خاص "هي": رسالة كريستين أسود.. كلمة واحدة تقلب كل المعادلة
في عام تُعيد فيه النساء تعريف أولوياتهن، وتبحث فيه المجتمعات عن معنى أعمق للرفاه الداخلي، تظهر البدايات الجديدة ليس في خطوة عابرة، بل عبر قرار واع يُغيّر مسار الحياة. نلتقي كريستين أسود رائدة أعمال ومتخصصة بالتدريب القيادي وعضو لجنة برنامج Shark Tank لبنان، وامرأة كرّست ثلاثة عقود لتفكيك فكرة النجاح، وإعادة بنائها بصوت أنثوي أكثر صدقا واتزانا. بين آلاف القصص التي جمعتها خلال مسيرتها، أدركت كريستين أن معارك النساء الحقيقية لا تُخاض في قاعات الاجتماعات فحسب، بل في تلك المساحات الصامتة بين الذنب والشكّ والخوف، وفي الأحلام المؤجلة التي تنتظر لحظة "نعم".
ومن هنا وُلد كتابها الجديد The Power to Say Yes، ليشكل دعوة صريحة لكل امرأة كي تستعيد قيادتها لحياتها وأن تمنح نفسها بداية جديدة، وتختار ما ينسجم مع غايتها لا ما يُفرض عليها. في هذا الحوار العميق، تكشف كريستين كيف يتحوّل قول "نعم" من كلمة بسيطة إلى ممارسة للسلام الداخلي، وكيف يمكن للوضوح أن يبدّل إيقاع حياة كاملة. نتحدث عن الخوف، عن الأدوار التي كبّلَت النساء طويلا، عن قوّة الاختيار، وعن تلك الشرارة الصغيرة التي تُعيد بناء الأمل. ولأن البدايات الجديدة لا تكتمل من دون شجاعة، تشاركنا كريستين ما تعلّمته من عالم ريادة الأعمال ومن كواليس Shark Tank، إذ تُختبر القرارات تحت الضوء، والمستقبل يُرسم في ثوانٍ. هذا اللقاء ليس مجرد حوار، بل هو مساحة هادئة لمن تبحث عن بداية أنقى، عن صوت أعلى، وعن عام تدخل إليه بوضوح وقلب خفيف. عام تقول فيه المرأة: نعم لنفسي، نعم لراحتي، ونعم لرحلتي الجديدة.

مــــــا اللحـظــــة التـــي أطـــلـــقـــــت شــــــرارة فــــكـــــرة كـــــتــــــــاب The power to say yes؟ ولماذا شعرتِ بأن الوقت قد حان لمشاركة رسالتك مع العالم؟
عندما بدأت مسيرتي المهنية منذ 30 عاما، كنت أؤمن بصدق بأنه لا وجود لفارق حقيقي بين المرأة والرجل في بيئة العمل. كنت أعتقد أن الذكاء والكفاءة والطموح هي ما يصنع النجاح.
لكن بعد 3 عقود من الخبرة، وبعد أن أشرفتُ على تدريب أكــثـــر من 3000 امرأة، بدأت ألاحظ نمطا واضحا. ليس في القدرات، فالنساء لسنَ أقل موهبة والتزاما وطموحا من الرجال، بل في تأثير حياتهن الشخصية العميق في مساراتهن المهنية.
فبالنسبة للرجال، يبقى العمل هو الأولوية، سواء تزوّجوا أو أصبحوا آباء. هذا طبيعي لهم ولأسرهم وللمجتمع. أما المرأة، فطــــريقـــهـــا أكثر تعقيدا، من الممكن أن تتوقف عن العمل خــــــلال الحــمل، أو تخـــفّــــف من وتيرة مسيرتها خلال سنوات الأمومة الأولى. لاحقا تواجه تحديات تربية المراهقين، ثم تمرّ بتحولات صامتة مثل مرحلة ما قبل انقطاع الطمث أو انقطاعه.
ما رأيـــتـــه مــــرارا كــــان نــــســـاء لامـــعـــات يحملن أثقالا صامتة: الذنب، والشكّ، والشعور بعدم الكفاية، أو الإحساس بأنهن "ضحايا"، عندها اتخذت قراري بأن أكتب هذا الكتاب.
The Power to Say Yes هو طـــريقــــــتي لتـــكـــريـــــم تـــــلك القصص، وتقديم أدوات وتقنيات تساعد المرأة على استعادة صوتها وقراراتها، وأن تعيش حياة ذات معنى، بشروطها هي.
تتحدّين في الكتاب ثقافة "احمي سلامك الداخلي بقول لا". لماذا ترين أن "نعم" قد تكون خيارا أكثر تمكينا؟
أنا لستُ ضد كلمة "لا"، بل خصصت لها فصلا كاملا بعنوان "قوّة أن تقول لا" The Power to Say No. لكن ما تعلّمته من خبرتي ومن العمل مع آلاف النساء هو التالي: قبل أن تتعلمي قول "لا"، عليك أن تعرفي لمن تقولين "نعم". إن لم تكوني واضحة بشأن غايتك وأولوياتك ونمط الحياة الذي تريدينه، يصبح "لا" مجرد ردّ فعل عشوائي.
قول "نعم" هو خيار يرتبط بالانسجام الداخلي. هو قبول بالنمو، بالفرص التي تتطوّرك، بالعلاقات التي تغذيك، وقبل كل شيء، قول "نعم" لنفسك.
عندما يصبح لديك هذا الوضوح، تصبح "لا" أسهل وأكثر استراتيجية. لا ترفضي شيئا بدافع الخوف أو الإرهاق، بل بدافع الوعي، لأنك تعرفين ما تريدينه حقا.
تذكرين في الكتاب أن قول "نعم" طوّر حياتك بطرق لم تتوقعيها. ما "النعم" التي غيّرت كل شيء بالنسبة إليك؟
حياتي بصراحة سلسلة من "نعم". لكن أحدثها وأعمقها تأثيرا كان قولي "نعم" لكتابة هذا الكتاب. لم أفكر يوما في نفسي بصفتي كاتبة، ولم يخطر ببالي أنني سأصدر كتابا. كنت أعرف غايتي: تمكين النساء ودعم روّاد الأعمال. ومن ذلك الوضوح، جاءت فكرة الكتاب بشكل طبيعي. في البداية قاومت الفكرة، وفكرت فيها لأشهر. لكن عندما قلت "نعم" وبدأت الكتابة، لم أتوقف حتى انتهيت. الكلمات خرجت من مكان عميق، ليس فقط من تجربتي، بل من قصص النساء اللواتي عملت معهن.
أجمل ما في التجربة كان ردود الفعل. نساء كتبن لي: "أنتِ تروين قصتي". والمفاجأة الكبرى كانت الرجال الذين قالوا إن الكتاب ساعدهم على فهم النساء في حياتهم، بل وعلى إعادة التفكير في مفهومهم للسعادة والمعنى.

كثير من النساء يخشــيـن قول "نعم" خوفا من الفشل أو الـــحـــكـــم أو بســـبــــب "متـــــلازمة المحتال" imposter syndrome. كــــيــــف يــــعــــالـــــج الكـــتـــــاب هــــذه العوائق العاطفية؟
الخوف جزء طبيعي من رحلتنا، ولا أؤمن بضرورة تجاهله أو كبته. في الكتاب أتحدث عن أهمية الجلوس مع الخوف، وفهم جذوره، والاستماع لقصته. غالبا ما يكون الخوف انعكاسا لشيء أعمق: الخوف من الفشل، من الحكم، أو من ذلك الصوت الخافت الذي يقول "أنا لست كافية". لكن التحوّل يبدأ عندما يصبح لديك وضوح في غايتك ورؤيتك وأولوياتك. حينها لن يختفي الخوف، لكنه يفقد قوّته. تبدئين بقول "نعم" ليس لأنك بلا خوف، بل لأن حلمك أصبح أكبر من شكوكك. هذا ما أريد لكل امرأة تقرأ الكتاب أن تشعر به، ليس فقط الإلهام، بل التمكين بالأدوات. أدوات لمواجهة الخوف، والاستمرار على الرغم من وجوده. لأن الخطر الحقيقي ليس في قول "نعم" والفشل، بل في عدم المحاولة مطلقا.
أي شعور تتمنّين أن يلامس قلب المرأة التي تقرأ كتابك؟
تلقيت رسائل مؤثرة تقول: "كنت في أسوأ حالاتي، وهذا الكتاب أعاد لي الأمل". وهذا أثمن ما يمكن أن أسمعه.
عندما تمرّ المرأة بوقت صعب، تشكّ في نفسها، تشعر بأنها عالقة أو أنها فقدت قيمتها، فهي تحتاج فقط إلى شرارة، رسالة تقول لها: أنتِ لست وحدك، وأنتِ لستِ مكسورة. أحبّ كُتب النموّ الشخصي، لأن كل امرأة تقرأ الشيء الذي تحتاجه في اللحظة التي تعيشها. الصفحات تختلف في تأثيرها، وهذا جمال التجربة.
أتمنى أن يمنح الكتاب القارئة شعورا بالخيارات:
"ربما لست عالقة كما أعتقد".
"ربما لديّ خيار".
"ربما هذه ليست النهاية، بل البداية".
أريده كتـــابــــا إيجـــــابــيـــــا، مُعــــديــــــا. يحـــــوّلــــهـــا من وضع الضحية،إلى استعادة القوّة، إلى تلك الدفعة الناعمة ولكن الحاسمة التي تجعلها تقول "نعم" من جديد للحياة التي تريدها.
ما نصيحتك لكل امرأة ؟
اقرئي الكتاب، طبّقي التمارين، استخدمي دفتر التخطيط، قدّميه لكل امرأة تحبينها، وابدئي بقول "نعم".
نعم لنفسك.
نعم لغايتك.
نعم لحياة سعيدة وذات معنى.
Shark Tank.. حين تختبر ريادة الأعمال قوّة الـ"نعم"

أنتِ من الشخصيات الأكثر حضورا وجرأة في برنامج لبنان Shark Tank كيف عزّز البرنامج المبادئ التي شاركتها في كتابك؟
قول "نعم" للمشاركة في برنامج لبنان Shark Tank كان قفزة نحو المجهول، ومثالا حيا لما أكتبه في الكتاب. عندما جاءت الفرصة، كنت واضحة بغاياتي: تمكين روّاد الأعمال، وخاصة النساء، فقلت "نعم". وقلت لنفسي: سأتعلم الطريق أثناء السير فيه. هذه هي قوّة "نعم"، لستِ بحاجة إلى معرفة كل شيء مسبقا. لا تحتاجين لكل الإجابات. عندما تكون النية واضحة والغرض منسجما معك، يتكشف الطريق. اليوم أصبح لبنان Shark Tank جزءا كبيرا من حياتي المهنية، ولم أكن أتوقع ذلك. لكنه يؤكد ما أقوله دائما: عندما تقولين "نعم" لما يتوافق مع غايتك، تفتح لك الأبواب غير المتوقعة.
نشاهدك في البرنامج تتخذين قرارات سريعة. لكن خلف الكواليس، كيف تبدو عملية اتخاذ القرار فعلا؟
ما تشاهدونه على الشاشة قريب جدا مما يحدث في الواقع، لأن البرنامج غير مكتوب، غير مُعد مسبقا، ولا نتلقى معلومات عن المشاريع قبل التصوير. لا نعرف من سيظهر أمامنا، ولا القطاع، ولا الفكرة. كل سؤال، كل تفاوض، كل ردّة فعل، يحدث في اللحظة نفسها. وهذا ما يجعل التجربة حقيقية وممتعة.
الاختلاف الوحيد هو الوقت. فالعرض الواحد قد يستمر 30 إلى 45 دقيقة وربما أطول، بينما يُختصر على التلفاز إلى نحو 8 دقائق. لذا، ما ترونه هو "أكثر اللحظات كثافة"، بينما تبقى تفاصيل كثيرة وراء الكواليس.
ما الذي يجعل عرضا ما لا يُقاوم بالنسبة إليك؟ هل هو الفكرة أم المؤسس أم القصة أم الطاقة؟
أتبّع إطارا واضحا أعتمده في كل عرض، وهو ما أسمّيه العناصر الـ5، وأقيّم خلالها مدى قابلية المشروع للاستثمار:
الشخص: أنظر أولا إلى مؤسس المشروع: هل هو شغوف؟ هل يؤمن بما يبنيه؟ هل يعرف قطاعه ومشروعه وأرقامه؟ في المراحل المبكرة، الاستثمار يكون في الأشخاص قبل الأفكار.
المشكلة: ما المشكلة الحقيقية التي يحلّها المشروع؟ كثيرون يخلطون بين المنتج والمشكلة. إن كنت تبيع هاتفا، هل مشروعك عن الهاتف، أم عن التواصل بين الناس؟ عندما تفهم المشكلة، يمكنك تطوير منتجاتك.
الإمكانات: ما حجم السوق؟ كم عدد الأشخاص الذين يعانون من المشكلة؟ وكم منهم مستعدون للدفع؟ الطلب هو أساس التوسّع.
الأداء: هل لديكم مبيعات؟ زبائن متكررون؟ traction؟
في الموسم الأول، كثير من المؤسسين لم يعرفوا أرقامهم، وهذا كان إنذارا خطيرا.
الفريق: من يقف وراء المشروع؟ هل لدى الفريق المهارات الصحيحة والدعم الذي يحتاجه للنمو؟
عندما تجتمع العناصر الـ5، يكون القرار "نعم". لكن أهم 3 عناصر تبقى: الشخص، والمشكلة، والإمكانات.
بما أنّكِ درّبتِ عددا هائلا من روّاد الأعمال، برأيك ما التحوّل الذهني الأكبر الذي يحتاجه روّاد الأعمال في 2026؟
أهم تحوّل نحتاجه، خصوصا في لبنان، هو الانتقال من عقلية البقاء إلى عقلية النمو.
خلال السنوات الماضية، عاش روّاد الأعمال اللبنانيون تحديات غير مسبوقة: اقتصاد هشّ، عدم استقرار، عدم يقين. وهذا دفع معظمهم إلى نمط "البقاء بأي ثمن". أصبحوا يلعبون "حتى لا يخسروا"، بدل أن يلعبوا "من أجل الفوز".
لكنني أؤمن بأن لبنان جاهز لمرحلة جديدة. حان الوقت للخروج من دائرة الخوف، والعودة إلى الرؤية. من "كيف أعيش هذا الشهر؟" إلى "كيف أتوسّع وأقود وأبتكر؟".
التحوّل لن يحدث في يوم واحد، لكنه يبدأ بالنية.
ما العرض الذي فاجأك خلال البرنامج، سواء إيجابا أو سلبا؟ ولماذا؟
أكــثــــر ما فــــاجــــأني هــــوـ عــــدد الـــعــــــروض التي لم يعرف فيها المؤسسون أرقامهم. بعضهم لم يعرف الفرق بين المبيعات والأرباح. البعض أعطى أجوبة متناقضة كلما سألنا ســــؤالا مـــاليــــا بسيــــطـــــا. وفي بــــعـــــض الــــــــحــــالات، بـــــــــدا كـــــأنـــــنــــــا نـــحـــن الـSharks نشرح لهم نموذج أعمالهم بدلا منهم. كان ذلك صادما! وهو رسالة واضحة لمن يتقدّم للموسم الـــثاني: علـــيـــــك أن تعرف أرقامك. هذا ليس تفصيلا، بل هو جزء أساسي من أي مشروع. المفاجأة الأخرى كانت الجانب العاطفي للتجربة. دخلت البرنامج بعقليتي المهنية، بإطارات العمل والتحليل. لكن عندما تجلسين على ذلك الكــــرسي وعلــــيـــــك اتـــــخـــــــاذ قرار خــــــلال دقـــــائــــــــق، يتـــــــحوّل الأمر إلى مــــزيـــــج من المنـــطـــــق والحدس. أنتِ لا تستثمرين في شــــركــــــة فــــقــــط، بل تستثمرين في إنسان، في حلم، في طاقة. هذا التــوازن بين الاستراتيــــجــيـــــة والغريزة كان أحد أجمل جـــوانـــب التـــجــربـــــة. ونـــحـن جميعا متحمسون لما سيحمله الموسم الثاني.