أميرة بوكدرة رئيسة مجلس إدارة جمعية الناشرين الإماراتيين تكتب لـ"هي" في اليوم العالمي للمرأة: كيف تُشكل النساء صناعة النشر والوعي الثقافي؟
يُمثل اليوم العالمي للمرأة فرصةً للتأمل في التقدم الذي أحرزته في جميع المجالات، لا من زاوية الإنجاز الفردي وحسب، وإنما من جانب أعمق يتصل بمعنى القيادة ومسؤوليتها. فالقيادة، في نظري، لم تكن يوماً تعني أن تكون المرأة هي الأولى التي تصل إلى القمة أو الوحيدة التي تجلس على طاولة القرار؛ إنما توسيع دائرة هذه الطاولة، وخلق مساحات أرحب تتيح للآخرين الدخول والمشاركة والتأثير.
وعندما نتحدث عن القيادة في قطاع النشر، فإن هذه المسؤولية تكتسب بُعداً خاصاً؛ لأن القصص التي نختار دعمها، والمنصات التي نعمل على بنائها، لا تكتفي بنقل المعرفة أو الترفيه، بل تسهم في تشكيل وعي المجتمعات، وفي الطريقة التي تتخيل بها الأجيال القادمة ما هو ممكن.
في دولة الإمارات، نحن محظوظون بالانتماء إلى وطن يضع المعرفة والثقافة والإبداع في صميم رؤيته التنموية، ويؤمن بدور المرأة كشريك فاعل في صياغة هذه الرؤية وتحقيقها. وقد أتاح هذا النهج للنساء، بمن فيهن أنا، تولي أدوار قيادية في القطاعات الثقافية والإبداعية، وأن يسهمن في بناء مؤسسات ومشاريع تعكس هويتنا، وتفتح في الوقت ذاته آفاقاً للحوار مع العالم.

ولا يمكن الحديث عن تطور قطاع النشر في دولة الإمارات، ودور المرأة فيه، دون الإشارة إلى الإسهامات الريادية لسمو الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، التي شكّلت نموذجاً ملهماً للقيادة النسائية في صناعة النشر على المستويين الإقليمي والدولي. فقد أسهمت رؤيتها الطموحة في إعادة تعريف دور النشر العربية، وتعزيز حضورها عالمياً، والدفاع عن قضايا النشر وحقوق الناشرين، إلى جانب دورها البارز في دعم المرأة وتمكينها من الوصول إلى مواقع قيادية في هذا القطاع الحيوي.
ومن منطلق هذه البيئة الداعمة، ومن خلال عملي ككاتبة ومؤسسة مشاركة لدار نشر، كرّستُ جهودي لإبراز الأصوات الإماراتية، وتقديم تجارب قراءة هادفة، وبناء منصات تربط بين تراثنا الثقافي وأسئلة الحاضر وطموحات المستقبل. واليوم، وبصفتي رئيسة مجلس إدارة جمعية الناشرين الإماراتيين، أشهد بشكل مباشر الدور الحيوي الذي تؤديه المرأة في نمو قطاع النشر وتطويره في جميع أنحاء دولة الإمارات.
لم يعُد حضور المرأة في هذا القطاع حضوراً رمزياً أو استثنائياً، بل أصبح جزءاً أصيلاً من بنيته ومسيرة تطوُّره. وفي جميع أرجاء الوطن، نرى النساء يقُدنَ دور نشر، ويدرنَ مبادرات ثقافية، ويسهمن في ابتكار نماذج جديدة لإنتاج المعرفة ونشرها، ما يعكس رؤية دولة الإمارات لتمكين المرأة بوصفها شريكاً أساسياً في التنمية الوطنية.
وتضطلع الجمعية بدور محوري في دعم هذا الزخم من خلال العمل على تعزيز بيئة نشر محلية مستدامة، ودعم التطوير المهني للناشرين والناشرات، وخلق فرص حقيقية تمكّنهم من التنافس والتعاون على المستويين الإقليمي والدولي. ويشمل ذلك الاستثمار في بناء القدرات، وتعزيز المعايير المهنية، ودعم المشاركة في معارض ومنصات عالمية، إلى جانب تشجيع الابتكار والتعاون داخل القطاع. غير أن هذا الجهد لا يهدف إلى التمثيل أو التقدم المهني وحسب، بل يستند إلى قناعة عميقة بالدور الذي يلعبه النشر في تشكيل المسار الفكري والثقافي للمجتمع.
فأهمية تطوير قطاع النشر تتجاوز تعزيز صناعة ثقافية بعينها؛ لتمتد إلى بناء مجتمع أكثر وعياً، وأكثر قدرة على التفكير النقدي والتعبير عن ذاته بثقة. فالمحتوى الذي يُنتج اليوم يسهم في تشكيل الوعي العام، ودعم الحوار المجتمعي، وتمكين الأفراد من فهم واقعهم والتفاعل معه بمعرفة ومسؤولية. ومن هذا المنطلق، فإن الاستثمار في النشر هو استثمار طويل الأمد في رأس المال الفكري والثقافي الذي تقوم عليه المجتمعات المستدامة.
ويرتكز جوهر النشر على الإيمان بأن القصص تصنع فهم المجتمعات لواقعها ولمستقبلها. فالأدب يحفظ التراث والذاكرة، ويفتح المجال للحوار بين الأجيال والثقافات، ويمنح المجتمعات الثقة في سرد حكاياتها بلسانها الخاص. وعلى صعيد الدول التي تبني اقتصادات معرفية متنامية، يصبح دعم المحتوى المحلي أولوية استراتيجية، لا ثقافية فقط. وعندما ندعم الكُتّاب والمترجمين والناشرين، فإننا نُعزّز منظومة معرفية تُشجّع التفكير النقدي والإبداع والانفتاح على العالم دون فقدان الجذور.
وفي حين يشهد قطاع النشر عالمياً تحولات متسارعة؛ بفعل تغيُّر عادات القراءة وتطوُّر التقنيات واتساع الأسواق، انصب تركيزنا في المرحلة الراهنة على تمكين القطاع من مواكبة هذه التحولات، عبر تشجيع الابتكار، وتعزيز التعاون، وخلق فرص لتوسيع نطاق وصول الناشرين إلى ما هو أبعد من الحدود المحلية. فإن إعطاء الأولوية للجودة والاستدامة والنمو طويل المدى، هو السبيل لبناء بيئة نشر قادرة على المنافسة عالمياً، منفتحة على الآخر، ومتجذرة ثقافياً في آن معاً.
ومن أبرز التحوُّلات التي لحظتها في السنوات الأخيرة، تنامي حضور النساء بثقة في الصناعات الإبداعية والثقافية كمبادِرات وصانعات قرار، وليس فقط كمشاركات. ومع ذلك، فإن بناء مسيرة مهنية في قطاع قائم على المعرفة يتطلب المثابرة والتعلم المستمر والاستعداد لتحمل المخاطر المحسوبة. وهنا تبرز أهمية بناء منظومات مهنية داعمة تمكّن النساء من الاستمرار والتطور على المدى الطويل، لا الاكتفاء بالفرص الآنية.
إن مستقبل النشر، والقطاعات الثقافية والإبداعية الأوسع، سيكون نتاج جهود جميع المبدعين والمبدعات، وكل من يساهم بأفكاره وإبداعه في هذا المجال. والفرص، اليوم، أكبر من أي وقت مضى أمام النساء للمبادرة والمشاركة والمساهمة بأفكارهن وبصماتهن في صناعة محتوى يعكس تنوُّع المجتمع، ويثري الخيال الجمعي.
وإن أردت توجيه نصيحة للشابات اللواتي يُفكِّرن في دخول هذا المجال، أقول: استثمرن في مهاراتكن، وحافظن على فضولكن، ولا تنتظرن الإذن لتأخذن مكانكن. فكل صوت جديد يُثري ما يمكن كتابته وتخيّله. والسؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس ما إذا كان مكان المرأة في قلب هذه الصناعات، بل أي نوع من المستقبل سنبنيه عندما تختار المزيد من النساء القيادة ورواية القصص التي تُشكّل هويتنا.