عمل لصفية بن زقر يحقق أعلى سعر في تاريخ الأعمال الفنية السعودية
في لحظة مفصلية من تاريخ المزادات الفنية، سجّل الفن السعودي حضورًا استثنائيًا بعد أن حقق عمل الفنانة السعودية الرائدة صفية بن زقر "مقهى في طريق المدينة" أعلى سعر لعمل فني سعودي يُباع في مزاد عالمي. العمل، الذي طُرح بتقدير يتراوح بين 150 و200 ألف دولار، بيع مقابل 2,063,000 دولار، في قفزة تعكس تحولًا عميقًا في موقع الفن السعودي داخل السوق الفنية الدولية.

هذا الإنجاز تحقق خلال مزاد Origins II الذي نظمته دار Sotheby’s في الدرعية، ضمن نسخته الثانية. تتجاوز تفاصيل الصفقة كونها رقمًا قياسيًا. فهي تعكس إعادة تقييم حقيقية لأعمال صفية بن زقر، بوصفها إحدى المؤسِّسات الأوائل للحركة التشكيلية السعودية، وواحدة من أهم من وثقوا الحياة الاجتماعية والثقافية المحلية بريشة واعية وذاكرة دقيقة.
يتجلى هذا التوجه بوضوح في رؤية صفية بن زقر وموقفها الواعي من دور الفن بوصفه أداة للتوثيق الثقافي، إذ كانت قد وضحت في السابق رؤيتها عن المعرض: "بعد أن لاحظتُ أن أكثر اللوحات إعجابًا في معرض عام 1968 كانت تلك التي تصوّر الصحراء والحياة اليومية في المملكة العربية السعودية، قرّرت أن أستخدم فرشاتي لتوثيق التقاليد والعادات الاجتماعية المتغيّرة في بلادي".

يتقاطع هذا الحدث مع لحظة ثقافية خاصة، إذ يأتي بعد عام من رحيل صفية بن زقر، وفي سياق تكريم ممتد لإنجازاتها. وهو ما أعادت مجلة هي التأكيد عليه في عدد سبتمبر 2025، الذي خُصص للفن السعودي، واحتفى بتجارب رواده، واضعًا صفية بن زقر في قلب هذا السرد، ليس فقط كفنانة، بل كشاهدة على التحولات الاجتماعية، وكمؤسسة لذاكرة بصرية ما زالت تُلهم أجيالًا جديدة.
والجدير بالذكر أن "هي" احتفت بذكرى وفاة الراحلة الأولى حيث قدمت د.إيمان الجبرين لـ "هي" قراءة مفصلة وعميقة عن فن صفية بن زقر، فتقول: إن جميع لوحاتها التي مثّلت فيها المرأة، كانت صفية كأنها تقول: "انطلقن"، لم تكن المرأة جسدا مرسوما، بل قوة اجتماعية وروحا حاضرة: في الأسواق، في حفلات الزواج، في الأمسيات العائلية، وفي مشاهد الحِرف اليدوية، في السعي المهني، وكأنها تعيد كتابة سيرة مجتمع بريشة أنثوية حرة.

صفية.. معلم حياة وباحثة في عمق التاريخ
تقول الدكتورة إيمان الجبرين التي عاصرتها طوال فترة كتابة رسالة الدكتوراه التي كرستها للاحتفاء بمسيرة صفية بن زقر: "والله كانت بالنسبة إلي معلم حياة. محادثاتي معها كانت مهمة جدا في فترة شعرت فيها بأنني وحيدة وضائعة. كانت تنصحني بلا قصد، وتطمئنني بأن اختياراتي صحيحة. أهم درس تعلمته منها أن تكوني انتقائية وألا تنساقي وراء الضغوط، لأن الاستمرارية تحتاج إلى صبر ووعي".
وتضيف: "علمتني صفية أن السباق مع نفسك، وأن الحواجز التي يجب أن تتجاوزيها هي تلك التي تحددينها أنتِ، لا غيرك". تروي الدكتورة إيمان أن صفية لم تكتفِ بالرسم، بل حملت على عاتقها مهمة البحث وإعادة رسم التاريخ. ارتادت مكتبات لندن، وبحثت في الوثائق والصور، ثم أعادت رسم الماضي بتفاصيل أدق. ويعد كتاب "درزة" من تأليفها مرجعا للأزياء التقليدية، وأول توثيق بصري حي يحفظ هُوية المجتمع بألوانه وزخارفه وأصالته.