رحيل مديحة العجروش أثر باقِ لمسيرة متعددة الوجوه محورها الإنسان

رحيل مديحة العجروش أثر باقِ لمسيرة متعددة الوجوه محورها "الإنسان"

20 سبتمبر 2026

رحلت المصورة والمعالجة النفسية السعودية مديحة العجروش تاركة وراءها مسيرة مُشرفة امتدت لسنوات طويلة، تنقلت فيها بين التصوير والعلاج النفسي والعمل المجتمعي.. فلقد امتدت تجربتها الفوتوغرافية لعقود اهتمت خلالها بتوثيق الإنسان والمكان، وفي الوقت الذي منحتها فيه الكاميرا فرصة للنظر إلى العالم وتوثيق تفاصيله، أخذها العلاج النفسي إلى مساحة أخرى أكثر قربًا، تقوم على الإصغاء والفهم ومساعدة الآخرين على الاقتراب من ذاتهم، وصولا إلى حضور ممتد إلى قضايا المرأة والمجتمع.. في إطار اهتمامها بـ "الإنسان" ليكون هو عمود مسيرتها والمحور الرئيسي الذي جمع هذه المساحات المختلفة.

مديحة العجروش.. العلاج النفسي كمساحة لاكتشاف الذات

المصورة والمعالجة النفسية السعودية مديحة العجروش الصورة من حساب المصورة تسنيم السلطان
المصورة والمعالجة النفسية السعودية مديحة العجروش الصورة من حساب المصورة تسنيم السلطان

عملت مديحة العجروش كمعالجة نفسية لأكثر من 25 عامًا، وكانت ترى العلاج النفسي أكثر من وسيلة للتعامل مع الصعوبات، وتصفه بأنه رحلة لاكتشاف الذات، يبدأ فيها الإنسان بفهم أفكاره ومشاعره بصورة أعمق، ليصبح أكثر قدرة على التعامل مع ما يمر به والمضي نحو حياة أكثر امتلاءً واتصالًا.

ومارست عملها كمعالجة نفسية من عيادتها الخاصة في الرياض، إلى جانب تقديم جلسات عبر الإنترنت، وكانت تؤمن بأن التجربة العلاجية لا يمكن أن تكون واحدة للجميع، فلكل شخص قصته وظروفه واحتياجاته، ولذلك وصفت أسلوبها بأنه تعاوني يقوم على العمل مع الشخص للوصول إلى ما يناسبه، فيما كانت المساحة الآمنة جزءًا أساسيًا من رؤيتها للعلاج، فلقد حرصت على أن يشعر من يلجأ إليها بأنه سيُقابل بالاحترام والتعاطف، بعيدًا عن الأحكام، أيًا كانت نقطة البداية التي يأتي منها أو التغيير الذي يسعى إليه.

صورة من تبوك بعدسة المصورة السعودية مديحة العجروش
صورة من تبوك بعدسة المصورة السعودية مديحة العجروش

ومن وجهة نظرها، لا يقتصر العلاج على تجاوز لحظة صعبة، بل يمكن أن يكون فرصة لفهم التجارب السابقة والظروف الحالية، والتعرف إلى الأنماط التي تتكرر في حياة الإنسان، ثم اتخاذ خطوات نحو تغييرها، وكانت ترى أن كل جلسة هي استثمار في الذات، يساعد الشخص على الاقتراب من الأهداف التي يريدها لحياته.

سنوات من التعلم والإصغاء

رحيل مديحة العجروش تاركة وراءها مسيرة امتدت لسنوات طويلة - الصورة من حساب تسنيم السلطان
رحيل مديحة العجروش تاركة وراءها مسيرة امتدت لسنوات طويلة - الصورة من حساب تسنيم السلطان

استندت تجربتها في العلاج النفسي إلى دراسة وتدريب متخصصين، فقد حصلت على درجتي ماجستير من كلية المعلمين في جامعة كولومبيا في نيويورك، في علم النفس الإرشادي والتعليم، كما حصلت على ترخيص في علم النفس الإرشادي من ولاية نيويورك، وتلقت تدريبًا متخصصًا في العلاج النفسي والتحليل النفسي.

وخلال سنوات ممارستها، شملت خبرتها التعامل مع مجموعة واسعة من الحالات والتحديات، من بينها الاكتئاب، والعلاج المعرفي، واضطرابات الأكل، والتعرض للإساءة الجسدية أو الجنسية، والعنف الأسري، وقضايا الأسرة والهوية الجنسية، إلى جانب التدخل في الأزمات والعلاج قصير وطويل المدى.

ولم تتعامل مع التعلم باعتباره مرحلة تنتهي عند الحصول على المؤهلات، بل أكدت أن حرصها على تقديم أفضل علاج ممكن دفعها إلى مواصلة الاطلاع ودمج الأساليب والتدخلات الحديثة القائمة على الأبحاث في ممارستها.. وفي كل ذلك، ظل التعاطف والاحترام بالنسبة إليها جزءًا أساسيًا من التجربة العلاجية.

عدسة تلتقط الإنسان والمكان

صورة من الرياض عام 1990 بعدسة المصورة مديحة العجروش
صورة من الرياض عام 1990 بعدسة المصورة مديحة العجروش

إلى جانب العلاج النفسي، كانت مديحة العجروش مصورة وكاتبة، وهما جانبان لم يكونا منفصلين عن نظرتها إلى الحياة، فقد منحتها الصورة طريقة أخرى للتأمل والتعبير، ومساحة للنظر إلى الأشخاص والأماكن والتفاصيل من زاوية مختلفة، فيما امتدت تجربتها الفوتوغرافية لعقود واهتمت بتوثيق الإنسان والمكان وخاصة في السعودية، ووُصفت أعمالها بأنها تركز على التصوير الوثائقي الإنساني.

ولم تبدُ الصورة بالنسبة إليها مجرد مهنة منفصلة عن عملها كمعالجة نفسية، بل مساحة أخرى للتأمل والتعبير ورؤية الحياة من زاوية مختلفة، ومع اهتمامها بالإنسان وتجاربه، كان التصوير يمنحها طريقة أخرى في الاقتراب من العالم من حولها، فبينما اعتمدت في عملها النفسي على الحوار والإصغاء وفهم التجارب، أتاحت لها الكاميرا أن تحفظ ما تراه بعينها، وأن تمنح التفاصيل والأشخاص والأماكن حضورًا بصريًا خاصًا.

حضور ممتد إلى قضايا المرأة والمجتمع

لقطة لامرأة بالزي النجدي بعدسة المصورة السعودية مديحة العجروش
لقطة لامرأة بالزي النجدي بعدسة المصورة السعودية مديحة العجروش

لم ينحصر اهتمام الراحلة مديحة العجروش بالإنسان في الجلسات العلاجية فحسب، بل امتد إلى العمل المجتمعي والقضايا الاجتماعية التي تمس حياة النساء والأطفال والأسرة، وجاء هذا الاهتمام متقاطعًا أيضًا مع خبرتها المهنية في العلاج النفسي، التي شملت التعامل مع العنف الأسري والتعرض للإساءة الجسدية والجنسية وقضايا الأسرة، فكانت ترى الإنسان ضمن محيطه وعلاقاته وتجربته كاملة، وليس بمعزل عن الظروف التي يعيشها.

ومن خلال عملها المجتمعي، شاركت في تأسيس ملجأ للنساء والأطفال الذين تعرضوا للعنف، كما كانت من بين مؤسسي برنامج الأمان الأسري الوطني، وشغلت سابقًا عضوية مجلس إدارته، وامتد حضورها في هذا الجانب إلى مشاركة المعرفة والخبرة، من خلال تدريب والإشراف على متخصصين في مجال الصحة النفسية في السعودية، إلى جانب تدريب العاملين في مؤسسات صحية، كما عُرفت كإحدى الشخصيات الداعمة والمناصرة لحقوق المرأة.

مسيرة متعددة الوجوه محورها "الإنسان"

من لقطات المصورة السعودية مديحة العجروش
من لقطات المصورة السعودية مديحة العجروش

يصعب اختصار مسيرة مديحة العجروش -رحمها الله- في لقب واحد، فلقد كانت معالجة نفسية كرّست سنوات لفهم الآخرين ومساعدتهم، ومصورة وجدت في الكاميرا وسيلة أخرى لرؤية العالم، وكاتبة، إلى جانب أدوارها كأم وزوجة.. ولكن وسط هذه الأدوار المختلفة، بقي هناك اهتمام واحد يشغلها ليتكرر بأشكال متعددة: وهو "الإنسان" فتارة من خلال صورة تلتقط لحظة أو مكانًا، وتارة من خلال جلسة تقوم على الإصغاء، وتارة عبر العمل الذي يمتد إلى المجتمع.. لتخلد مسيرتها كرحلة متكاملة متعددة الوجوه محورها "الإنسان".

الصور من حسابها وموقعها.

شروق هشام – محررة صحافية تقيم في الرياض، انضمت لمجلة "هي" عام 2012 للعمل في قسم السعودية، متخصصة في الفنون واللايف ستايل والأزياء والجمال. حاصلة على شهادة البكالوريوس في الهندسة المعمارية من جامعة دار العلوم في الرياض.