كيف نفهم عدم تحمل الهيستامين أثناء انقطاع الطمث؟ خبراء يجيبون
عندما نقول "انقطاع الطمث"؛ فإن أول ما يتبادر إلى الذهن من أعراضٍ مصاحبة لهذا الحدث التغييري في حياة الأنثى، هي الهبات الساخنة والتعرق الليلي.
لكنها ليست الأعراض الوحيدة عزيزتي؛ فهناك العديد من "الأعراض غير المألوفة" أو "غير الشائعة" التي تترافق مع انقطاع الدورة الشهرية، والتي يمكن لبعضها أن يُخلَف آثارًا جانبية سلبية. مثل عدم تحمل الهيستامين، الذي يمكن أن يظهر أو يزداد بشكلٍ واضح خلال مرحلة ما قبل انقطاع الطمث، وانقطاعه؛ بسبب تغيّرات الهرمونات خصوصًا انخفاض البروجستيرون وتقلبات الإستروجين، ما يؤدي إلى صعوبةٍ في تفكيك الهيستامين وتراكمه في الجسم، وبالتالي ظهور أعراضٍ تشبه الحساسية أو أعراض سن اليأس نفسها.
هذا ليس تشخيصًا، بل ظاهرةٌ موثقة طبيًا في أبحاث حديثة لعام 2025–2026. وعليه ينبغي أن تكون الاستشارات المتعلقة بانقطاع الطمث شاملةً، لتشمل بالتأكيد تحرَي مشكلة عدم تحمل الهيستامين وعلاجها بالطرق المناسبة. إذ كثيرًا ما تكشف الاستشارات المستفيضة، عن مشاكل صحية ربما تم تجاهلها سابقًا أو لم تظهر إلا خلال فترة انقطاع الطمث.
في مقالة اليوم، وبناءً على معلومات جمعناها من موقع Healthinmenopause البريطاني والمختص بقضايا انقطاع الطمث؛ نتعرف سويًا عزيزتي على الهيستامين، عدم تحمله، أسباب حدوثه وكيفية علاجه. فإذا كنتِ عزيزتي تمرين بمرحلة انقطاع الطمث، أو تعرفين سيداتٍ يخضنَ هذه التجربة، ننصحكِ بمتابعة قراءة السطور التالية والاستفادة من المعلومات القيَمة فيها.
ما هو الهيستامين؟

هو مادةٌ كيميائية حيوية في الجسم؛ تلعب أدوارًا مهمة في الجهازين المناعي والهضمي، كما أنها ناقلٌ عصبي في الدماغ، يؤثر على النوم، المزاج، الرغبة الجنسية والتفكير. يُنتج الهيستامين في العديد من خلايا الجسم، وخاصة في الخلايا القارية وخلايا الدم البيضاء المعروفة بالخلايا القاعدية. وبالإضافة إلى الهيستامين الذي يُنتجه الجسم، نحصل عليه أيضًا من خلال نظامنا الغذائي.
يتخلص الجسم من الهيستامين بطريقتين رئيسيتين: يُزال الهيستامين الذي نتناوله من خلال الطعام بواسطة إنزيم يُسمى ديامين أوكسيداز (DAO)، كما يُزال الهيستامين الذي يُنتجه الجسم بواسطة إنزيم يُسمى هيستامين-إن-ميثيل ترانسفيراز (HNMT). الوضع الأمثل هو أن يتخلص جسمكِ من الهيستامين بكفاءة حتى لا يتراكم بشكلٍ سام.
ما هو عدم تحمل الهيستامين؟
تخيَلي عزيزتي، حوض استحمام مفتوح الصنبور مع فتحة التصريف - إذا تدفق الماء من الصنبور بكميةٍ أكبر من قدرة التصريف على التصريف، فسيحدث فيضان.
عدم تحمل الهيستامين هو نتيجة فيضان أو تراكم زائد للهيستامين. وقد يُسبَب ذلك عددًا كبيرًا من الأعراض المُنهكة التي تُؤثر على العديد من أجهزة الجسم:
• الجلد: شرى، احمرار، حكة، وأكزيما
• الجهاز التنفسي: التهاب الأنف (سيلان الأنف المستمر)، التهاب الجيوب الأنفية، أزيز، ضيق في التنفس، وسعال مزمن
• الجهاز الهضمي: ارتجاع المريء، غثيان، إمساك، إسهال، انتفاخ، وغازات
• الجهاز الوعائي: دوار، إغماء، صداع نصفي، وذمة (احتباس السوائل)، وخفقان القلب
• الجهاز العصبي: تهيَج، قلق، تشوش ذهني، أرق، إرهاق، وطنين الأذن
• أخرى: آلام المفاصل، ألم الثدي، آلام الدورة الشهرية و/أو غزارة الطمث، ومتلازمة ألم المثانة.
على الرغم من وجود العديد من الأعراض المُحتملة، إلا أن طريقة ظهور عدم تحمل الهيستامين تختلف من شخصٍ لآخر؛ إذ يُعاني مُعظم الأشخاص من مشكلةٍ واحدة أو اثنتين سائدتين، بدلاً من جميع الأعراض المذكورة أعلاه.
تميل الأعراض إلى أن تكون مُتقطعة، تظهر وتختفي اعتمادًا على كمية الهيستامين في الجسم في أي وقت. ومما يزيد الأمر تعقيدًا، أن العديد من الأعراض تتداخل مع أعراض انقطاع الطمث، وقد تُعزى خطأً إلى هذه الأعراض أو إلى حالاتٍ أخرى.
لماذا يحدث عدم تحمل الهيستامين؟

هناك عدة أسباب قد تؤدي إلى الإصابة بعدم تحمل الهيستامين.
ببساطة، قد يكون هناك فائضٌ في إنتاج أو تناول الهيستامين، أو عدم التخلص منه بالقدر الكافي، أو مزيجٌ من الإثنين.
تحتوي العديد من الأطعمة والمشروبات على كمياتٍ كبيرة من الهيستامين، أو تُحفَز إفراز المزيد منه من الخلايا القارية.
من أمثلة هذه الأطعمة:
1. الأطعمة المعتقة أو المخمرة
2. اللحوم المعالجة
3. الأسماك المدخنة
4. السبانخ
5. الفراولة
6. الطماطم
7. الباذنجان
8. الأفوكادو.
يمكن أن تُساهم هذه الأطعمة في تراكم الهيستامين بشكلٍ مفرط.؛ وإذا تناول الشخص كميةً كبيرة من الهيستامين في نظامه الغذائي، فقد يُرهق ذلك قدرة جسمه على التخلص منه.
بالإضافة إلى ذلك، قد يتعطل التخلص من الهيستامين لعوامل أخرى. فهناك أسبابٌ وراثية تجعل بعض الأشخاص أقل فعالية في استخدام إنزيمات DAO و/أو HNMT - وهذا أحد أسباب شيوع عدم تحمل الهيستامين في بعض العائلات.
كما يتأثر إنزيم DAO بعوامل أخرى غير وراثية. فقد يكون سبب انسداد فتحة التصريف جزئيًا (خلل في تنظيمها) بسبب أدوية مختلفة، مثل مضادات الالتهاب غير الستيرويدية (مثل الإيبوبروفين)، مُسكنات الألم، ومضادات الاكتئاب. ومن المفارقات أن هذه الأدوية تُعطى غالبًا في محاولةٍ لعلاج الأعراض الظاهرة، ولكنها قد تُفاقم السبب الكامن دون قصد. كما أن التخلص الفعال من نواتج أيض الإستروجين، يعتمد على بعض العوامل الوراثية والمتعلقة بالأمعاء، لذا فإن أي خللٍ في هذه العملية قد يؤدي لارتفاع مستويات الهيستامين في الدم.
سيواجه الأفراد الذين يعانون من ضعف صحة الأمعاء، صعوبةً في التخلص من الهيستامين بكفاءة. وقد يعود ذلك إلى حالاتٍ مرضية مثل داء الأمعاء الالتهابي أو الداء البطني، أو لاضطرابٍ في ميكروبيوم الأمعاء نتيجةً لسوء التغذية أو استخدام المضادات الحيوية، على سبيل المثال.
يُعدّ الإجهاد المزمن أيضًا عاملًا مساهمًا في عدم تحمل الهيستامين، إذ يزداد إفراز الهيستامين من الخلايا القارية تحت تأثير الكورتيزول، وهو هرمون التوتر.
لماذا يُعدّ عدم تحمل الهيستامين مشكلةً خلال سن الأمل؟

يرتبط هرمون الإستروجين والهيستامين ارتباطًا وثيقًا، لذا قد تظهر هذه المشكلة عند سن اليأس مع تغيَر مستويات الإستروجين. يُحفَز الإستروجين الخلايا القارة على إفراز الهيستامين (مما يزيد من إفرازه)، كما أنه يُخلّ بتنظيم إنزيم DAO (ما يُقلل من إفرازه أو يُعيقه).
يشجع الهيستامين أيضًا على زيادة إفراز الإستروجين من المبيضين، مُشكلاً حلقةً مُفرغة؛ حيث يؤدي ارتفاع مستوى الهيستامين إلى زيادة مستوى الإستروجين، وزيادة مستوى الإستروجين تؤدي بدورها إلى زيادة مستوى الهيستامين. لذلك، تكونين أكثر عرضةً لتأثيرات الهيستامين عندما يكون مستوى الإستروجين في أعلى مستوياته، وعادةً ما يكون ذلك في سن البلوغ، ثم مرةً أخرى خلال فترة ما قبل انقطاع الطمث عندما تحدث تقلباتٌ حادة في مستوى الإستروجين.
تشعرُ العديد من النساء في الأربعينيات من العمر، واللاتي يصلنَ إلى مرحلة ما قبل انقطاع الطمث (غالباً دون علمهنَ)، بأنهنَ قد أصبنَ بحساسيةٍ أو عدم تحمل جديد، ربما تجاه بعض الأطعمة، أو يلاحظنَ ظهور حالاتٍ مرضية جديدة مثل حمى القش أو الإكزيما أو الربو لأول مرة أو تفاقمها.
إذا كنتِ لا تزالين تحيضين؛ فإن مستوى هرمون الإستروجين لديكِ يبلغ ذروته في منتصف الدورة (أثناء الإباضة)، ثم يرتفع مرةً أخرى بدرجة أقل قبيل بدء الدورة الشهرية. ولهذا السبب، من الشائع ملاحظة أعراض عدم تحمل الهيستامين في هذه الأوقات من الدورة. قد تشعرين برشحٍ شديد أو احمرار في الوجه بسهولة بعد تناول بعض الأطعمة، ولكن فقط في هذه الأوقات من الشهر. إن تدوين الأعراض وتحديد وقت ظهورها في الدورة الشهرية قد يكون مفيداً جداً في تحديد المشكلة.
وبينما تشهد النساء اللاتي يبدأنَ بتناول الإستروجين كجزءٍ من العلاج الهرموني البديل، تحسناً في أعراض انقطاع الطمث، قد يلاحظنَ تفاقماً في الأعراض المرتبطة بعدم تحمل الهيستامين. لهذا السبب، من المهم أن يكون طبيب انقطاع الطمث على دراية تامة بتاريخكِ الطبي قبل البدء بالعلاج الهرموني البديل، وأن يتابع تطور أعراضكِ بانتظام أثناء تناولكِ له، بحثًا عن أي علاماتٍ دالة محتملة على عدم تحمل الهيستامين.
كيف أعرف ما إذا كنتُ أعاني من عدم تحمل الهيستامين؟

قد يكون من الصعب جدًا معرفة ما معاناتكِ من هذه المشكلة. قليلون جدًا، بمن فيهم العديد من المتخصصين في الرعاية الصحية، سمعوا بها من قبل؛ وهي ليست حالةٌ معترف بها حاليًا في الطب التقليدي، بل تندرج ضمن مجال الطب الوظيفي والتغذية.
لاحظ العديد من المصابين بعض الأعراض في أوقاتٍ مختلفة، ولكن نظرًا لتقلبها الشديد وتعدد أسبابها المحتملة، فمن النادر أن يربط أي شخص بين هذه الأعراض من قبل. يعتقد الكثيرون أن أعراضهم تعكس حساسيةً تجاه شيءٍ ما، لكنهم لم يتمكنوا من تحديد ماهيته بدقة، وقد تكون نتائج الفحوصات غير حاسمة. وهذا صحيح، لأن عدم تحمل الهيستامين ليس حساسيةً تجاه مادة معينة، بل هو تأثيرٌ تراكمي لزيادة مستوى الهيستامين في الجسم.
لا يوجد اختبار محدد لتشخيص عدم تحمل الهيستامين. وعادةً، يُعدّ تدوين الأعراض الغذائية في مفكرةٍ يومية لتحديد مُحفزاتها، المؤشر الأكثر فائدة. كذلك تختلف ردود فعل الأفراد تجاه الهيستامين اختلافًا كبيرًا، لذا قد تختلف الأطعمة التي تُسبَب لكِ هذه الأعراض عن تلك التي تُسببها لشخص آخر.
يُفضّل استشارة أخصائي تغذية، حيث يُمكنكِ البدء باستبعاد الأطعمة التي يُشتبه في أنها تُسبَب الأعراض، ثم إعادة إدخالها تدريجيًا واحدةً تلو الأخرى، لوضع نظامٍ غذائي مُخصّص. يُمكنكِ أيضًا تناول مضادات الهيستامين خلال هذه الفترة. كما بالإمكان إجراء فحوصات دم لقياس مستويات إنزيم DAO.
إن التخلص من الهيستامين ليس بالأمر السهل، لذا فإن استشارة أخصائي تغذية أو أخصائي حمية ذي خبرة في إدارة عدم تحمل الهيستامين، ستكون قيّمةً لتجنب نقص بعض العناصر الغذائية. ويتطلب تعديل النظام الغذائي لإدارة عدم تحمل الهيستامين وقتًا حتى يصبح مناسبًا. من المنطقي اعتباره مشروعًا يُفترض أن يُفضي في النهاية إلى استمتاعكِ بتناول مجموعة متنوعة من الأطعمة الصحية واللذيذة.
تنبيه: إذا كان لديكِ تاريخٌ من اضطرابات الأكل، وتفكرين في تقييد نظامكِ الغذائي للمساعدة في علاج عدم تحمل الهيستامين؛ فمن الضروري أن تتعاوني مع أخصائي رعاية صحية مؤهل وأن تناقشي الأمر مع فريق الرعاية الخاص بكِ لمساعدتكِ في تقييم ما إذا كانت أي فائدة محتملة تفوق خطر انتكاس اضطراب الأكل.
كيف أعالجُ مشكلة عدم تحمل الهيستامين؟
يمكن اتخاذ الإجراءات التالية لمحاولة تحسين حالة عدم تحمل الهيستامين:
1. النظام الغذائي وصحة الأمعاء: بناءً على نصيحة أخصائي تغذية، ضعي برنامجًا لتحسين صحة أمعائكِ، وجرّبي استبعاد بعض الأطعمة وإعادة إدخالها تدريجيًا. قد يكون تناول البروبيوتيك مفيدًا، ولكن يجب اختيار نوعٍ مناسب لمن يعانون من عدم تحمل الهيستامين.
يُفضّل طهي الطعام طازجًا عند اتباع نظامٍ غذائي منخفض الهيستامين، وتبريد بقايا الطعام وتجميدها فورًا. ترتفع مستويات الهيستامين في الأطعمة عند تركها في الثلاجة.
2. مضادات الهيستامين: تُخفف من الأعراض، لكنها لا تُعالج المشكلة الأساسية. توجد أنواعٌ مختلفة من مضادات الهيستامين، أهمها مُثبّطات مستقبلات H1 وH2.
3. المكملات الغذائية: هناك مجموعةٌ متنوعة من الفيتامينات والمعادن التي تُساعد في تحسين معالجة الهيستامين، ولكن تختلف هذه المكملات من شخص لآخر؛ مثل فيتامين ب، فيتامين ج، المغنيسيوم، والنحاس. الكيرسيتين مُكمّل غذائي (يوجد طبيعيًا في التفاح) يُساعد على استقرار الخلايا القارية.

تتوفر مكملات DAO للشراء بدون وصفة طبية. قد يكون من المفيد تناولها قبل 30 دقيقة من تناول وجبة تحتوي على الهيستامين، إلا أنها لا تُنصح عمومًا للاستخدام المنتظم، وقد تكون باهظة الثمن.
4. تقليل التوتر: يساعد خفض التوتر على خفض إفراز الهيستامين من الخلايا القارية. ويمكن تحقيق ذلك من خلال ممارسة اليوغا، التأمل، وتمارين التنفس، أو أي أنشطة أخرى تستمتعين بها وتُشعركِ بالهدوء. (يختلف تأثير التمارين الرياضية على الهيستامين من شخص لآخر).
5. تعديل العلاج الهرموني البديل: في حين أن الإستروجين قد يُفاقم مشاكل الهيستامين، فإن البروجسترون والتستوستيرون، كجزءٍ من العلاج الهرموني البديل، يساعدان عادةً على تثبيت الخلايا القارية. من المهم أيضًا ملاحظة أن العلاج الهرموني البديل يُحسّن صحة الأمعاء، وبالتالي قد يُساعد في علاج عدم تحمل الهيستامين.
ختام القول؛ عدم تحمّل الهيستامين أثناء انقطاع الطمث يحدث لأن تقلبات الإستروجين وانخفاض البروجستيرون تقلّل قدرة الجسم على تفكيك الهيستامين، خصوصًا عبر إنزيم DAO، مما يؤدي إلى تراكم الهيستامين وظهور أعراض تشبه الحساسية أو أعراض سنّ اليأس نفسها.
يمكن لتناول مضادات الهيستامين، العلاج الهرموني البديل وتعديل النظام الغذائي المساعدة في علاج عدم تحمل الهيستامين في فترة انقطاع الطمث، لتجاوز واحدةٍ من أكثر المشكلات غير المألوفة خلال هذه المرحلة الحيوية من حياة كل سيدة.