جانين جعفر، خبيرة الصحة الهرمونية ومؤسسة منصة «ريفايڤ»

جانين جعفر تكشف لـ"هي" أسرار الصحة الهرمونية: ما الذي يتغيّر في جسم المرأة بعد الأربعين؟

في مرحلة تحمل الكثير من التغيرات الجسدية والنفسية، قد تجد المرأة نفسها أمام أعراض لا تعرف دائمًا كيف تفسرها؛ من اضطرابات النوم والقلق وتقلبات المزاج، إلى تغير الوزن وضباب الدماغ وتراجع الطاقة. لكن هذه المرحلة، التي تسبق انقطاع الطمث وترافقه، لا يجب أن تنظر إليها باعتبارها بداية التراجع، بل كمرحلة جديدة تستحق فهمًا أعمق وعناية مختلفة.

من هذا المنطلق، اختارت جانين جعفر، خبيرة الصحة الهرمونية ومؤسسة منصة "ريفايڤ" في بيروت، أن تكرس عملها لمساعدة النساء على فهم أجسادهن والتعامل مع التغيرات الهرمونية من خلال التغذية ونمط الحياة والوعي الصحي. في هذا الحوار، تتحدث عن العلامات المبكرة لما قبل انقطاع الطمث، وتأثير الهرمونات على الدماغ والمزاج والوزن، وأهمية العضلات والنشاط البدني، كما تشارك نصائحها للحفاظ على الصحة والحيوية بعد الأربعين.

جانين جعفر، خبيرة الصحة الهرمونية ومؤسسة منصة «ريفايڤ»
جانين جعفر، خبيرة الصحة الهرمونية ومؤسسة منصة «ريفايڤ»

ما الذي دفعك إلى التخصص في الصحة الهرمونية، ولا سيما في دعم النساء خلال مرحلتي ما قبل انقطاع الطمث وانقطاع الطمث؟

لطالما آمنت بأن فهم الهرمونات بالنسبة إلى المرأة هو، في جوهره، فهم أعمق لكيفية عمل جسدها. كان هذا المجال شغفًا بالنسبة إلي، لكنه تحول إلى رحلة شخصية عندما دخلت بنفسي مرحلة ما قبل انقطاع الطمث، واختبرت عن قرب حجم التحديات التي قد ترافقها، كما أدركت مدى الحاجة إلى دعم حقيقي وموثوق خلال هذه المرحلة.

وبفضل خلفيتي في التدريب على الصحة الغذائية التكاملية وتخصصي في الصحة الهرمونية، قررت أن أتعمق أكثر في مجال رعاية المرأة خلال مرحلة انقطاع الطمث، وأن أحول تجربتي ومعرفتي إلى مساحة يمكن للنساء أن يجدن فيها الدعم والمعلومة.

ومن هنا أسست منصة «ريفايڤ» في بيروت. ولم أرد أن تقتصر رسالتها على تقديم الدعم الفردي للنساء، بل أن تكون أيضًا مساحة للتوعية والدفاع عن قضايا الصحة الهرمونية، من خلال تقديم محتوى تعليمي مجاني يستند إلى العلم وأحدث الأبحاث. وهذا هو النهج الذي أواصل تقديمه اليوم عبر منصاتي على وسائل التواصل الاجتماعي.

الصحة الهرمونية تبدأ بالفهم والوعي.
الصحة الهرمونية تبدأ بالفهم والوعي.

ما الخدمات التي تقدمينها اليوم عبر «ريفايڤ»، وكيف تساعدين النساء على التعامل مع التغيرات التي ترافق هذه المرحلة؟

في «ريفايڤ»، أقدّم جلسات استشارية فردية وورش عمل جماعية مخصصة للنساء بين الخامسة والثلاثين والخامسة والستين من العمر. أركز بشكل أساسي على التغذية ونمط الحياة، وأعمل مع كل امرأة على تطوير استراتيجيات عملية تساعدها على التعامل مع مجموعة من الأعراض والتغيرات التي قد ترافق هذه المرحلة، مثل اضطرابات النوم، وتغيرات الوزن، وتقلبات المزاج، وآلام المفاصل، والتغيرات المرتبطة بالصحة الجنسية وغيرها.

كما أتعاون مع مجموعة من الأطباء لدعم مرضاهم من الناحيتين الغذائية ونمط الحياة، وهما جانبان لا يتوافر للأطباء دائمًا الوقت الكافي لمتابعتهما بالتفصيل، رغم أهميتهما في رحلة المرأة الصحية.

واليوم، لا تقتصر خدمات «ريفايڤ» على النساء في لبنان، بل أقدّمها لنساء من مختلف أنحاء الشرق الأوسط، إلى جانب عدد متزايد من العميلات في أوروبا والولايات المتحدة، وهو ما يعكس اتساع الاهتمام بالصحة الهرمونية والحاجة إلى مصادر موثوقة للدعم والتوعية في هذه المرحلة.

ما الفرق بين مرحلة ما قبل انقطاع الطمث ومرحلة انقطاع الطمث، ومتى تبدأ التغيرات الهرمونية؟

يعرف انقطاع الطمث بمرور 12 شهرًا متتاليًا من دون دورة شهرية، ولذلك يمكن تحديده بوضوح نسبيًا. أما مرحلة ما قبل انقطاع الطمث فهي أكثر تعقيدًا، إذ لا ترتبط بعلامة محددة، وقد تبدأ قبل انقطاع الطمث الفعلي بأربع إلى عشر سنوات.

خلال هذه المرحلة، تبدأ الهرمونات بالتقلب بشكل غير منتظم استعدادًا للانتقال، ما قد يؤدي إلى ظهور أعراض متغيرة من فترة إلى أخرى. وبعد انقطاع الطمث، تصبح مستويات الإستروجين والبروجسترون منخفضة بشكل أكثر استقرارًا.

لذلك، لا يعتمد تحديد مرحلة ما قبل انقطاع الطمث على فحوصات الدم وحدها، بل على الأعراض والسياق الصحي للمرأة، خصوصًا أن التجربة تختلف بشكل كبير من امرأة إلى أخرى.

مرحلة جديدة... وجسد يستحق عناية مختلفة
مرحلة جديدة... وجسد يستحق عناية مختلفة

ما الأعراض التي غالبًا ما تنسبها النساء إلى التوتر أو الإرهاق، بينما قد تكون مرتبطة في الواقع بالتغيّرات الهرمونية؟

هناك مجموعة من الأعراض التي قد لا تربطها المرأة مباشرة بالهرمونات، مثل القلق، وضباب الدماغ، والنسيان، وصعوبة التركيز. وغالبًا ما تنسب هذه التغيّرات إلى التوتر أو الإرهاق، بينما قد تكون مرتبطة بتقلبات هرمون الإستروجين وتأثيره في الدماغ.

فالإستروجين يؤدي دورًا مهمًا في تنظيم بعض الناقلات العصبية، مثل السيروتونين والدوبامين، المرتبطة بالمزاج والذاكرة والتركيز. لذلك، عندما تتغير مستوياته، قد تلاحظ المرأة تأثيرات تتجاوز الأعراض الجسدية لتطال صحتها النفسية والذهنية أيضًا.

هل يمكن أن تبدأ أعراض ما قبل انقطاع الطمث في أواخر الثلاثينات؟ وما أبرز العلامات المبكرة؟

بالتأكيد. قد تبدأ بعض النساء بملاحظة أعراض هذه المرحلة في أواخر الثلاثينات أو أوائل الأربعينات. ومن أبرز العلامات المبكرة اضطرابات النوم، والقلق المفاجئ، والتغيرات غير المفسرة في الوزن، إضافة إلى تغيرات في الصحة الجنسية، مثل انخفاض الرغبة أو الجفاف المهبلي.

وهناك أكثر من 40 عرضًا قد يرتبط بمرحلة ما قبل انقطاع الطمث، ومع استمرار الأبحاث تتسع معرفتنا بتأثير هذه المرحلة في مختلف جوانب صحة المرأة.

ما العلاقة بين التغيرات الهرمونية والكورتيزول، ولماذا قد تشعر بعض النساء بزيادة في القلق والتوتر خلال هذه المرحلة؟

مع انخفاض مستويات الإستروجين والبروجسترون، تصبح المرأة أكثر حساسية لتأثير هرمونات التوتر، ومنها الكورتيزول. فالإستروجين والبروجسترون يساعدان في تنظيم استجابة الجسم للتوتر، ومع تقلبهما أو انخفاضهما قد تصبح هذه الاستجابة أقوى وتستمر لفترة أطول.

ولهذا قد تلاحظ بعض النساء زيادة في القلق والعصبية وتقلبات المزاج، أو يشعرن بأن قدرتهن على التعامل مع الضغوط اليومية لم تعد كما كانت من قبل.

لماذا تعاني بعض النساء من ضباب الدماغ والنسيان وضعف التركيز خلال هذه المرحلة؟

يحتوي الدماغ على عدد كبير من مستقبلات الإستروجين، خصوصًا في المناطق المرتبطة بالذاكرة والمزاج وتنظيم حرارة الجسم. ومع تقلّب مستويات الإستروجين وانخفاضها خلال مرحلة الانتقال، قد تتأثر هذه الوظائف، فتظهر أعراض مثل ضباب الدماغ، والنسيان، وصعوبة التركيز، إلى جانب اضطرابات النوم وتقلبات المزاج.

لماذا تصبح زيادة الوزن، وخصوصًا في منطقة البطن، أكثر شيوعًا بعد سن الأربعين؟

هناك عدة عوامل تتداخل في ذلك. فالتغيرات الهرمونية قد تؤثر في طريقة تخزين الدهون، فتنتقل أكثر نحو منطقة البطن، بالتزامن مع انخفاض الكتلة العضلية وتباطؤ عملية الأيض. كما يمكن أن يساهم قلة النوم والتوتر وارتفاع الكورتيزول في زيادة الوزن وتغير تركيب الجسم. لذلك، لا يتعلق الأمر بالطعام وحده، بل بمجموعة من التغيرات التي تحدث في هذه المرحلة.

افهمي هرموناتكِ، وافهمي جسدكِ أكثر
افهمي هرموناتكِ، وافهمي جسدكِ أكثر

هل تحتاج المرأة إلى تغيير نظامها الغذائي بعد الأربعين للحفاظ على صحتها ووزنها؟

نعم، لكن ليس بالضرورة من خلال حمية قاسية. في هذه المرحلة، من المهم التركيز على تقليل الالتهاب وتنظيم مستويات سكر الدم، مع اعتماد أطعمة طبيعية وغنية بالألياف ومضادات الأكسدة وأحماض أوميغا-3، إلى جانب الحصول على كمية كافية من البروتين والدهون الصحية للحفاظ على العضلات والشبع. وفي المقابل، يفضل الحد من السكريات المضافة والكربوهيدرات المكررة.

ما العلاقة بين الكتلة العضلية وطول العمر والصحة الجيدة؟

العضلات من أهم ركائز الصحة مع التقدم في العمر. فالحفاظ عليها يساعدنا على الحركة والاستقلالية، ويدعم صحة العظام والتوازن ويقلل خطر السقوط والكسور. كما تلعب العضلات دورًا مهمًا في تنظيم سكر الدم وصحة الأيض. لذلك، الحفاظ على الكتلة العضلية لا يتعلق بالشكل فقط، بل بالصحة وجودة الحياة على المدى الطويل..

ما نوع النشاط البدني أو التمارين الأكثر أهمية للنساء في هذه المرحلة؟

إذا كان علينا اختيار نوع واحد، فسأضع تمارين القوة في المقدمة. فالمرأة لا تحتاج إلى قضاء ساعات طويلة في النادي؛ يمكن لتمارين القوة مرتين إلى ثلاث مرات أسبوعيًا أن تحدث فرقًا كبيرًا في الحفاظ على العضلات والعظام والقوة والاستقلالية مع التقدم في العمر. الأهم هو الاستمرارية وبناء القوة تدريجيًا.

بعد الأربعين... تبدأ مرحلة جديدة من القوة والحيوية
بعد الأربعين... تبدأ مرحلة جديدة من القوة والحيوية

كيف تؤثر التغيرات الهرمونية على البشرة والشعر، وهل يمكن التخفيف من هذه التأثيرات؟

التغيرات في البشرة والشعر والأظافر شائعة خلال هذه المرحلة. قد تصبح البشرة أكثر جفافًا وأقل مرونة، بينما قد يضعف الشعر أو يفقد جزءًا من كثافته ولمعانه، وتصبح الأظافر أكثر عرضة للتكسر. لذلك من المهم الاهتمام بالترطيب، والتغذية المتوازنة، وحماية البشرة من الشمس، واختيار منتجات لطيفة تتناسب مع احتياجات البشرة والشعر في هذه المرحلة. كما أن التدخل المبكر يساعد على التعامل مع هذه التغيرات بشكل أفضل.

كيف تعرف المرأة ما إذا كانت مناسبة للعلاج الهرموني؟

العلاج الهرموني ليس خيارًا واحدًا يناسب جميع النساء، ولذلك يجب أن يعتمد القرار على التاريخ الصحي للمرأة، وأعراضها، وعوامل الخطورة وتفضيلاتها، بالتعاون مع طبيبها. من المهم أن تكون هذه محادثة مشتركة ومفتوحة، وأن تشعر المرأة بأن لديها الوقت لطرح أسئلتها وفهم الفوائد والمخاطر. وإذا لم تجد المساحة الكافية لهذا النقاش، فمن حقها طلب رأي طبي آخر.

ما الفحوصات أو المؤشرات الصحية التي تنصحين النساء بمراقبتها بانتظام بعد سن الأربعين؟

أعتبر مرحلة الأربعينات فرصة لبناء صورة واضحة عن الصحة قبل الوصول إلى انقطاع الطمث. من المهم الانتباه إلى صحة القلب والعظام والعضلات، ومراجعة مستويات الفيتامينات والمعادن عند الحاجة، إلى جانب متابعة عوامل الخطر المرتبطة بالأيض وصحة القلب. الهدف ليس انتظار ظهور مشكلة، بل معرفة وضعنا الصحي مبكرًا ووضع خطة تساعدنا على الحفاظ على صحتنا في السنوات المقبلة.

 إذا كان بإمكانك تقديم ثلاث نصائح فقط لكل امرأة فوق الأربعين للحفاظ على صحتها وحيويتها، ماذا ستكون؟

أولًا، لا تجعلي النحافة هدفك الأساسي. في هذه المرحلة، القوة أهم؛ فركزي على بناء العضلات والحفاظ على صحة العظام من خلال تمارين القوة.

ثانيًا، اهتمي بصحة دماغك كما تهتمين بجسمك. التغذية الجيدة، والنشاط البدني، والنوم، وإدارة التوتر كلها عناصر مهمة في دعم الصحة الإدراكية على المدى الطويل.

وأخيرًا، لا تهملي العلاقات الاجتماعية. الصحة لا تتعلق فقط بما نأكله أو بعدد المرات التي نمارس فيها الرياضة؛ التواصل، والمجتمع، ووجود أشخاص نشاركهم حياتنا، كلها عناصر أساسية لجودة الحياة. عيشي هذه المرحلة باعتبارها بداية فصل جديد، وليس مرحلة يجب الخوف منها.

مسؤولة تحرير مكتب بيروت ومشرفة على قسم الأعراس