"هي" تختار: 5 مصممين عرب يحولون الخيال إلى أزياء خارج المألوف
كيف يمكن لمرآة فينيسية أن تصبح جزء من فستان كوتور؟ أو لقشور الخضراوات أن تتحول إلى أقمشة قابلة للارتداء؟ وماذا يحدث عندما تستلهم مصممة أزياء مجموعتها من صناديق الفاكهة في الأسواق الشعبية؟ بالنسبة إلى جيل من المبدعين العرب، تبدأ الأزياء أحيانًا من أفكار تبدو بعيدة تمامًا عن عالم الموضة، قبل أن تتحوّل إلى تصاميم تتحدى التوقعات وتفتح آفاق جديدة للخيال.
من المنحوتات القابلة للارتداء إلى التجارب العلمية والخامات غير التقليدية، تتشكل لغة تصميمية عربية متنوعة، يقودها مبدعون يملكون الشجاعة لاستكشاف أفكارهم الخاصة، مهما بدت غريبة أو صعبة التنفيذ. وتكمن خصوصية هذه التجارب في قدرتها على تحويل رؤية شخصية إلى عالم متكامل، يحمل بصمة صاحبه في كل تفصيل.
والأكثر تميزًا أن هذه الرؤى تحولت مع الوقت إلى بصمات بصرية يمكن التعرّف إليها من النظرة الأولى. فحتى من دون اسم المصمم أو شعار العلامة، تكشف القصّات والخامات والتفاصيل غير المتوقعة عن هوية إبداعية يصعب الخلط بينها وبين سواها. إنها قدرة نادرة على بناء عالم خاص، يصبح فيه الاختلاف والتفكير خارج المألوف جزء من شخصية العلامة وتوقيعها الفني.
في هذا المقال، تختار "هي" خمسة مصممين عرب استطاعوا بناء هويات إبداعية مميزة، لكل منهم طريقته في إعادة تخيّل العلاقة بين الموضة والفن والهوية والمواد التي نصنع منها ملابسنا.
محمد آشي... حين تصبح الأزياء كائنات من عالم سريالي
ثمة شيء يصعب التنبؤ به في عالم المصمم السعودي محمد آشي، مؤسس Ashi Studio. فتصاميمه تحمل حضور مسرحي يقترب أحيانًا من عوالم الأحلام، حيث تتحدى القصات النحتية قوانين التوازن، وتتحول الخامات إلى أشكال يصعب تحديد طبيعتها من النظرة الأولى.
في مجموعته للكوتور لخريف وشتاء 2026، بعنوان “A Different Skin”، أخذ آشي هذا الخيال إلى مستويات جديدة. فقد عالج الجلد ليبدو كأنه خزف مصقول، واستعان بورق ياباني مرسوم يدويًا يحاكي أوراق الأشجار المتساقطة، فيما ظهرت حشرات مطلية يدويًا بين ثنيات الأقمشة، ومرآة فينيسية ثُبّتت على ظهر أحد الفساتين.

تحمل هذه العناصر تأثيرات من الفن السريالي والحفلات التاريخية الفاخرة، وتكشف عن قدرة المصمم على تحويل المراجع الفنية إلى تجارب بصرية غير متوقعة. وفي عالم آشي، يصبح الفستان شخصية مستقلة، يحمل قصة وأسرار وتفاصيل قد تحتاج إلى أكثر من نظرة لاكتشافها.
وبعد عشرين عامًا في عالم التصميم، يواصل آشي استكشاف إمكانات الكوتور، مقدمًا رؤية تؤكد أن الخيال يمكن أن يكون نقطة البداية لأكثر التصاميم تعقيدًا وحرفية. وكانت النجمة كارول جي تألقت بفستان كوتور من مجموعة Ashi Studio لربيع وصيف 2026 في حفل ما بعد الأوسكار.
ياسمين منصور... هندسة الأقمشة وفن صناعة المنحوتات
في عالم المصممة ياسمين منصور، يتحوّل القماش إلى مادة نحتية تتشكّل حول الجسد في طبقات وطيات دقيقة، لتنتج تصاميم تبدو أقرب إلى أعمال فنية ثلاثية الأبعاد.
تتميز منصور، المصرية التي تتخذ من قطر مقر لعملها، بأسلوب يجمع بين الهندسة المعمارية والحرفية والتجريب المستمر في الخامات. وتُعد تقنية الـMillefeuille من أبرز ملامح هويتها، إذ تعتمد على ترتيب طبقات متعددة من الأقمشة لتشكيل تكوينات ذات عمق وحركة، مع الاستفادة من بقايا المواد وإعادة توظيفها.
وفي مجموعة ربيع وصيف 2026، قدّمت المصممة قراءة جديدة لهذه التقنية، من خلال تصاميم تجمع بين البنية الهندسية والانسيابية، وتمنح الأقمشة المستخدمة سابقًا حياة جديدة.

وقد ساهم هذا النهج في حصولها على جائزة Fashion Trust Arabia لفئة أزياء السهرة عام 2024، ووصولها إلى نصف نهائي جائزة LVMH لعام 2025.
تكشف تجربة منصور عن مساحة إبداعية تلتقي فيها الاستدامة بالفن، حيث تصبح الطيات والتكوينات الهندسية لغة تعبّر عن رؤية خاصة للأنوثة المعاصرة.
جوانا حقي... حين تتحوّل الحرف السورية إلى قطع فنية
تأخذ المصممة السورية جوانا حقي Joana Hakki الحرف التقليدية إلى عالم غني بالألوان والزخارف والتوليفات غير المتوقعة، في تصاميم تجمع بين ذاكرة المكان وجرأة التعبير المعاصر.
تستمد العلامة هويتها من الإرث الحرفي السوري، وخصوصًا الأقمشة المنسوجة يدويًا، التي تعيد تقديمها مع خامات وعناصر زخرفية مثل الكريستال والريش والخشب المطعّم بأم اللؤلؤ.

وتبرز هذه الرؤية في تصاميم تجمع أحيانًا بين الأقمشة الدمشقية التقليدية والتفاصيل الغنية، كما في قطع الكيمونو القابلة للارتداء على وجهين، التي تستحضر تقنيات النسج السورية ضمن أشكال معاصرة.
تحمل أعمال حقي طابع احتفالي يعكس شغفها بالزخرفة والحرفية، وتكشف عن رغبة في منح المهارات التقليدية حضور جديد داخل عالم الأزياء الفاخرة.
ومن خلال هذه المقاربة، تصبح القطعة مساحة تلتقي فيها حكايات الحرفيين مع خيال المصممة، وتحمل تفاصيلها أثر ثقافة غنية بالمهارات والتقاليد الفنية.
كوثر الهريش... من أسواق الخضار إلى منصات الأزياء
قد تكون التفاصيل التي نمرّ بها يوميًا مصدر لأكثر الأفكار الإبداعية غرابة، وهذا ما تثبته المصممة السعودية كوثر الهريش، مؤسسة علامة KAF BY KAF، التي تبحث عن الجمال في أماكن وعناصر قد تبدو بعيدة عن عالم الأزياء.
في مجموعة ربيع وصيف 2024، استلهمت الهريش تصاميمها من سوق الربوة للخضراوات والفواكه في الرياض، حيث تحوّلت الصناديق والحبال وألوان المنتجات إلى مصدر لتكوينات زخرفية وقطع تعتمد على الكروشيه والتطريز اليدوي.

أما في مجموعة “Artificial Beauty” لربيع وصيف 2025، فقد انتقلت إلى استكشاف العلاقة بين الطبيعة والتكنولوجيا، من خلال تصاميم تجمع بين الحرف اليدوية والتقنيات الحديثة، وتطرح تساؤلات حول مفهوم الجمال الطبيعي.
تتميز أعمال الهريش بروح مرحة وتجريبية، تتجلى في الأحجام غير المألوفة والتفاصيل ثلاثية الأبعاد والخامات التي تتحوّل إلى عناصر فنية.
وتكشف تجربتها عن رؤية تمنح الأشياء الاعتيادية معاني جديدة، وتؤكد أن الإلهام قد يكون حاضرًا في أبسط المشاهد المحيطة بنا.
بتول الرشدان... مستقبل الأزياء يبدأ من بقايا الطعام
ماذا لو أصبح بالإمكان صناعة فستان من قشور البصل أو الشمندر؟ بالنسبة إلى المصممة الأردنية بتول الرشدان، مؤسسة Studio B.O.R.، يشكل هذا السؤال جزء من مشروع إبداعي يجمع بين الموضة والعلم والتكنولوجيا.
تعمل الرشدان على تطوير مواد حيوية مستخلصة من مخلفات الطعام، وتحويلها إلى خامات تُستخدم في ابتكار الملابس والإكسسوارات، بالاستعانة بتقنيات مثل الطباعة ثلاثية الأبعاد والتصميم الرقمي.
ومن أبرز تجاربها فستان مصنوع من قشور الشمندر، صُمم ليتحلّل بمرور الوقت، إلى جانب قطع تستلهم أشكالها من التكوينات الملحية للبحر الميت، وتجمع بين الرموز المستمدة من الطبيعة الأردنية والتكنولوجيا الحديثة.

وتنطلق هذه التجارب من اهتمام بإعادة التفكير في المواد المستخدمة في صناعة الأزياء، وإيجاد حلول تتيح استخدام الموارد بطرق مختلفة.
تفتح الرشدان من خلال عملها حوار حول مستقبل الموضة، حيث تصبح المختبرات والتجارب العلمية جزء من العملية الإبداعية، وتمنح المواد التي اعتدنا التخلص منها فرصة للتحوّل إلى تصاميم تحمل قيمة فنية وبيئية.
خمس رؤى تعيد رسم حدود الإبداع العربي
وفي كل قطعة، تبقى الفكرة الأولى هي العنصر الأكثر إثارة للاهتمام: تلك اللحظة التي يرى فيها المصمم شيئ مختلف عمّا يراه الآخرون، ويمنحه شكل جديد يمكن ارتداؤه.
وربما يكون الإنجاز الأبرز لهؤلاء المصممين قدرتهم على تحويل اختلافهم إلى هوية متفردة. فلكل منهم لغة بصرية أصبحت توقيعه الخاص؛ من الأشكال السريالية لدى آشي إلى التكوينات الهندسية لمنصور، والتفاصيل الحرفية لدى حقي، والروح التجريبية للهريش، والمواد المبتكرة لدى الرشدان. وهي بصمات تجعل أعمالهم قابلة للتعرف إليها حتى في غياب أسماء علاماتهم.