بمناسبة اليوم الدولي لليوغا: ما مستقبل هذه الرياضة في ظل التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي؟
عند سؤالها في إحدى المقابلات التلفزيونية عن أسباب ممارستها المنتظمة لليوغا، قالت الفنانة المصرية ياسمين صبري أن هذه الرياضة "تفيدها جسديًا ونفسيًا للغاية".
ونكادُ نجزم أن العديد من الفنانين العرب والأجانب، ممن نجدهم يمارسون اليوغا باستمرار، قد يقدمون الإجابة ذاتها. تُرى اليوغا تُرى كعلمٍ للحضور والاتزان، ومع جذورها التي تمتد آلاف السنين إلى عمق الفلسفة الهندية، نجدُ أن اليوغا في طور التطور المستمر لتلبية كافة احتياجات الأجيال الشابة والمعاصرة.
اليوغا هي نظام شامل يجمع بين الحركة (Asana)؛ التنفس (Pranayama)؛ التأمل ، (Dhyana)، والانضباط الذهني والروحي. الهدف الأساسي منها هو تنظيم الطاقة الداخلية وتحقيق توازن بين الجسد والعقل والنفس. في جوهرها، اليوغا ليست رياضة فقط، بل فلسفةٌ حياة تهدف إلى تهدئة العقل، وتحرير الإنسان من التوتر والانفصال الداخلي.
بدأت اليوغا منذ حوالي 5000 عام في الشرق، ولطالما ارتبطت بطقوس التأمل والاتصال بالطبيعة، مع التركيز على فكرة الوحدة بين الروح الفردية والروح الكونية؛ التأمل العميق وضبط الحواس؛ وتهدئة تقلبات العفل للوصول إلى الصفاء (اليوغا الحديثة). ومن القرن الخامس إلى الخامس عشر، تطورت اليوغا إلى ما بدع الكلاسيكية، وظهرت الهاثا يوغا التي ركَزت على الجسد، التنفس والطاقة؛ كماتطورت مفاهيم مثل الشاكرات، البرانا والمدرا.

ومن القرن التاسع عشر إلى اليوم، انتقلت اليوغا إلى الغرب عبر معلمين مثل فيفيكاناندا؛ لتتحول إلى ممارسة عالمية للصحة واللياقة. وظهرت مدارس جديدة: فينياسا، أشتانغا، يين، باور يوغا، وغيرها؛ واليوم، تُستخدم اليوغا في الطب الوقائي، الصحة النفسية، والعلاج الطبيعي.
تُعدَ اليوغا مهمةً للغاية اليوم، لأنها تعالج ما يعانيه الإنسان المعاصر: التوتر، القلق، الإرهاق العصبي، ضعف التركيز ومشاكل النوم. لتُعيدهُ إلى تنظيم التنفس، تهدئة الجهاز العصبي، واستعادة الإحساس بالجسد.
إلى جانب ياسمين صبري، نجد قائمةً طويلة من المشاهير العرب والأجانب، ممن يعتبرون اليوغا أسلوب حياة يساعدهم على التركيز، اللياقة، والصحة النفسية. وتجمع القائمة بين أسماء معروفة، من العالم العربي مثل نادين نجيم؛ درة زروق؛ كارمن بصيبص؛ مايا دياب، وبلقيس فتحي. أما في العالم الغربي، فتُطالعنا أسماءٌ بارزة مثل مادونا، جينفر أنستون، غوينيث بالترو، جيزيل بوندشين وهيو جاكمان.
اليوغا مهمة لهؤلاء المشاهير كونها تقدم لهم فوائد جمة، على رأسها تخفيف التوتر والضغط، النفسي، الحفاظ على اللياقة والمرونة، تحسين التنفس والصوت (مهم للمغنين)، تعزيز التركيز قبل العروض، ودعم الصحة الذهنية في بيئة عملٍ مُرهقة.
اليوغا والتطور الحديث
يتجهُ مستقبل اليوغا نحو ممارسةٍ أكثر علمية وشخصية، مدعومة بالتكنولوجيا، ومتكاملة علاجيًا - وهو تحوَلٌ مدفوع بعلم الأعصاب، علم الجينوم، الذكاء الاصطناعي، واقتصاد الصحة العالمي. ويمكن القول أنه في جوهرها، تتطورُ اليوغا من مجرد صيحة رياضية إلى أداة طبية دقيقة لنمط الحياة، دعم الصحة النفسية، الوقاية من الأمراض المزمنة، وتنظيم الجهاز العصبي.
في مقالة اليوم، وبمناسبة اليوم الدولي لليوغا الذي صادف يوم أمس الأحد 21 يونيو؛ نستعرضُ وإياكِ عزيزتي لمستقبل اليوغا في ظل التطورات الحديثة.
مستقبل اليوغا في ظل التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي
هناك العديد من النواحي المهمة التي تنطلق منها اليوغا كأداةٍ لتحسين الحياة في العصر الحديث، وفي ظل التطورات التكنولوجية وإدخال الذكاء الاصطناعي في مرافق الحياة المختلفة.

وتتمثل هذه النواحي في النقاط الآتية:
- اليوغا كطب وقائي مدعوم علميًا: يتم الاعتراف باليوغا اليوم وبشكلٍ متزايد، كنظام للتنظيم الذاتي، وليس مجرد حركة. إذ تُظهر الأبحاث في علم الأعصاب، الطب السلوكي، وعلم التخلَق أن اليوغا تؤثر على الجهاز العصبي، مسارات الالتهاب، والتنظيم العاطفي. فيما تشير الدراسات إلى أن اليوغا قد تُعدّل التعبير الجيني المرتبط بالالتهاب، التوتر، وشيخوخة الخلايا - وهو ما يُعرف بـ"النهضة الجينية" في الطب النفسي الجسدي.
وبالتالي تدمج أنظمة الرعاية الصحية اليوغا لمعالجة اضطرابات التوتر، الإدمان، الأمراض الأيضية، وأعراض انقطاع الطمث. ما يعني أن اليوغا سيتم وصفها بصورة كبيرة مثل العلاج الطبيعي - مُصممة خصيصًا، قابلة للقياس، ومُدمجة في الرعاية السريرية.
- صعود الصحة العصبية وتنظيم الجهاز العصبي: يُركَز مستقبل اليوغا على تهدئة الجهاز العصبي؛ فقد أصبحت تمارين التنفس (براناياما) أداةً علاجية عالمية للقلق وتنظيم المشاعر؛ كما يُستخدم علاج اليوغا لعلاج أعراض الصحة النفسية، تخفيف الهبات الساخنة، ودعم التعافي من الإدمان.
وتتمثل أهمية هذا الدمج، ومع ازدياد الإرهاق على مستوى العالم، في أن تُصبح اليوغا أداةً أساسية لمقاومة الإجهاد وتحقيق التوازن العاطفي.
- التخصيص المدعوم بالذكاء الاصطناعي وأنظمة اليوغا الرقمية: تُعيد التكنولوجيا اليوم، تشكيل كيفية تدريس اليوغا وممارستها؛ إذ يُصمَم التخصيص المدعوم بالذكاء الاصطناعي تسلسلات التمارين وفقًا للحالة المزاجية، البيانات الحيوية، والأهداف الصحية. فيما تُوفَر ملاذات اليوغا بتقنية الواقع الافتراضي، تجارب غامرة في بيئات جبال الهيمالايا أو الشواطئ من المنزل، مما يُوسَع نطاق الوصول ويُقلَل من البصمة الكربونية. كذلك تُتيح المنصات الرقمية التواصل العالمي بين المعلمين والطلاب، والتعليم الهجين.
ومع هذا التحوّل الكبير؛ تُصبح اليوغا أكثر تخصيصًا، قائمة على البيانات، ومتاحة في أي مكان.
- الشمولية والتوسع ليشمل المجتمعات المحرومة: على الرغم من ازدهار سوق الصحة والعافية، لا تزال فئاتٌ سكانية عددة محرومة من الخدمات. وغالبًا ما تُركَز الاستوديوهات التقليدية على الرياضيين الشباب، متجاهلةً كبار السن، المبتدئين، مُقدمي الرعاية، والأشخاص ذوي الإعاقة. لذا يُركَز المستقبل على اليوغا المُكيّفة، اليوغا المُراعية للصدمات النفسية، والبرامج المجتمعي.
والنتيجة؟ تُصبح اليوغا أكثر شمولية، تنوعًا، ووعيًا اجتماعيًا.
- العلاج باليوغا كمهنة: يشهد هذا المجال تطورًا مهنيًا سريعًا، إن لجهة النمو في برامج الشهادات العالمية؛ أو الاندماج في برامج الصحة المؤسسية والأداء الرياضي؛ أو التحوّل من الحصص العامة إلى التقييم والرعاية الفردية. وفي المحصَلة، سيلعب معالجو اليوغا دورًا محوريًا في عيادات الرعاية الصحية وإطالة العمر، وهو أمرٌ بالغ الأهمية في قطاع الصحة والعافية في دبي.

- إعادة هيكلة القطاع: نهاية طفرة اليوغا نشهدها في يومنا الحالي؛ وسوق اليوغا ينضج، بحيث نجدُ أن نموذج "المسار الوظيفي المتنقل" لمعلمي اليوغا آخذٌ في التلاشي، يختفي الوسط في السوق، مما يدفع المحترفين نحو التكامل، التخصص والنماذج المستدامة. ما يعني أن وظائف اليوغا المستقبلية سوف تتطلب مهاراتٍ أعمق، تدريبًا علاجيًا، وخبرةً متعددة التخصصات.
- اليوغا الواعية بيئيًا والمتمحورة حول المجتمع: أصبحت الاستدامة والممارسات الصديقة للبيئة من القيم الأساسية في عصرنا الحديث، ليعود التواصل المجتمعي كعامل توازن للإرهاق الرقمي. والاتجاه المستقبلي هو أن تتحول اليوغا إلى نظامٍ بيئي لنمط الحياة - العيش بوعي، الاستهلاك الواعي، ورفاهية المجتمع.
في الخلاصة؛ تتطور اليوغا اليوم لتصبح تدخلاً صحياً قائماً على أسسٍ علمية، ممارسة شخصية مُعززة بالذكاء الاصطناعي، أداةً علاجية للصحة النفسية والأمراض المزمنة، تخصَصاً أكثر شمولاً وسهولة في الوصول إليه، مهنة مُدمجة في أنظمة الرعاية الصحية وإطالة العمر، تجربة هجينة تجمع بين العالم الرقمي والواقعي، ونمط حياة واعٍٍ بيئياً ومجتمعيًا.
كل ذلك في سبيل خدمة من يجدون أنفسهم اليوم، عالقين في زحمة الحياة العصرية التي تُمارس ضغوطًا كبيرة على صحتهم الجسدية والنفسية، ويتطلعون لمساحةٍ من الراحة واستعادة الزخم تُقدَمها رياضة اليوغا بشكلٍ كبير ومتوازن.