لحظة صمت وسط جلسة جماعية.. أحيانًا يكون الحضور الصامت أبلغ من أي كلام، وهذا بالضبط ما يصعب على شاشة أن تمنحه

الذكاء الاصطناعي والعلاج النفسي لدى جيل Z: لماذا يفضلونه على المعالج البشري ومتى يصبح خطرًا؟

30 سبتمبر 2026

في الآونة الأخيرة، بدأتُ ألاحظ ظاهرة متكررة على وسائل التواصل الاجتماعي: أشخاص يعترفون بصراحة تامة أنهم يستخدمون تطبيقات الذكاء الاصطناعي كبديل عن الأخصائي النفسي.

الاعتراف نفسه لم يعد مصحوبًا بأي إحساس بالحرج، بل يُطرح أحيانًا بنبرة فخر تقريبًا، وكأن اكتشاف هذا "الحل" إنجاز شخصي يستحق المشاركة.

وهذا ما دفعني للتساؤل: هل أصبح الذكاء الاصطناعي فعليًا بديلًا حقيقيًا عن العلاج النفسي التقليدي؟ وهل نستطيع فعلًا أن نأتمنه على أدق تفاصيل حياتنا وأسرارنا؟ وهل يقدّم لنا، في النهاية، حلولًا فعلية؟

لماذا ينجذب جيل كامل إلى هذا الخيار؟

في لحظة واحدة، أصبحت الشاشة هي المستمع الأول.. حين تتحول المساحة الآمنة من كرسي مقابل معالج إلى جهاز بين اليدين
في لحظة واحدة، أصبحت الشاشة هي المستمع الأول.. حين تتحول المساحة الآمنة من كرسي مقابل معالج إلى جهاز بين اليدين

الإجابة، جزئيًا، تكمن في الأرقام.

تشير دراسات حديثة إلى أن نحو 36% من جيل Z وجيل الألفية منفتحون على استخدام الذكاء الاصطناعي للدعم النفسي، بل إن واحدًا من كل أربعة أشخاص أصبح يفضّل التحدث إلى روبوت محادثة على حجز جلسة علاج حقيقية.

والسبب ليس غامضًا: التطبيقات متاحة على مدار الساعة دون الحاجة لانتظار موعد، وتكلفتها زهيدة أو معدومة مقارنة برسوم الجلسات التقليدية، ولا تفرض حدًا زمنيًا صارمًا للحديث كما تفعل الجلسة المحدودة بساعة واحدة.

إضافة إلى ذلك، هناك عامل نفسي لا يقل أهمية: غياب الخوف من الحكم أو الإحراج الذي قد يشعر به البعض أمام معالج بشري حقيقي.

حين تصبح الصدمات موضوعًا للمحادثة مع آلة

أي ساعة من الليل، وبلا موعد مسبق.. هكذا يبدو الدعم النفسي الجديد الذي يفضّل
أي ساعة من الليل، وبلا موعد مسبق.. هكذا يبدو الدعم النفسي الجديد الذي يفضّل

واللافت أن الأمر لا يتوقف عند القلق العابر أو ضغوط اليوم العادي، بل يمتد إلى معالجة الصدمات النفسية العميقة، إذ تشير التقارير إلى أن هذا النوع من الاستخدام يشكّل وحده ما يقارب ثلث حالات اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي للدعم العاطفي.

وهنا تحديدًا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل من المقبول أن نضع تجارب بهذا العمق والحساسية بين يدي نظام لا يملك فهمًا حقيقيًا لما نمر به، مهما بدت إجاباته متعاطفة ومقنعة؟

ماذا يقول المختصون؟

جلسة دعم، لكن مع من؟ الحدود بين المحادثة الإنسانية والتفاعل الرقمي صارت أقل وضوحً
جلسة دعم، لكن مع من؟ الحدود بين المحادثة الإنسانية والتفاعل الرقمي صارت أقل وضوحً

رغم كل هذه الإيجابيات الظاهرية، يحذّر خبراء الصحة النفسية بوضوح متزايد من هذا التوجه.

تقول الدكتورة ميلاني فان زايل، عضوة مجلس إدارة الجمعية الجنوب أفريقية للطب النفسي "SASOP": "لا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفهم السياق الإنساني وتعقيداته بشكل كامل، فردوده تُولَّد من بيانات مُتعلَّمة وأنماط لغوية متوقعة، لا من فهم حقيقي لتجربة الشخص.

كما أنه لا يستطيع ملاحظة الإشارات غير اللفظية المهمة، كلغة الجسد وتعابير الوجه والتغيرات الدقيقة في نبرة الصوت".

ويتفق معها البروفيسور كريستوفر زابو، من الجمعية نفسها، الذي يصف الأمر بوضوح أكبر: "أكبر خطر في اللجوء للذكاء الاصطناعي للدعم النفسي هو نصيحة خاطئة قد تؤدي لعواقب مأساوية".

فالمحادثة العامة مع روبوت ذكاء اصطناعي تفتقد إلى الإشراف السريري الذي يوفره المعالج المرخّص، ولا تخضع لأي التزام قانوني بالسرية كما هو الحال في العلاقة العلاجية التقليدية، والأهم من ذلك، لا تملك خطة تدخل واضحة في حال واجه المستخدم أزمة نفسية حقيقية تستدعي تدخلًا بشريًا فوريًا.

فهل هو بديل، أم أداة مساعدة فقط؟

لحظة صمت وسط جلسة جماعية.. أحيانًا يكون الحضور الصامت أبلغ من أي كلام، وهذا بالضبط ما يصعب على شاشة أن تمنحه
لحظة صمت وسط جلسة جماعية.. أحيانًا يكون الحضور الصامت أبلغ من أي كلام، وهذا بالضبط ما يصعب على شاشة أن تمنحه

ربما يكمن الجواب الأكثر إنصافًا في مكان وسط بين الرفض التام والانبهار الكامل.

فالذكاء الاصطناعي قد يكون أداة مفيدة فعلًا لتفريغ الأفكار أو تنظيمها بين جلسة وأخرى، أو كخطوة أولى لمن يتردد في طلب المساعدة أصلًا.

لكنه يظل، في جوهره، أداة تكميلية لا بديلًا كاملًا عن علاقة علاجية حقيقية، مبنية على تدريب سريري وفهم إنساني عميق وقدرة على التدخل عند الحاجة، وهي عناصر لا يمكن لأي خوارزمية أن تعوّضها بالكامل، مهما تطورت.

وربما السؤال الذي يستحق أن يطرحه كل واحد منا على نفسه ليس "هل يمكنني استبدال معالجي بتطبيق؟"، بل "هل ما أحتاجه فعلًا هو مساحة للتفريغ، أم علاقة علاجية حقيقية تستحق أن أمنحها فرصة؟".

فالإجابة، على الأرجح، تختلف من شخص لآخر، لكنها تستحق تأملًا صادقًا قبل أن تُترك بالكامل لخوارزمية، مهما بدت ذكية أو متفهمة.