خاص "هي": سارة عباس من عمّان إلى باريس... أزياء تترك أثر كالعطر
هناك تصاميم تُرى، وأخرى تبقى في الذاكرة بعد أن تغادر المشهد. هذه تحديدًا هي الفكرة التي بنت عليها المصممة الأردنية سارة عباس مجموعتها الجديدة "Sillage"، في مشاركتها الثانية ضمن أسبوع الموضة في باريس، بعد أن سبق وقدمت مجموعة شتاء 2026 في أوبرا غارنييه.
بالنسبة إلى عباس، لم تكن العودة إلى باريس مجرد عرض جديد، بل محطة تؤكد اتساع حضور العلامة خارج المنطقة. وتقول لـ"هي": "على المستوى الشخصي، كانت تجربة فريدة شكلت محطة مهمة في مسيرتي كمصممة، وأتاحت لي مشاركة رؤيتي وتصاميمي مع جمهور أوسع". أما مهنيًا، فترى أن المشاركة "شكلت خطوة مهمة نحو توسيع انتشار العلامة وترسيخ هويتها على الساحة العالمية".
"Sillage"... أثر العطر يتحول إلى أزياء

يأتي عنوان المجموعة من كلمة تصف الأثر الذي يتركه العطر في الهواء بعد مرور صاحبه، وهي الصورة التي أرادت سارة عباس ترجمتها إلى فساتين تتحرك وتلتقط الضوء وتتغير مع الجسد.
وتشرح: "استُلهمت مجموعة Sillage من الأثر الذي يتركه العطر في الهواء؛ ذلك الحضور غير المرئي الذي يسبق صاحبه أحيانًا، ويبقى بعد رحيله". ومن هنا جاءت الحركة والتدرجات والخامات التي لا تكتفي بتشكيل الفستان، بل تخلق أثر بصري من حوله.
تحضر هذه الفكرة في الشراريب والتطريزات المتحركة، بينما تلعب البلورات دور مختلف مع الضوء. تقول عباس: "عندما تلتقطها أشعة الشمس، تمتد انعكاساتها إلى الأسطح المحيطة وتلفت النظر، تمامًا كما يفعل العطر حين يترك حضوره في المكان".
حتى أحجام بعض التصاميم جاءت من لحظة رش العطر وانتشار الرذاذ في الهواء، فيما تعكس التدرجات اللونية والتطريزية فكرة طبقات الرائحة التي تبدأ بكثافة ثم تخف تدريجيًا.

لكن هدف المجموعة يتجاوز الفكرة الجمالية. وتختصر المصممة رؤيتها بقولها: "في Sillage، لم نرغب في تصميم فساتين جميلة فحسب، بل في خلق حضور يبقى في الذاكرة؛ تمامًا كعطر لا يُنسى".
تفاصيل تُكتشف من مسافة... ثم عن قرب
إذا كان هناك عنصر يحدد بصمة Sarah Abbas، فهو العناية بالتفاصيل والحرفية، مع الجمع بين تقنيات مألوفة وحلول أكثر تجريبية.
وتقول المصممة: "تكمن بصمة سارة عباس في التفاصيل الدقيقة والحرفية العالية، وفي الطريقة التي نمزج بها بين تقنيات التطريز التقليدية والأساليب المعاصرة". بالنسبة إليها، يبدأ التصميم غالبًا من تكنيك يحمل إرث حرفي، قبل أن تعيد الدار تفسيره بروح أكثر حداثة، "بحيث تحمل كل قطعة شيئًا مألوفًا وآخر غير متوقع".
في Sillage، ظهرت هذه المقاربة في عناصر أكثر نحتية مثل الزهور المعدنية المرسومة يدويًا، التي تحولت من تفصيل زخرفي إلى جزء من هوية التصميم.
أما الأنوثة، فتأتي بصورة أكثر هدوءًا. وتوضح عباس: "نحرص على تقديمها بصورة راقية وغير مباشرة، من خلال القصات المدروسة، وحركة القماش، والتفاصيل التي تتبع خطوط الجسد". وتضيف أن التميز بالنسبة إليها يكمن "في قطعة تلفت النظر من بعيد، ثم تكشف عن مستوى آخر من الحرفية كلما اقتربت منها".
من الرسم في سن العاشرة إلى الهندسة الصناعية
بدأت علاقة سارة عباس بالتصميم في عمر مبكر جدًا، حين طلبت منها معلمة الرسم وهي في العاشرة أن ترسم فستان.
تقول: "كانت تلك أول مرة أرسم فيها تصميم خاص بي. من تلك اللحظة بدأ ارتباطي الحقيقي بهذا المجال".
لكن مسيرتها الأكاديمية اتخذت مسار مختلف، إذ درست الهندسة الصناعية إلى جانب دورات متخصصة في التصميم. وهي ترى أن هذا التكوين انعكس مباشرة على طريقة إدارتها للدار: "أصبحت أتعامل مع كل قطعة ليس فقط كفكرة جمالية، بل كمشروع متكامل يحتاج إلى دقة، وتخطيط، وتنفيذ مدروس".
Ready-to-Wear... توسيع عالم Sarah Abbas
ومع توسع الدار، جاء إطلاق خط الـReady-to-Wear ليشكل خطوة مفصلية في انتقال Sarah Abbas من عالم المناسبات فقط إلى خزانة أكثر تنوعًا.
وتقول عباس: "هذا الخط قرّب العلامة من شريحة أكبر من النساء، ومنحنا فرصة لتقديم رؤية Sarah Abbas بشكل أكثر يومية وعملية، مع الحفاظ على الحس الأنثوي والاهتمام بالتفاصيل".
ولا تصمم الدار لامرأة واحدة بنمط ثابت. تقول: "لا توجد شخصية واحدة تمثل امرأة سارة عباس، لأن كل امرأة مختلفة ولها حضورها وشخصيتها الخاصة". ما يجمع نساء العلامة، في نظرها، هو تقدير الحرفية والتفاصيل والحضور القوي الذي يبقى "راقيًا، أنيق وأنثوي".

الأردن حاضر في قلب العلامة
رغم الحضور المتزايد عالميًا، يبقى الأردن نقطة البداية الأساسية في قصة Sarah Abbas. فمشغل الدار لا يزال في عمّان، كما تتعاون العلامة مع مبدعين ومصورين أردنيين وتصور عدد من حملاتها في البلاد.
وتقول المصممة: "هويتنا الأردنية هي جزء أساسي من علامة سارة عباس، حتى وإن لم تظهر دائمًا بصورة مباشرة في كل تصميم". وفي مجموعة ربيع وصيف 2027 التي قدمتها في باريس، ظهر هذا الارتباط من خلال تصميم مستوحى من مدينة البتراء.
وتضيف: "عبارة "صُنع في الأردن" ليست مجرد جملة تُكتب على القطعة، بل هي مصدر فخر ومسؤولية".
وبعد عرضين في باريس خلال عام واحد، تتجه طموحات Sarah Abbas نحو المزيد من الأسواق والمنصات العالمية، مع تطوير الـReady-to-Wear بالتوازي مع الكوتور. أما الهدف النهائي فتعبّر عنه المصممة ببساطة: "نطمح إلى بناء علامة متكاملة ذات هوية واضحة ومميزة، بحيث يمكن التعرف على تصاميم سارة عباس من النظرة الأولى".
من عمّان إلى باريس، ومن أثر عطر غير مرئي إلى تطريزات وبلورات تلتقط الضوء، تبني سارة عباس عالم يقوم على فكرة الحضور الذي لا ينتهي بانتهاء اللحظة. فالتصميم بالنسبة إليها لا يكتمل حين تراه العين فقط، بل حين يبقى أثره بعدها.