باريس ربيع وصيف 2027: حين خفّ وزن الأزياء وثقل سؤال الرغبة، فعادت الموضة إلى القطعة نفسها

باريس ربيع وصيف 2027: حين خفّ وزن الأزياء وثقل سؤال الرغبة، فعادت الموضة إلى القطعة نفسها

7 أكتوبر 2026

قبل عام، بدت باريس وكأنها تعيد توزيع أوراق الموضة العالمية. أسماء جديدة وصلت إلى بعض أكبر الدور، إرث انتقل من يد إلى أخرى، وعروض كاملة عاشت على وهج اللحظة الأولى: ماذا سيفعل هذا المصمم بهذا التاريخ؟

في ربيع وصيف 2027 انتهى زمن التعارف.

أصبح المصمم مطالباً بما هو أصعب من إثارة الفضول؛ أن يحوّل الفكرة إلى لغة، واللغة إلى خزانة، والخزانة إلى رغبة حقيقية. فبعد الظهور الأول، تبدأ المرحلة التي تكشف مقدار صلابة المشروع. هل تستطيع الرؤية أن تنمو موسماً بعد آخر؟ هل تحمل القطعة سبباً يجعل المرأة تريد امتلاكها؟ وهل يبقى التصميم مثيراً عندما يغادر المنصة وتختفي الموسيقى والصورة والمشهد؟

 

لهذا جاء أسبوع الموضة في باريس هذا الموسم أكثر التصاقاً بالأزياء نفسها. الجاكيت استعاد مكانته كأداة بناء، التنورة عادت لتغيّر النِّسب، اللانجيري خرج من حدوده الحميمة، الحياكة اكتسبت حساسية جديدة، والأحذية تحولت إلى ميدان قائم بذاته. وفي الخلفية، فرضت الحرارة سؤالاً شديد الواقعية على المصممين: كيف يمكن للأزياء الفاخرة أن تحتفظ بقيمتها وحضورها حين تصبح الكثافة عبئاً؟

من “هيرميس” إلى “ديور”، ومن “شانيل” إلى “سيلين”، ظهرت إجابات مختلفة عن الوزن والهواء والحركة. وفي الاتجاه المقابل، ازدادت أهمية أثر اليد؛ التطريز، المعالجة، القطع، السطح، والخامة التي تكشف الزمن الذي استغرقه صنعها. كل ذلك يحدث في لحظة أصبح فيها إنتاج الصورة سهلاً وسريعاً، فازدادت قيمة ما يحتاج إلى معرفة ووقت ومهارة.

 

أما الأنوثة، فقد خرجت من تعريف واحد. ظهرت غامضة لدى “شانيل”، غريزية في “توم فورد”، رومانسية بروح معتّقة لدى “إيلي صعب”، متعددة الوجوه عند “جورج حبيقة”.

هكذا بدت باريس في ربيع وصيف 2027: أقل انشغالاً بإعلان الثورة، وأكثر اهتماماً بصناعة شيء يستحق أن نريده.

وهذه المجموعات التي كتبت قصتها.

 

“شانيل”: حين تخرج الأيقونة من إطارها

مع “ماثيو بلازي”، بدأ تاريخ “شانيل” يتحرك بطريقة مختلفة. المصمم يقترب من “غابرييل شانيل” عبر منطقها في التفكير، ويقرأ إرث الدار باعتباره مجموعة أفكار قابلة للتطور، أكثر من كونه مجموعة رموز تنتظر إعادة الظهور.

في ربيع وصيف 2027، أصبحت الخطوط أكثر ليونة، انخفضت الخصور، وظهرت الشفافية تحت الجاكيتات والبدلات، فيما تحولت خامات تبدو مألوفة من بعيد إلى مواد أكثر مرونة واستجابة للحركة. حتى التويد، ذلك العمود الذي حمل صورة “شانيل” لعقود، بدأ يفقد شيئاً من صرامته ويكتسب حياة مختلفة.

من مجموعة Chanel ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة
من مجموعة Chanel ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة
من مجموعة Chanel ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة
من مجموعة Chanel ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة

افتتاح العرض بفستان أبيض رقيق رافقته حقيبة 2.55 الخاصة بـ“غابرييل شانيل” وضع العلاقة مع الماضي في موضعها الصحيح: الأصل حاضر، والمستقبل يسير أمامه.

من مجموعة Chanel ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة
من مجموعة Chanel ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة

الأحذية بدورها شكّلت فصلاً مستقلاً من التجريب؛ 83 إطلالة حملت 83 اقتراحاً مختلفاً تقريباً، في تنوع يكشف اتساع العالم الذي يبنيه “بلازي” داخل الدار.

من مجموعة Chanel ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة
من مجموعة Chanel ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة

أجمل ما في مشروعه قدرته على إدخال الأيقونة في حياة جديدة. البدلة يمكن أن تصبح أكثر رخاوة، التويد أخف، الأناقة أقل تحفظاً، والمرأة أكثر حرية في الانتقال بين حالات متعددة من دون أن تضيع هوية “شانيل”.

 

الحُكم التحريري: “بلازي” رفع سقف الحوار مع الإرث؛ تحديث “شانيل” عنده يحدث من داخل بنيتها، ولهذا يبدو مقنعاً إلى هذا الحد.

 

 

 

“سيلين”: متعة ارتداء الأشياء من جديد

افتتح “مايكل رايدر” مجموعته بفستان أسود شديد البساطة، وكأن الموسم كله يستطيع أن يبدأ من سؤال يومي أمام المرآة: ماذا أريد أن أرتدي اليوم؟

من مجموعة Celine ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة
من مجموعة Celine ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة

سمّى فكرته “اللباس العاطفي”، وجاءت المجموعة أقرب إلى خزانة تتحرك بين المزاج والحاجة والحدس. جاكيت جلدي حاد، بدلات محددة الكتفين، بنطال ضيق يليه آخر واسع، فساتين مسائية، حقائب كبيرة مزينة بالزهور، نظارات غريبة، أحذية مسطحة ومجوهرات تبدو وكأنها أضيفت في اللحظة الأخيرة.

من مجموعة Celine ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة
من مجموعة Celine ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة

كل إطلالة تحمل شخصية مختلفة. واحدة تبدو في طريقها إلى موعد، أخرى خرجت للتو من مكتب، وثالثة قد ترتدي فستاناً مسائياً تحت معطف يومي وكأن الجمع بينهما قرار بديهي.

في ذلك تكمن إحدى أذكى نقاط “رايدر”. الأناقة عنده تنمو من الاختيار الشخصي، وتتحرر من فكرة الزي المتكامل الذي يفرض شخصيته على من يرتديه. يمنح المرأة أساساً قوياً، ثم يترك لها مساحة العبث به.

من مجموعة Celine ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة
من مجموعة Celine ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة

هناك نضج واضح في هذه العفوية. القطعة تعرف قيمتها، لذلك تستطيع أن تتصرف بثقة.

الحُكم التحريري: “سيلين” قدّمت الخزانة الأكثر إقناعاً في باريس؛ أزياء تجعل الحياة اليومية نفسها أكثر إثارة.

 

 

 

“توم فورد”: الإغواء حين يصبح أكثر هدوءاً وأشد خطراً

يعرف “حيدر أكرمان” أن إرث “توم فورد” تأسس على الإغواء، ويعرف أيضاً أن استعادته حرفياً ستجعله مجرد صورة من زمن آخر. لهذا يختار طريقاً أكثر ذكاءً: يحتفظ بالتوتر، بالرغبة، وبذلك الشعور بأن الأزياء تعرف تماماً أثرها على من يراها، ثم يخفض مستوى الاستعراض حتى تصبح الإشارة أكثر قوة من التصريح.

من مجموعة Tom Ford ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة
من مجموعة Tom Ford ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة

في ربيع وصيف 2027، أصبحت المرآة جزءاً من الفكرة. العارضون يتوقفون أمام انعكاساتهم، يتأملون أنفسهم للحظة، وكأن النظرة انتقلت من الخارج إلى الداخل. “أكرمان” ربط المجموعة بالمخاطرة والحرية؛ بتلك اللحظة التي يتوقف فيها الإنسان عن انتظار نظرة الآخر ويبدأ في امتلاك صورته بنفسه.

انعكس ذلك على الأزياء. الخياطة دقيقة ومشدودة، الخطوط طويلة ونظيفة، والبدلات تحمل تلك السيطرة التي يجيدها “أكرمان” منذ سنوات. إلى جوارها ظهرت قطع أكثر انسياباً، حرير سائل، فتحات محسوبة، جلد مصقول، وقمصان تكشف بقدر ما تخفي. حتى زي العمل الأخضر بطابعه العسكري الذي ظهر على عارضة أكبر سناً حمل شيئاً مهماً في قراءة المجموعة: الجاذبية عند “أكرمان” ترتبط بالحضور والثقة أكثر من ارتباطها بصورة نمطية للشباب أو الإغواء.

من مجموعة Tom Ford ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة
من مجموعة Tom Ford ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة

هذا هو المكان الذي يلتقي فيه المصممان فعلياً. “توم فورد” منح الموضة يوماً لغة واثقة للرغبة، و“أكرمان” يعيد صياغتها عبر الاقتصاد في الحركة والدقة في القطع. الإثارة تنشأ من السيطرة، من كتف مضبوط بعناية، من بنطال يسقط بخط مثالي، من حرير يتحرك بجوار صرامة البدلة، ومن مساحة صغيرة تُترك للخيال.

من مجموعة Tom Ford ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة
من مجموعة Tom Ford ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة

ومع كل موسم، يبدو “أكرمان” أقل اهتماماً بإثبات علاقته بتاريخ الدار وأكثر ثقة في كتابة نسخته الخاصة منها. هذا التحول هو ما جعل المجموعة ناضجة؛ الإغواء أصبح أهدأ، والهدوء نفسه أصبح أكثر خطراً.

الحُكم التحريري: “حيدر أكرمان” وصل إلى أكثر صيغه إقناعاً لدى “توم فورد”: رغبة مصقولة بالدقة، وثقة تعرف أن الإغواء يبلغ ذروته حين يترك شيئاً خلف الستار.

 

 

 

“هيرميس”: حين يصبح الهواء جزءاً من الحرفة

اختارت “ناداج فانيه” أحد أكثر عناصر الطبيعة مراوغة لتبني حوله المجموعة: الهواء.

الفكرة ظهرت في تفاصيل محسوبة بعناية. حياكة رفيعة تتخللها شرائط عمودية من الجلد، باركا مفككة عند الخصر يمكن إعادة تركيب أجزائها، وفساتين وسراويل تتغير أطوالها ونِسبها عبر السحابات، إلى جانب خامات شديدة الخفة تسمح للهواء بأن يصبح جزءاً من البناء نفسه.

من مجموعة Hermes ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة
من مجموعة Hermes ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة

قوة المجموعة تظهر في التقاء هذه الفكرة مع واقع صيف فرنسي شهد موجات حر متتالية. الهواء الذي بدأ كمفهوم تصميمي اكتسب فجأة ضرورة عملية، وكأن “هيرميس” صاغت إجابة على سؤال أصبح أكثر إلحاحاً: كيف تتحرك الفخامة حين يصبح الوزن عبئاً؟

من مجموعة Hermes ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة
من مجموعة Hermes ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة

الفخامة هنا تكمن في حل المشكلة قبل أن يشعر بها من يرتدي القطعة. كل تفصيل يؤدي وظيفة، وكل وظيفة تُنفذ بجمال شديد الانضباط.

قد تبدو الفكرة بسيطة، إلا أن أثرها أبعد من موسم واحد. عندما يتغير المناخ، تتغير معه مقاييس الراحة والوزن والطبقات، ومعها يتغير تعريف الأزياء الصيفية الفاخرة.

الحُكم التحريري: “هيرميس” صممت لمستقبل قريب جداً؛ أناقة تتعامل مع المناخ باعتباره مادة من مواد التصميم.

 

 

 

“لويفي”: أمريكا تدخل إسبانيا من الباب الأمامي

في موسم “جاك مكولو” و“لازارو هيرنانديز” الجديد لدى “لويفي”، أصبح المشروع أكثر وضوحاً. لقاء بين العالم القديم والجديد؛ سهولة الأزياء الرياضية الأمريكية في مواجهة حساسية إسبانية غنية بالحرفة والمرجعيات.

ظهرت قطع خارجية من الشمواه، سراويل كابري، قمصان بولو أُعيد تركيبها بطريقة غير مألوفة، سترات رياضية من الحرير، وفساتين شيفون استلهمت بناءها من قمصان كرة السلة. وفي الجهة الإسبانية حضرت الإشارات الباروكية، الأوشحة الساتانية، وربطات العنق الحريرية المستعيدة لشيء من ذاكرة الدار، إلى جانب ألوان تتأرجح بين المشبع والمعتّق.

من مجموعة Loewe  ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة
من مجموعة Loewe  ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة
من مجموعة Loewe  ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة
من مجموعة Loewe  ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة

النتيجة ممتعة لأن التناقض مقصود. قطعة شديدة الاعتيادية في خزانة أمريكية تعبر إلى عالم “لويفي”، فتخرج بشخصية أخرى. وفي المقابل، أصبحت الحرفة الإسبانية أكثر اندماجاً في الاستعمال وأقل حاجة إلى الوقوف وحدها باعتبارها استعراضاً تقنياً.

في البداية، انشغل الثنائي بإثبات قدرته على قيادة دار ترك فيها “جوناثان أندرسون” عالماً شديد الخصوصية. هذا الموسم تبدّل السؤال: ما شكل الحياة داخل “لويفي” الجديدة؟

بدأت الإجابة تظهر.

من مجموعة Loewe  ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة
من مجموعة Loewe  ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة

الحُكم التحريري: مرحلة الإثبات انتهت، وبدأت مرحلة بناء الأسلوب؛ وهذه أهم خطوة في مسار أي عهد جديد.

 

 

“ديور”: ماذا لو فقدت القطعة وزنها؟

بدأ “جوناثان أندرسون” من الشيفون، ثم ترك الفكرة تتمدد في المجموعة كلها.

من مجموعة Dior  ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة
من مجموعة Dior  ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة

طبقات شفافة، موسلين، دانتيل، ساتان، طيات، وأطراف تبدو معلقة في الهواء، مع أشكال تنفلت من الصرامة التي ارتبطت تاريخياً بـ“ديور”. وسط هذه الرقة، ظهرت مفردات “أندرسون” المعروفة؛ أحذية غريبة، تفاصيل تزعزع التوقع، وتوتر بين الجمال والاختلال.

ومع الحرارة الاستثنائية التي رافقت أسبوع الموضة في باريس، اكتسب هذا البحث بُعداً يتجاوز الجمال. الأزياء الصيفية الفاخرة أصبحت أمام سؤال تصميمي حقيقي: كيف تحتفظ القطعة بحضورها وقيمتها حين تصبح الكثافة عبئاً؟

من مجموعة Dior  ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة
من مجموعة Dior  ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة

أكثر ما يثير في مشروع “أندرسون” هو تعامله مع “ديور” كمساحة بحث مفتوحة. التاريخ والفن والحرفة والغرابة تتحرك داخل المجموعة نفسها، وتتزاحم أحياناً أكثر مما تنسجم. هذا الازدحام أصبح جزءاً من التجربة؛ مشروع يتشكل أمامنا ويكشف أسئلته بقدر ما يكشف أجوبته.

من مجموعة Dior  ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة
من مجموعة Dior  ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة

الصوت الجديد للدار أصبح مسموعاً، مع حواف واضحة وأخرى تنتظر مزيداً من التحرير.

الحُكم التحريري: أكثر مشاريع باريس فضولاً فكرياً؛ الأفكار تتقدم بسرعة، والمرحلة المقبلة ستكشف أيها يستحق أن يتحول إلى لغة دائمة.

 

 

“دريس فان نوتن”: حين تمشي نجمة السينما إلى العمل

بدأ العرض بصوت كعب امرأة فوق الرصيف، سيارات تمر، أحاديث تتقاطع وضجيج مدينة. الحياة دخلت إلى المجموعة قبل الإطلالة الأولى.

من مجموعة Dries Van Noten  ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة
من مجموعة Dries Van Noten  ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة

“جوليان كلاوسنر” بنى موسمه حول احتكاك السينما باليومي. ملصقات أفلام تحولت إلى طبعات، عيون وكؤوس كوكتيل ظهرت على التنانير، خرز وتطريزات جاورت القمصان والمعاطف، واللمعان دخل بين قطع تحمل شيئاً من أثر الاستعمال.

من مجموعة Dries Van Noten  ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة
من مجموعة Dries Van Noten  ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة

امرأة المجموعة تبدو كنجمة قديمة خرجت من موقع التصوير واستكملت يومها في المدينة، وما زال شيء من المشهد السينمائي عالقاً في خزانتها.

هذا النوع من العلاقات الغريبة بين العناصر يشكل أحد أسرار “دريس فان نوتن”. قوة الدار عاشت دائماً في جمع ألوان وخامات ومرجعيات تبدو متباعدة، ثم خلق منطق يجعلها تنتمي إلى بعضها.

من مجموعة Dries Van Noten  ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة
من مجموعة Dries Van Noten  ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة

“كلاوسنر” بدأ يفهم هذا الإرث كطريقة تفكير، وهذه خطوة أكثر أهمية من استنساخ مظاهره.

الحُكم التحريري: اللحظة التي بدأ فيها “جوليان كلاوسنر” يتقدم من موقع الخليفة إلى موقع المؤلف.

 

 

“سان لوران”: حين أضاء الذهب احتمال الوداع

كل شيء في عرض “سان لوران” حمل إحساساً بأن صفحة قد تكون في طريقها إلى أن تُطوى.

موسيقى “مايلز ديفيس”، زهور الكالا السوداء، رسالة شخصية من “أنتوني فاكاريلو”، سلسلة طويلة من الإطلالات الذهبية، ثم السواد في النهاية وصوت “شارلوت غينسبورغ”. بدت الليلة كأنها تجمع عقداً كاملاً داخل مشهد واحد.

من مجموعة Saint Laurent  ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة
من مجموعة Saint Laurent  ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة

الذهب ظهر في اللاميه والبروكار، انعكس على التنانير والفساتين والجاكيتات، وتحول أحياناً إلى ما يشبه الدروع المسائية. ثم استعاد الأسود المشهد؛ أكتاف حاسمة، خطوط طويلة، وسهرات تحمل تلك القسوة الأنيقة التي صاغت امرأة “فاكاريلو” طوال سنواته في الدار.

من مجموعة Saint Laurent  ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة
من مجموعة Saint Laurent  ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة

المجموعة اعتمدت على قوة الذاكرة. العناصر مألوفة داخل قاموسه، إلا أن اجتماعها بهذه الكثافة منحها إحساساً بالختام، وكأن المصمم يستعرض أمام نفسه العالم الذي بناه قبل أن يطفئ الضوء.

كانت باريس خلفه، والذهب أمامه، وعشر سنوات بينهما.

الحُكم التحريري: ليلة تُقرأ كوداع محتمل لمسار امتد عقداً؛ قوة العرض جاءت من الذاكرة التي جمعها “فاكاريلو” أكثر من بحثه عن بداية جديدة.

 

 

“سكياپاريلي”: ماذا ترتدي السريالية إلى العشاء؟

يواجه “دانيال روزبيري” واحداً من أهم الأسئلة أمام “سكياپاريلي”: كيف تتحول القوة الهائلة التي بناها في الكوتور إلى خزانة جاهزة تحمل الروح نفسها؟

بدأت الإجابة من الجاكيت.

من مجموعة Schiaparelli  ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة
من مجموعة Schiaparelli  ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة
من مجموعة Schiaparelli  ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة
من مجموعة Schiaparelli  ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة

“إلسا سكياپاريلي” تعاملت مع الجاكيت كمساحة للفن والسريالية، خاصة حين تجلس المرأة إلى المائدة ويصبح الجزء العلوي من الإطلالة مركز المشهد. استعاد “روزبيري” هذا المنطق عبر مخمل مطرز، ساتان وردي لامع، خيوط سوداء تتحرك فوق الأسطح، وقطع تستطيع أن تعيش مع تنورة بسيطة أو جينز.

من مجموعة Schiaparelli  ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة
من مجموعة Schiaparelli  ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة

ظهرت أيضاً الحياكة المرنة والقطع المنفصلة والتفاصيل التشريحية التي يعرفها عالم الكوتور، إلا أن حضورها أصبح أكثر قرباً من الحياة اليومية.

المسافة بين خطي الدار تتضاءل. المرأة التي تنجذب إلى جنون “سكياپاريلي” في الأزياء الراقية تستطيع أن تحمل جزءاً من ذلك الجنون معها إلى العشاء، المكتب، السفر، أو أي لحظة أخرى.

من مجموعة Schiaparelli  ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة
من مجموعة Schiaparelli  ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة
من مجموعة Schiaparelli  ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة
من مجموعة Schiaparelli  ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة

وحين يصبح الخيال قابلاً للحياة، تتغير قيمة الأزياء الجاهزة نفسها.

الحُكم التحريري: “روزبيري” وجد المعبر الأذكى بين الكوتور والسوق؛ السريالية لم تفقد غرابتها، وإنما تعلمت كيف تدخل الخزانة.

 

 

إيلي صعب : جين هارلو تغادر غرفة الملابس

فتح إيلي صعب باب هوليوود القديمة هذا الموسم، واختار “جين هارلو” لتقود المزاج نحو ثلاثينيات القرن الماضي. جاء الاستحضار من زاوية حميمة؛ البوستييه، البراليت، الأشرطة المنزلقة، فساتين الـSlip، الساتان المقصوص على الميل، الدانتيل والتطريزات التي تحمل شيئاً من أجواء غرف تبديل نجمات السينما.

ثم بدأ صعب بإخراج هذه العناصر إلى الحياة.

من مجموعة Elie Saab ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة
من مجموعة Elie Saab ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة

جاكيت جلدي فوق فستان رقيق، بنطال مفصّل مع كورسيه أسود، معاطف تقطع سلسلة من الفساتين الحالمة، وقطع أكثر اختزالاً تمنح المشهد توازنه. الباستيل والوردي والليموني جاورت طبعات حيوانية تحمل أثراً من التسعينيات، بينما ظلت الزهور جزءاً من قاموس الدار من دون أن تسيطر على كل شيء.

من مجموعة Elie Saab ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة
من مجموعة Elie Saab ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة

أكثر ما يلفت في المجموعة انتقال رومانسية “يلي صعب إلى منطقة أكثر تعتيقاً من المعتاد. هناك أثر لزمن سابق فوق بعض القطع، كأنها خرجت من خزانة نجمة هوليوودية، مرت عبر عقود مختلفة، ثم وصلت إلى امرأة 2027 أكثر حرية في طريقة ارتدائها.

من مجموعة Elie Saab ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة
من مجموعة Elie Saab ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة

هذا التغيير يمنح بريق صعب طبقة يحتاجها: شيء من اللاكتمال، شيء من الذكرى، وشيء من الحياة.

الحُكم التحريري: هوليوود القديمة دفعت إيلي صعب نحو أنوثة أخف وأكثر تحرراً، خفّ فيها ثقل الأقمشة وكثافة البريق، واكتسبت رومانسية الدار روحاً أكثر عفوية وحميمية.

 

 

جورج حبيقة : الأنوثة ترفض الصورة الواحدة

انطلق جورج وجاد حبيقة من فكرة واسعة في بساطتها: الأنوثة تحمل وجوهاً متعددة، وكل وجه يحتاج إلى لغة مختلفة.

بُني العرض كرحلة تتغير فيها الكثافة تدريجياً. بدأت الخطوط أكثر حزماً، ثم أخذت تلين وتنفتح مع تقدم الإطلالات، فيما انتقلت الخامات من أسطح أكثر امتلاءً إلى طيات وانسدالات تتخذ هيئة شبه سائلة.

من مجموعة  Georges Hobeika ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة
من مجموعة  Georges Hobeika ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة
من مجموعة  Georges Hobeika ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة
من مجموعة  Georges Hobeika ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة

دخل ساتان البروكار وشبك الغيبور إلى قاموس الدار، فيما جمعت بعض الأقمشة تقنيتين داخل القطعة الواحدة، بين الموسلين المحبوك واللمسة الساتانية. أما التطريز الزهري، أحد أكثر توقيعات الدار رسوخاً، فانتقل إلى أسطح منقوشة غير متوقعة، ليبدو أكثر رسومية وأقل ارتباطاً بصورته التقليدية.

من مجموعة  Georges Hobeika ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة
من مجموعة  Georges Hobeika ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة

القيمة الأهم تظهر في اتساع شخصية امرأة جورج حبيقة. تستطيع أن تتحرك بين البنية والشفافية، الصرامة والتطريز، القوة والسيولة ضمن العالم نفسه. هذه مساحة أوسع من الصورة المسائية التي ارتبطت تاريخياً باسم الدار.

 

الحُكم التحريري: جورج حبيقة  وسّع تعريف أنوثة الدار، وجعل الحرفة تتحرك بين الصرامة والسيولة، وبين القوة والرقة، داخل قاموس أكثر اتساعاً.

 

 

باريس بين الهواء والرغبة

عند جمع هذه العروض في صورة واحدة، تظهر مفارقة الموسم بوضوح: الأزياء أصبحت أخف، فيما أصبح صنع الرغبة أكثر صعوبة.

القطعة الجميلة تواجه اليوم عالماً مشبعاً بالصور. التقليد أسرع، الأسعار أعلى، والمستهلك يرى خلال دقائق ما كان يحتاج سابقاً إلى موسم كامل لاكتشافه. لهذا عادت الدور إلى الأشياء التي يصعب اختصارها في لقطة: الشخصية، البناء، أثر اليد، جودة الخامة، وطريقة تجعل قطعة مألوفة تبدو فجأة جديدة.

من هذه الزاوية يمكن فهم الكثير مما حدث في باريس.

 

الأقمشة فقدت شيئاً من كثافتها لأن الصيف نفسه تغيّر. التنورة استعادت أهميتها لأنها تمنح المصممين مساحة جديدة لإعادة رسم النسب. اللانجيري دخل الإطلالة اليومية لأنه يعبّر عن علاقة أكثر مرونة بين الحميمي والظاهر. الأحذية أصبحت حقل اختبار جديداً. أما التطريز والمعالجات اليدوية، فقد ازدادت قيمتها لأن أثر الإنسان أصبح أكثر وضوحاً أمام الصورة المصنوعة آلياً.

“شانيل” دخلت تاريخها وخرجت منه أكثر حرية. “سيلين” أعادت المتعة إلى قرار ارتداء الملابس. “هيرميس” تعاملت مع المناخ كمعطى تصميمي. “لويفي” بدأت تحويل رؤيتها الجديدة إلى أسلوب يمكن أن يعيش. “ديور” اختبرت حدود الوزن والكثافة. “توم فورد” وجد التوتر الذي يحتاجه “أكرمان”. “دريس فان نوتن” منح “كلاوسنر” أول لحظة استقلال حقيقية. و“سكياپاريلي” جعلت المسافة بين الكوتور والخزانة أقصر.

أما “إيلي صعب” و“جورج حبيقة”، فقد قدّما وجهين مختلفين لحضور المصمم اللبناني في باريس. الأول عاد إلى هوليوود القديمة ليعيد ترتيب رومانسيته من الداخل، والثاني وسّع مفهوم الأنوثة حتى أصبح قادراً على احتواء مزيد من الحالات والتعبيرات.

 

وفي النهاية، بقيت أفضل عروض ربيع وصيف 2027 هي تلك التي خلقت رغبة بسيطة وصعبة في آن واحد: أن نريد رؤية القطعة مرة أخرى، الاقتراب منها، فهمها، ثم تخيل الحياة معها.

بعد سنوات من انشغال الموضة بصناعة الصورة، أعادت باريس هذا الموسم السؤال إلى مكانه الصحيح:

 

ما الذي يجعل قطعة أزياء تستحق أن نرغب بها؟

وأفضل إجابات الموسم جاءت من القصّة، والخامة، والحرفة، والفكرة التي بقيت حاضرة حتى بعد انطفاء أضواء العرض.

من مجموعة  Chanel ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة
من مجموعة  Chanel ربيع و صيف 2027  للملابس الجاهزة

 

محرّرة في مجال الموضة والأزياء، تُعدّ من أبرز الأسماء في صحافة الموضة السعودية