الدكتور إزيو كوستا

الصحة والسعادة ... فلسفة العافية عند الدكتور إزيو كوستا

كتبت لـ "هي" سنا نافع Sana Nafia:

عند مقولة أن هناك كتبٌ تقدّم إجابات، وهناك كتب تطرح أسئلة أكثر عمقاً، يندرج كتاب الدكتور إزيو كوستا "الصحة والسعادة"  (Salute e Felicità) ضمن الفئة الثانية. فمن خلال خبرة امتدت لعقود كطبيب وسنوات طويلة من التأمل في العلاقة بين الجسد والعقل، لا يقدّم ازيو كوستا وصفة جاهزة للحياة السعيدة، بل يدعو القارئ إلى التفكير في أحد أهم الأسئلة الإنسانية: ما العلاقة الحقيقية بين الصحة والسعادة؟

الدكتور إزيو كوستا
الدكتور إزيو كوستا

بدأ اهتمامي بالكتاب من عنوانه، ثنائية تبدو بسيطة للوهلة الأولى، لكنها تختزل سؤالاً شغل الطب والفلسفة والخيال الإنساني عبر قرون: ما الذي يجمع بين الصحة والسعادة؟ بدافع الفضول لفهم ما يعنيه كوستا حين يضع المفهومين جنباً إلى جنب، التقيت به في عيادته في مدينة فيرونا الإيطالية، وهي عيادة متعددة التخصصات تجمع بين طب الأسنان، والطب التجميلي، والعافية. ومن خلال هذا اللقاء، بدا واضحاً أن عنوان الكتاب ليس مجرد اختيار أدبي، بل خلاصة لمسيرة مهنية وإنسانية تشكلت حول قناعة أساسية: أن العناية بالإنسان لا يمكن أن تتجزأ بين الجسد والنفس، وأن الصحة لا تكتمل من دون الإحساس بالعافية والسعادة.

تبلورت فكرة الكتاب لديه تدريجياً على امتداد مسيرته المهنية. فقد ازداد اهتمام كوستا بالنقاش الدولي المتنامي حول السعادة باعتبارها أحد أبعاد الرفاه وجودة الحياة، في وقت بدأت فيه مؤسسات ومنظمات حول العالم بقياسها من خلال الدراسات والاستبيانات ومؤشرات جودة الحياة. غير أن هذه الأبحاث كشفت أيضاً حقيقة أكثر تعقيداً، فالسعادة لا تعني الشيء نفسه للجميع، فهي تختلف باختلاف الثقافات والظروف والمراحل العمرية، وبالتالي لا توجد وصفة عالمية لها ولا طريق واحد يصلح لكل إنسان.

الدكتور إزيو كوستا

ومن هنا تنطلق فكرة الكتاب، يرى كوستا أن الصحة والسعادة لا يمكن فصلهما عن بعضهما البعض، فلا صحة حقيقية من دون سعادة، ولا سعادة تدوم في غياب الصحة. فالصحة تمنح الإنسان القدرة على أن يعيش حياة ذات معنى، بينما تؤثر السعادة بصورة مباشرة في توازنه النفسي والجسدي. ولهذا لا يتعامل معهما كهدفين منفصلين، بل كوجهين لتجربة إنسانية واحدة.

ولكي يفسر هذه العلاقة، لا يكتفي كوستا بالطب وحده بل يستعين بالفلسفة والتاريخ والأخلاق، مستحضراً أفكاراً شغلت الفلاسفة منذ اليونان القديمة. فمنذ آلاف السنين، ربط المفكرون بين جودة الحياة وسمو الأخلاق والإحساس بالجمال والبحث عن المعنى. ويرى كوستا أن هذه الرؤى القديمة لا تزال تحتفظ بقيمتها في عالمنا المعاصر.

وتبدأ الرحلة بشيء يبدو في غاية البساطة: الابتسامة. بالنسبة لكوستا، الابتسامة ليست مجرد تعبير عن الفرح، بل انعكاس للتوازن الداخلي، والصحة النفسية، وطريقة الإنسان في التواصل مع العالم. إنها مرآة للرفاه، وتذكير بأن الصحة ليست مفهوماً طبياً فحسب، بل تجربة إنسانية متكاملة.

ومن هنا يصل إلى إحدى أهم أفكار الكتاب: لا يمكن الحديث عن تربية على السعادة من دون تربية على الصحة. فتعلم الإصغاء إلى أجسادنا، وفهم الإشارات التي يرسلها إلينا، والاستجابة لها بوعي، يمثل الخطوة الأولى نحو حياة أفضل. فالصحة ليست هبة ثابتة، بل ثمرة تُزرع كل يوم من خلال الوعي والاختيارات التي نتخذها.

ولهذا لا يقدّم كوستا قائمة من النصائح أو التعليمات، بل إطارا يساعد القارئ على التفكير في حياته. فهو يتناول ركائز الرفاه الأساسية، مثل النشاط البدني، والتغذية السليمة، والنوم الجيد، والتأمل، والتوازن النفسي، والعلاقات الإنسانية، لا باعتبارها قواعد جامدة، وإنما عناصر مترابطة تشكل معاً أسلوب حياة صحي.

كتاب الدكتور إزيو كوستا

وفي قلب الكتاب يطرح كوستا نموذجه «السداسي»، الذي يجمع الأبعاد المختلفة للعافية في خريطة شخصية يمكن من خلالها النظر إلى حياتنا بصورة أكثر شمولاً حيث يكون الهدف لا أن يخبرنا النموذج من أين نبدأ أو إلى أين نتجه، وإنما أن يدفعنا إلى طرح أسئلة أفضل: أين أقف الآن؟ ما الذي فقد توازنه في حياتي؟ ما الذي يحتاج إلى مزيد من الاهتمام مني؟ وما الذي أرغب فعلاً في تغييره؟

الدكتور إزيو كوستا

ويتضح هذا التركيز على قدرة الإنسان على التأثير في حياته، في إحدى أكثر عبارات كوستا إثارة للتأمل: "أنت ما أردت أن تكون" وهولا يقصد بذلك، كما يوضح، أننا نتحكم في كل ما يحدث لنا، فالوراثة والظروف والمصادفة تلعب جميعها أدواراً لا يمكن تجاهلها، لكن العبارة تمثل دعوة إلى إدراك القوة التراكمية لاختياراتنا، ففي كل يوم تتفاعل ملايين الإشارات الأيضية والمناعية والهرمونية مع عاداتنا ومشاعرنا وبيئتنا وسلوكياتنا، ومع مرور الوقت تسهم هذه التأثيرات الصغيرة في تشكيل الشخص الذي نصبح عليه. بمعنى آخر: اعمل على أن تصبح الشخص الذي تريد أن تكون.

وفي ثقافة تزداد فيها سرعة الحياة، وتتراجع فيها مساحات الهدوء والتأمل، يرى كوستا أن التأمل الذاتي لم يعد رفاهية، بل أصبح ضرورة. فمن خلال معرفة الذات فقط يمكن للإنسان أن يختار الحياة التي يريدها حقاً.

وربما لهذا السبب يبدو «الصحة والسعادة» أقل شبهاً بكتاب صحي تقليدي، وأكثر قرباً من دعوة لإعادة النظر في الطريقة التي نعيش بها. وعلى الرغم من أن الكتاب نُشر في الأصل باللغة الإيطالية، فإن الفكرة التي يحملها عنوانه تشد الانتباه. ولم يكن حواري المعمق مع الدكتور كوستا مجرد وسيلة لتجاوز حاجز اللغة، بل كان فرصة لاكتشاف جوهر مشروعه وإضاءة ملامح رؤية مقنعة لمفهوم العافية في عالمنا المعاصر.

وربما تكمن جاذبية فلسفة كوستا في هذه الفكرة البسيطة والدائمة: الصحة تجعل البحث عن السعادة ممكناً، والسعادة تمنح الصحة معناها الأعمق. لا تكتمل إحداهما من دون الأخرى.

نبذة عن مؤلف الكتاب

تخرج الدكتور إزيو كوستا في الطب والجراحة من جامعة فيرونا عام 1985، ثم تخصص في طب الأسنان والطب التجميلي، ونجح في الجمع بين المجالين وتطوير رؤية متكاملة تجمع بينهما.

ومنذ عام 2016، يعمل أستاذاً مشاركاً في جامعتي «كاميرينو» و«روما تور فيرغاتا». كما أنه عضو مؤسس والرئيس الفخري الحالي لجمعية  POIESIS، الجمعية الدولية للعلوم التجميلية المتكاملة للفم والمنطقة المحيطة بالفم منذ عام 2009.

يملك الدكتور ازيو كوستا كما يدير «Clinica Ezio Costa» في فيرونا، وهي عيادة تجمع بين طب الأسنان، والطب التجميلي، وطب العافية.