرارات تؤثر في الآخرين (فريق، أسرة).
-
احتّفي بنفسكِ
- كافئي نفسكِ على جرأة اتخاذ القرار (ليس فقط على النتيجة).
- انشري ثقافة القرار في محيطكِ (تشجيع الآخرين)
- كوني مرشدة لامرأة أخرى في بداية رحلتها.
على الهامش.. نصائح استثنائية للمرأة العربية تحديدًا لتطوير مهارات صنع القرار بفعّالية

- تمسكّي بقيمكِ الأصيلة ولكن بطريقتكِ أنتِ.
- استفيدي من حكمة الأكبر سنًا مع إضافة رؤيتكِ العصرية.
- تعلّمي تقديم قراراتكِ بطريقة تحترم البيئة المحافظة من دون التفريط في المضمون.
- استخدمي لغة "المصلحة المشتركة" عند شرح قراراتكِ.
- ابحثي عن حلفاء داخل العائلة والدائرة الاجتماعية.
- كوني الجسر بين الأجيال في مفاهيم صنع القرار.
وأخيرًا، تذكّري دومًا أن تطوير مهارة صنع القرار يشبه بناء العضلات. يبدأ بأوزان خفيفة (قرارات صغيرة)، ويتطلب تمرينًا منتظمًا (ممارسة يومية)، ليثمر قوة دائمة (ثقة لا تتزعزع). ليكون صنع القرار لديكِ قائم على (اليوم قرار، وغدًا عادة، وبعد غدّ هوية). لذا، ابدئي من حيث أنتِ، وبما تملكين. فأعظم رحلات القيادة تبدأ بقرار واحد: "قرار البدء".