خاص لـ"هي": صالح العجمي… حين تتحول المادة والمكان إلى أساس العمل الفني

خاص لـ"هي": صالح العجمي… حين تتحول المادة والمكان إلى أساس العمل الفني

18 مارس 2026

ليست كل محاولات استحضار الهوية تنجح في تجاوز الشكل، إذ تتحول الرموز أحيانًا إلى عناصر جاهزة لا تغيّر التجربة. في أعمال صالح العجمي، المعماري والفنان متعدد التخصصات، تبدو المقاربة مختلفة؛ فالهوية لا تُقدَّم كصورة، بل تُبنى انطلاقًا من المادة والمكان.

يعمل العجمي في الرياض على تطوير أعمال تستلهم العمارة السعودية والتراث المحلي، مستخدمًا مواد مثل المعدن، الحجر، والألياف الزجاجية، إلى جانب الرسم الرقمي. منذ تخرجه عام 2017، قدّم أعماله في معارض ومشاريع داخل المملكة، من بينها “إثراء” وأسبوع التصميم السعودي، إضافة إلى أعمال في الفضاء العام.

ضمن هذا السياق، تتنوع أعماله بين قطع فنية ومجسّمات عامة، لكنها تلتقي عند محاولة واحدة: إعادة صياغة العلاقة بين العمل والمكان. ويشكّل “شطرنج الغراميل” مدخلًا لفهم هذه المقاربة، قبل الانتقال إلى بقية أعماله التي تتغير فيها طريقة التلقي بحسب السياق.

يفتتح العجمي حديثه لـ"هي" قائلاً: “لا أرى العمارة والفن كمسارين منفصلين أو حالة ازدواجية، بل كمساحتين متقاطعتين تُعبّر إحداهما عن الأخرى. في العمارة، نحن مطالبون بالتعامل مع الواقع والقيود، أما الفن فيمنحني مساحة حرّة للتجربة وطرح الأسئلة دون الحاجة إلى إجابات نهائية.”

شطرنج الغراميل: من لعبة إلى تجربة مكانية

بعض الأعمال الفنية، لا تبدأ الفكرة من الشكل النهائي، بل من سؤال بسيط: ماذا لو تغير السطح الذي نقف عليه؟ ماذا لو لم تعد اللعبة ثابتة، بل مرتبطة بالمادة التي تُبنى منها وبطبيعة المكان الذي تنتمي إليه؟

من هذا السؤال، يتشكل “شطرنج الغراميل” تدريجيًا. أولًا، اختيار المادة وهنا جاءت تراب العلا بما يحمله من دلالة مكانية وزمنية. ثم تأتي القاعدة، غير مستوية، مقعرة، تحاكي تضاريس الكثبان الرملية، لتعيد تعريف سطح اللعب نفسه حيث يصبح اللعب امتدادًا للمكان، لا منفصلًا عنه. 

صالح العجمي
شطرنج الغراميل إصدار محدود من البازلت (البركاني) باللون الأسود مستوحى من صخور البازلت البركانية في العلا

يوضح العجمي لـ"هي" قائلاً: “لم يكن التميز بالنسبة لي اختلافًا شكليًا بقدر ما هو خلق تجربة سعودية أصيلة. العمل مصنوع من تراب العلا، وقاعدته ليست مستوية، بل مقعّرة تحاكي تضاريس الكثبان الرملية، بحيث تصبح كل حركة امتدادًا للمكان.”

بعد ذلك، تبنى العلاقة بين القطع والسطح، بحيث لا تعود الحركة مجرد انتقال من نقطة إلى أخرى، بل استجابة لانحدار، لثقل، ولطبيعة غير مستقرة فرضت تحديات تقنية مباشرة، خاصة في تثبيت مادة طبيعية على سطح غير مستقر. 

وعلى ذلك يقول صالح: “كان التحدي الأكبر هو خلق أسلوب لعب غير مستنسخ، لا يكتفي بالشكل أو الرمز. واجهنا تحديات تقنية عديدة، أبرزها تثبيت القطع المصنوعة من تراب العلا على قاعدة غير مستوية، باستخدام حلول دقيقة تحافظ على نقاء التجربة البصرية والإحساس بالمادة.”

حين يفرض المكان لغته: الأعمال في الفضاء المفتوح

في الأعمال المفتوحة، لا يكون الموقع عنصرًا إضافيًا، بل جزءًا من تكوين العمل نفسه. هذا يظهر بوضوح في “رمز الهمة”، حيث لم يكن الشكل قرارًا حرًا، بل استجابة مباشرة لطبيعة المكان وامتداده.

صالح العجمي
منحوتة “رمز الهمة” في اليوم الوطني 2020 في مدخل الهيئة الملكية لمدينة الرياض

يوضح قائلاً: “لم يكن الموقع خلفية للعمل، بل المرجع الذي فرض اللغة والشكل. جاء العمل عموديًا ليحاكي جبال طويق، وتكوّن من 9 أعمدة تحتوي كل منها على 10 شرائح، في إشارة مباشرة إلى اليوم الوطني التسعين، ليشكّل صورة بصرية تعبّر عن ‘الهمة’.”

اللغة كأثر بصري: السجادة الدادانية

في السجادة الدادانية، تنطلق الفكرة من ملاحظة واقعية، لكنها تقود إلى سؤال أوسع حول تمثيل المكان بصريًا. غياب منتجات تعكس هوية العلا لم يُقابل بمحاولة ملء الفراغ بشكل زخرفي، بل بتجربة تحاول التعامل مع اللغة الدادانية كأثر، لا كزخرفة.

صالح العجمي
السجادة الدادانية

وعلى ذلك يقول: “كانت الفكرة نابعة من تجربة شخصية، حين لاحظت غياب أي سجاد مستوحى من العلا. لم يكن الهدف إعادة إحياء اللغة بشكل أكاديمي، بل التعامل معها كأثر بصري يحمل دلالة ثقافية، دون مبالغة أو توظيف زخرفي فارغ.”

المادة كجزء من المعنى

هذا الفهم يظهر بشكل أوضح في علاقته بالمواد، حيث لا تُستخدم كوسيلة تنفيذ فقط، بل كجزء من بناء العمل. يوضح العجمي: “المادة ليست وسيلة تنفيذ فقط، بل جزء من الفكرة. الرمل يرتبط بالمكان والزمن، الحجر بالثبات، الحديد بالقوة، والنسيج بالإنسان. أحيانًا تقودني المادة إلى شكل العمل، لتصبح لغة بحد ذاتها.” ومن خلال هذا التعامل مع المادة، والمكان، والرمز، تتشكل طريقته في استدعاء الهوية ليس كعنصر جاهز، بل كعملية مستمرة.

صالح العجمي
من أعمال العجمي، طاولة منحوتة من التراث السعودي “المقصب” إلى مساحة المعيشة العصرية محاطة بتصميم هندسي أنيق وحديث وسطح أزرق ملكي نابض

الهوية بين الصدق والتكرار

في النهاية، لا تكمن المسألة في استخدام الرموز بحد ذاتها، بل في طريقة التعامل معها. يقول: “يكون استدعاء الهوية صادقًا عندما ينطلق من فهم حقيقي للسياق، لا من تكرار الرموز بشكل سطحي. لا يجب أن يكون الاكتفاء البصري سببًا للتوقف، بل دافعًا لتقديم الهوية بطريقة أعمق، تُخاطب العالم دون أن تفقد جذورها.”

بهذا التسلسل، لا تظهر أعمال صالح العجمي كتنويعات على التراث، بل كمحاولات لإعادة صياغته حيث تتحول اللعبة إلى مكان، واللغة إلى أثر، والمادة إلى معنى، في مسار واحد يتعامل مع الهوية كشيء يُبنى، لا يُستعاد.

محررة ثقافية تهتم برصد التحولات الإبداعية في السعودية، وتوثيق التراث والإنجازات الوطنية للمرأة.